Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تحوّل الحكم إلى مُلك

كيف غيّر الانحراف في طريقة البيعة مسار الأمة؟

 

عند دراسة التاريخ الإسلامي بعد انتهاء عهد الخلافة الراشدة، يتبين أن أخطر التحولات لم تكن في ميادين القتال ولا في حدود الدولة، بل في طريقة إقامة الحكم نفسها. فالخلافة في أصلها نظام محدد المعالم: تنعقد ببيعة شرعية من الأمة، ويُختار لها من تتوافر فيه شروط الانعقاد، ويكون السلطان فيها للأمة، تمارسه بتنصيبها للخليفة، بينما السيادة للشرع وحده. هذا البناء هو الذي أقامه الرسول ﷺ في المدينة، وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده.

 

غير أن التحول الذي وقع لاحقاً، حين انتقل الحكم من كونه بيعة اختيار إلى صورة يغلب عليها طابع التوريث، لم يكن مجرد تغير إداري، بل انحراف في طريقة تنصيب الخليفة. فطريقة اختيار الحاكم في الإسلام ليست مسألة شكلية، بل هي جزء من النظام نفسه. فإذا اختلت الطريقة، اختل معها توازن العلاقة بين الأمة والسلطان.

 

في عهد الخلفاء الراشدين، كانت البيعة تنعقد على أساس الرضا والاختيار، وتُعطى للخليفة بوصفه ملتزماً بتطبيق الإسلام. لم يكن الحكم امتيازاً عائلياً، ولا إرثاً سياسياً، بل عقداً رضائياً يوجب الطاعة في المعروف ويُوجب المحاسبة عند الخطأ. هذه الآلية ضمنت بقاء الحكم خاضعاً للشرع، وأبقت الأمة حاضرة في معادلة السلطة، لا مهمَّشة عنها.

 

عندما تحوّل الحكم إلى صورة يغلب عليها طابع الملك، تغيّرت طبيعة السلطان تدريجياً. لم يعد السؤال المركزي من هو الأقدر على تطبيق الشرع؟ بل أصبح: من هو الأقرب إلى بيت الحكم؟ ومع أن كثيراً من الخلفاء بعد ذلك بذلوا جهوداً في الفتوحات وإدارة الدولة، إلا أن الخلل في طريقة الانعقاد وإساءة أخذ البيعة، فتح باباً لاضطرابات سياسية وصراعات على السلطة، وأضعف وضوح مفهوم أن الخليفة يُنصَّب ببيعة شرعية صحيحة من الأمة.

 

الفرق الجوهري بين الخلافة والمُلك أن الخلافة تقوم على عقد بيعة واختيار، بينما الملك يميل إلى تثبيت الحكم في سلالة معينة، ولو مع وجود بيعة شكلية. في الخلافة، السلطان للأمة؛ أي أن الأمة هي التي تمنح الحاكم سلطان التنفيذ بعقد شرعي. أما حين يغيب هذا المعنى، وتصبح البيعة إجراءً لاحقاً لقرار سابق داخل دائرة ضيقة، فإن العلاقة بين الأمة والحكم تتبدل.

 

هذا التحول لم يُلغِ تطبيق الإسلام دفعة واحدة، ولم يُخرج الدولة عن كونها دولة إسلامية من حيث الجملة، لكنه أثّر في حيوية النظام السياسي، وأضعف عنصر المحاسبة، ومهّد لظهور صراعات داخلية متكررة. فالطريقة الشرعية في تنصيب الخليفة ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل صمام أمان يحول دون تحول الحكم إلى صراع عائلي أو عسكري.

 

إن النظر المنضبط إلى هذا الحدث يبيّن أن قوة الأمة لا تُقاس فقط باتساع رقعتها أو كثرة جيوشها، بل بسلامة نظامها السياسي. فقد بلغت الدولة الإسلامية في عصور الحكم العضوض اتساعاً عظيماً، لكنها في الوقت ذاته شهدت اضطرابات داخلية وانقسامات متكررة، كان أحد جذورها غياب الالتزام الكامل بكيفية أخذ البيعة كما كانت في عهد الراشدين.

 

وعند إسقاط هذا الدرس على واقع المسلمين اليوم، يظهر أن المشكلة لم تعد في التحول من خلافة إلى مُلك فحسب، بل في غياب الخلافة أصلاً، وقيام كيانات قطرية على أساس الرأسمالية، تفصل الإسلام عن الحكم، وتجعل السيادة لغير الشرع. ومع ذلك، يبقى درس التحول التاريخي مهماً: أي مشروع لإقامة الحكم بالإسلام لا بد أن يلتزم بطريقة انعقاد صحيحة واضحة، تمنع احتكار السلطة، وتُبقي السلطان للأمة، وتمكنها من محاسبته متى خالف عقد البيعة.

 

فإقامة الخلافة ليست مجرد إعلان سياسي، بل إعادة بناء كاملة لطريقة الحكم وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بالبيعة، وشروط الخليفة، وصلاحياته، ومحاسبته. ولا يكفي أن يُرفع شعار "تطبيق الشريعة" إن لم تكن طريقة الوصول إلى الحكم منضبطة بالشرع أيضاً، لأن الطريقة في نظام الحكم جزء من الحكم نفسه.

 

إن تحوّل الحكم إلى ما يشبه المُلك في التاريخ الإسلامي يقدّم درساً عميقاً، فالانحراف في طريقة تنصيب الحاكم يفتح الباب لانحرافات لاحقة في الممارسة السياسية، ولو بقيت بعض الأحكام مطبقة. والعودة إلى المنهج الكامل تقتضي إعادة الاعتبار لمعنى البيعة الشرعية كعقد مراضاة واختيار لا إجبار فيها وﻻ إكراه عليها، ولأن السلطان للأمة تمارسه بتنصيبها للخليفة، لا بفرضه عليها.

 

الأمة التي تضبط طريقة حكمها بأحكام الإسلام تحافظ على وحدتها السياسية، وتمنع تحوّل السلطة إلى إرث شخصي أو عائلي، وتبقي الحاكم في موقع النائب عن الأمة في تنفيذ الشرع. أما حين تُفرّط في هذه الأصول، فإنها تفتح باب الصراع والاضطراب، ولو امتلكت القوة المادية.

 

وهكذا فإن دراسة هذا التحول ليست اجتراراً لحدث تاريخي، بل تذكير بأن استئناف الحياة الإسلامية اليوم لا يكون إلا بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تلتزم بالأحكام الشرعية كاملة: في طريقة الانعقاد، وفي ممارسة السلطان، وفي المحاسبة.

 

عندها فقط يستعيد الحكم معناه الصحيح، وتستعيد الأمة موقعها كأمةٍ لها سلطان واحد، وسيادة للشرع وحده، ووحدة سياسية تمنع تكرار أخطاء الماضي.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.