- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الإعلام وصناعة الرأي العام
حين تتحول الكلمة إلى أداة صراع حضاري
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الوقائع، بل أصبح جهازاً استراتيجياً لصياغة العقول وتوجيه الرأي العام وفق رؤية حضارية محددة. فالدولة التي تملك وسائل التأثير الإعلامي لا تنقل الخبر فقط، بل تحدد زاوية النظر إليه، وتضع له الإطار التفسيري، وتزرع في الوعي الجمعي مفاهيم بعينها، حتى يصبح الناس يرون الواقع من خلالها دون أن يشعروا.
المشكلة في بلاد المسلمين ليست في ضعف الإمكانات التقنية فحسب، بل في تبعية الأجهزة الإعلامية برمتها للنفعية الرأسمالية. فالإعلام السائد عالمياً ينبثق عن عقيدة فصل الدين عن الحياة، ويجعل المعيار في التقييم هو المصلحة والمنفعة وفق الرؤية الغربية. ومن الطبيعي أن يُعاد تشكيل المفاهيم في أذهان المسلمين بما ينسجم مع هذه الرأسمالية، لا مع عقيدتهم.
الإعلام في النظام الرأسمالي ليس محايداً كما يُصوَّر، بل هو جزء من البنية السياسية والاقتصادية للدولة. الشركات الكبرى المالكة للقنوات والمنصات مرتبطة بمصالح اقتصادية عابرة للحدود، والسياسات التحريرية تخضع في الغالب لحسابات النفوذ والتمويل. ولذلك يُعاد تعريف القضايا وفق ما يخدم مراكز القوة. فالمقاومة تُوصف "إرهاباً"، والاحتلال "دفاعاً عن النفس"، والتبعية "شراكة استراتيجية"...
إن أخطر ما يفعله الإعلام المهيمن هو إعادة تشكيل معيار الحكم على الأشياء. فبدل أن يكون الحلال والحرام، والحق والباطل، هما الأساس في التقييم ومقياس الأعمال، يُستبدل بهما معيار المنفعة والمصلحة الوطنية أو القانون الدولي أو الرأي العام العالمي. وهكذا تُسحب السيادة من الشرع دون إعلان صريح، ويُعاد تشكيل وعي الأمة تدريجياً حتى تتقبل مفاهيم تخالف عقيدتها.
في التاريخ الإسلامي، كان الخطاب العام منضبطاً بأسس واضحة. كانت العقيدة هي التي تحدد العدو والصديق، والولاء والبراء، والغاية من القتال أو السلم. لم يكن المسلم يتيه في بحر من الروايات المتناقضة، لأن المعيار كان ثابتاً؛ ما وافق الشرع فهو حق، وما خالفه فهو باطل. أما اليوم، فإن سيل المعلومات وتعدد المنصات لا يعني تعدد الحقائق، بل قد يعني تشويشاً مقصوداً يُفقد الناس القدرة على التمييز.
الأنظمة القُطرية العميلة في بلاد المسلمين لم تخرج عن هذا الإطار، بل غالباً ما وظفت الإعلام لخدمة بقائها، لا لخدمة الأمة. الإعلام الرسمي يبرر السياسات القائمة، ويعيد إنتاج خطاب يرسّخ الوطنية القُطرية بوصفها أعلى رابطة، ويبتعد بالناس عن الرابطة المبدئية الحقيقية رابطة العقيدة الإسلامية، ويختزل قضايا الأمة في حدود الدولة. أما الإعلام الخاص، فكثيراً ما يرتبط بمصالح اقتصادية أو سياسية تجعله جزءاً من لعبة النفوذ، لا من مشروع نهضة الرؤية السياسية المبدئية التي يتبناها تنطلق من أن معركة الإعلام هي جزء من الصراع الفكري، وهو أحد أركان العمل لإقامة الخلافة. فقبل أن يتغير الواقع السياسي، لا بد أن تتغير المفاهيم السائدة. ولا يمكن أن يُقام نظام إسلامي في بيئة فكرية ترى الديمقراطية قدراً لا يُناقش، وتعتبر العلمانية شرطاً للتقدم، وتخشى من تطبيق الإسلام أكثر مما تخشى من التبعية للغرب.
إن الإعلام في الدولة الإسلامية ليس جهاز دعاية للحاكم، بل أداة لإظهار الحق وتبصير الأمة بأحكام الشرع، وكشف المؤامرات، وفضح العدوان، وحمل الدعوة إلى العالم. فهو جزء من وظيفة الدولة في رعاية الشؤون، لأنه يسهم في تشكيل رأي عام واعٍ منضبط بالشرع. ولا يعني ذلك إلغاء التعدد في الرأي، بل ضبطه ضمن إطار العقيدة، بحيث لا يتحول إلى تشكيك في ثوابت الإسلام أو ترويج لمفاهيم تناقضه.
إن من أخطر آثار الإعلام الرأسمالي في بلاد المسلمين تكريس الشعور بالعجز. تُعرض الأمة دائماً بوصفها ضعيفة، متأخرة، عاجزة عن إدارة نفسها، بينما يُقدَّم الغرب بوصفه النموذج الأوحد للتقدم. ومع تكرار الصورة، يتحول الإحساس بالدونية إلى قناعة راسخة، ويصبح تقليد الغرب في نظامه السياسي والاقتصادي أمراً "طبيعياً" في نظر كثيرين.
لكن الحقيقة أن هذا الإطار الإعلامي يخفي أزمات عميقة في المنظومة الرأسمالية نفسها، أزمات اقتصادية متكررة، تفكك أسري، صراعات داخلية، وازدواجية في المعايير. غير أن إبراز هذه الجوانب لا يحظى بالاهتمام ذاته، لأن الإعلام جزء من النظام الذي يحمي صورته.
إن استعادة الأمة لوعيها الإعلامي لا تعني الانغلاق أو رفض التقنية، بل تعني إعادة بناء الزاوية التي ينظر من خلالها والتي يسوق رأيه للناس على أساسها. يجب أن يكون المسلم قادراً على قراءة الخبر من ناحيتين؛ الوقائع، والتفسير. فالوقائع قد تكون صحيحة، لكن تفسيرها قد يُصاغ بطريقة تخدم رؤية معينة. ومن هنا تأتي أهمية الوعي السياسي المنبثق عن العقيدة، والذي يجعل المسلم يحاكم الأحداث إلى الشرع، لا إلى الخطاب السائد.
إن معركة المفاهيم اليوم لا تقل خطورة عن أي معركة عسكرية. فالأمة التي تُهزم فكرياً يسهل إخضاعها سياسياً واقتصادياً. أما الأمة التي تملك بوصلة فكرية واضحة، فإنها تستطيع أن تميّز بين الحق والباطل، وأن تحمي نفسها من التضليل، وأن تتبنى مشروعها الحضاري بثقة.
العمل لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة يقتضي خوض هذا الصراع الإعلامي بوعي، وكشف زيف المفاهيم الرأسمالية، وبيان تناقضها مع عقيدة الأمة، وتقديم البديل الإسلامي بوصفه نظاماً متكاملاً للحياة، لا مجرد شعارات. فحين يتشكل رأي عام واع يطالب بتحكيم الإسلام، يصبح التغيير السياسي ممكناً، لأن القوة الحقيقية تنبع من الأمة إذا أدركت حقيقتها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر