- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الرابعة
من أين تُستمد السيادة؟
أخطر سؤال في أي نظام حكم ليس هو من يحكم؟ بل: من يملك حق التشريع؟ فالحاكم - أيّاً كان اسمه أو صفته - لا يصنع الشرعية من ذاته، وإنما يستمدها من الجهة التي يُحتكم إليها في إصدار القوانين. فإذا كانت المرجعية بشرية خالصة، أصبح التشريع تعبيراً عن إرادة أغلبية، أو توازن قوى، أو مصالح طبقة نافذة. أما إذا كانت المرجعية هي الوحي، فإن وظيفة الحاكم تتحول من صانع قانون إلى مُنفِّذ حكم.
في النظم السياسية المعاصرة، السيادة - نظرياً - للشعب، وتمارس عبر البرلمان أو الدستور. البرلمان يسنّ القوانين، ويعدلها، ويلغيها. ما كان محرماً بالأمس قد يصبح مباحاً اليوم إذا صوّتت الأغلبية، والعكس صحيح. المرجعية هنا متحركة، نسبية، تخضع للظروف والمصالح والضغط الإعلامي والاقتصادي.
أما في الإسلام، فالأمر محسوم: السيادة للشرع، أي أن مصدر الأحكام هو النصوص القطعية من القرآن والسنة، وما يُستنبط منهما بأدوات الاجتهاد المعتبرة. والسلطان للأمة، بمعنى أن الأمة تختار من يطبق هذه الأحكام وتحاسبه عليها. هذا التفريق بين السيادة والسلطان هو تفريق جوهري؛ فالسيادة تحدد من يضع القواعد، والسلطان يحدد من يُنفذها.
ولفهم خطورة المسألة، يكفي أن ننظر إلى مثال عملي: الربا هو حرام قطعا بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. هذا الحكم ليس محل تصويت أو تفاوض. لا يملك حاكم ولا مجلس نيابي - وفق هذا التصور - أن يبيحه. لكن في النظام الوضعي، سعر الربا أداة من أدوات السياسة النقدية. قد يُرفع أو يُخفض وفق اعتبارات اقتصادية. بل قد يُعتبر ضرورة لاستقرار السوق. هنا يظهر التباين: في الأول، النص يقيّد الإرادة السياسية؛ في الثاني، الإرادة السياسية تعيد تعريف الحلال والحرام القانوني.
مثال آخر: الملكية العامة. في الإسلام تقسيم الملكية إلى ملكية خاصة، وملكية عامة، وملكية دولة. والملكية العامة هي الموارد الدائمية وشبه الدائمية التي لا يستغني عنها الناس كالماء والكلأ والنار، وفق الحديث: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» وهي ثروات لا يجوز احتكارها. أما في النظام الرأسمالي، فالأصل هو الخصخصة، واعتبار السوق المرجع في توزيع الموارد، ما لم يمنع القانون. وبالتالي يمكن بيع الملكية العامة أو إدارتها بمنطق الربح، إذا رأت السلطة التشريعية ذلك مناسباً.
في الحالة المصرية، تظهر آثار اختلاف المرجعية بوضوح. حين تُدار السياسة الاقتصادية وفق اشتراطات مؤسسات مالية دولية، وتُبنى الموازنات على القروض بالربا، فإن ذلك ليس قراراً فنياً بحتاً، بل نتيجة تبني إطار فكري معين يرى في الربا أداة طبيعية، وفي الاقتراض وسيلة مشروعة لإدارة العجز. أما في إطار الإسلام، حيث الربا محرم قطعاً، فإن البحث سيتجه إلى أدوات تمويل أخرى، وإلى إعادة هيكلة الإنفاق والملكية العامة بطريقة مختلفة جذرياً.
القضية إذن ليست أخلاقية سطحية، بل بنيوية. عندما تُنتزع السيادة من الشرع يصبح القانون قابلاً لإعادة الصياغة بحسب ميزان القوى. قد تُسن قوانين تقيد الحريات، أو توسع سلطات الأجهزة التنفيذية، أو تعيد توزيع الثروة بطريقة تخدم فئات محددة، وكل ذلك يكتسب شرعيته من كونه صدر عن السلطة المختصة.
لكن في النموذج الذي يجعل السيادة للشرع، لا يملك الحاكم تغيير الأحكام القطعية. بل إن مخالفته لها تُسقط مشروعيته. لهذا كان الحديث عن وجوب محاسبة الحاكم إذا خالف الشرع، واستدلوا بأحاديث مثل: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ...»، وحديث «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». المحاسبة هنا ليست تفضّلاً من السلطة، بل حق وواجب نابع من أن أحكام الشرع أعلى من الحاكم نفسه.
عندما تكون السيادة للبشر، يصبح البرلمان أو من يهيمن عليه قادراً على إعادة تشكيل حياة الناس بقانون واحد. تعديل مادة دستورية قد يغيّر شكل الحكم، وقانون اقتصادي قد يبدل مصير ملايين. أما عندما تكون السيادة للشرع، فإن المجتهد يتحرك أثناء استنباط أحكام الإسلام داخل إطار مرسوم سلفاً، لا يتجاوزه.
في مصر، كثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية يُعزى إلى هذا الانفصال بين عقيدة المجتمع ونظامه وقوانينه. الناس يؤمنون بأن القرآن كلام الله، ويقرؤون فيه أحكاماً واضحة، ثم يعيشون في ظل نظام يستمد قواعده من فلسفات أخرى. هذا التناقض يولّد شعوراً بالاغتراب: فالقانون لا يعبر عما يعتقده الناس حقاً.
السؤال عن مصدر التشريع ليس سؤالاً نظرياً معزولاً، بل هو الذي يحدد شكل الاقتصاد، وحدود السلطة، وطبيعة الحقوق، وآليات المحاسبة. حين يُقال إن "السيادة للشرع والسلطان للأمة"، فالمقصود خلال هذا الإطار أن القانون لا يُنتج في غرف السياسة وفق موازين القوة، بل يُستمد من نصوص ثابتة، وأن الأمة تنيب عنها من يلتزم بتنفيذها.
وفي المقابل، حين تُجعل السيادة للشعب عبر مؤسساته التمثيلية، يصبح الشعب - نظرياً - مصدر الحلال والحرام القانوني، حتى لو تعارض ذلك مع نص ديني عند فئة من المجتمع.
بين هذين التصورين يتحدد شكل الدولة، وطبيعة الصراع الفكري فيها، ومستقبلها التشريعي. ولذلك كان سؤال من يملك حق التشريع؟ أخطر من سؤال من يجلس على الكرسي؟ لأن الكرسي قد يتبدل، لكن الأساس إذا استقر، رسم مسار الأمة لعقود طويلة.
وأي أساس أفضل من عقيدة الإسلام وما انبثق عنها من أحكام. وأي سيادة أفضل من سيادة الشرع حين تعانق سلطان الأمة وتطبق ما انبثق عن الوحي من أحكام في ظل الإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر