- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
رمضان: إيقاظُ الشخصية الإسلامية المفكّرة
(مترجم)
رمضانُ ليس مجرد شهر للصّيام والعبادات والتأمُّل الشّخصي، بل هو شهر أيقظ العقول تاريخياً، وأعاد تشكيل المجتمعات، وغيّر مسار البشرية. نزل القرآن الكريم في رمضان هُدىً للبشرية، ليس لتطهير القلوب فحسب، بل لإعادة بناء الحياة نفسها على الهدي الإلهي. لهذا السبب، يدعو رمضان المسلمين إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد ممارسة الطقوس الرّوحية، إنه يدعونا إلى التفكير، وتقييم الواقع، والعمل بوعي من أجل التغيير.
إنّ إحدى أخطر المشكلات التي تواجه المسلمين اليوم ليست نقص الإيمان، ولا نقص الممارسات الدينية، بل وجود عقول خاملة اعتادت على الوضع الراهن. يؤمن كثير من المسلمين بالإسلام، ويصلّون، ويصومون، ويؤدّون العبادات، ومع ذلك يعيشون ضمن أنظمة وقيم وواقع يتعارض مع عقيدتهم. هذا التناقض لا ينشأ عادةً من رفض الإسلام، بل من انفصال تدريجي بين العقيدة والسلوك. عندما تقتصر العقيدة على الطقوس الشخصية، بينما تتشكل القرارات اليومية بفعل الخوف والراحة والثقافة والظروف، تتشتت الشخصية الإسلامية.
لا يقبلُ الإسلام القبول السلبي للواقع، ولا يُنشئ شخصيات تتكيف ببساطة مع الظُّلم والانحلال والفساد. بل يُنشئ مفكرين ينظرون إلى الواقع من خلال عقيدتهم، وليس العكس. يُطلب من المسلم تقييم العالم بوعي، وفهم الأسباب والنتائج، وقياس المواقف وفقاً لأوامر الله. هذا التفكير الفعّال هو أساس التغيير الحقيقي.
تتشكل الشخصية الإسلامية عندما تنبع الأفكار والميول من العقيدة الإسلامية. ومع ذلك، غالباً ما تظهر ثغرات في السلوك. قد يؤمن المسلم بالإسلام إيماناً صادقاً، لكنه يتصرف بطرق تُخالفه. يحدث هذا عندما يفشل في ربط المفاهيم بالعقيدة، أو يتأثر بالشيطان، أو يسمح لمصالحه الشخصية المتوهمة بأن تطغى على الهداية الإلهية. لا تُخرج هذه اللحظات المرء من الإسلام، بل تكشف عن ضعف في الالتزام والوعي، وتُظهر شخصية لم تدمج الإيمان بالعمل بشكل كامل.
لهذا السبب يُعدّ التفكير ضرورياً. فبدون التفكير الواعي، يبدأ المسلمون بالانحراف، وتُملي عليهم أحوالهم ظروف الواقع، وتُصبح الأعراف المجتمعية مرجعياتهم، وتحلّ الراحة محلّ المسؤولية. ومع مرور الوقت، يُنتج هذا مجتمعاً يمارس الإسلام سراً، بينما يُسلّم حياته العامة لأنظمة من صنع الإنسان. والنتيجة هي الجمود: قد تبقى القلوب مُتعلّقة بالإيمان، لكن العقول مُستسلمة للهياكل القائمة.
يطالب الإسلام بأكثر من ذلك، فهو يُلزم المسلمين بالتفكير في التغيير. وهذا يعني رفض تطبيع الظُّلم والجور والانحلال الأخلاقي، والتساؤل عن سبب عيش الأمة تحت قوانين أجنبية، واستغلال اقتصادي، وهيمنة سياسية. ويعني أيضا إدراك أنّ الفقر والحرب وتفكك الأسر والفراغ الروحي ليست أحداثاً عشوائية، بل هي نتائج أنظمة تُخالف الهداية الإلهية.
المسلم المُفكّر لا يكتفي بالتفاعل العاطفي مع المعاناة، بل يسعى لفهم أسبابها الجذرية. يتساءلون عن سبب انقسام بلاد المسلمين، وتآكل القيم، وضعف الهوية، واختزال الإسلام إلى مجرد عبادة فردية. إنهم يدركون أنّ الإسلام أُنزل لتنظيم الحياة تنظيماً شاملاً؛ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأخلاقياً. لذا، يرفضون قبول الإسلام الجزئي.
يُتيح رمضان فرصة فريدة لاستعادة هذا الوعي. فمع كبح الشهوات الجسدية، يزداد صفاء الذهن. ومع تلاوة القرآن، تتغير النظرة. ومع قضاء الليالي في العبادة، يقلُّ التعلق بالدنيا. هذه البيئة الروحية تُهيئ المسلمين لإعادة تقييم أولوياتهم وإعادة ربط حياتهم بعقيدتهم.
يبدأ التغيير الحقيقي عندما يكفُّ المسلمون عن النظر إلى أنفسهم كأفراد منعزلين، ويدركون مسؤوليتهم الجماعية. لم يأتِ الإسلام ليُنتج مؤمنين متفرقين يركزون فقط على الخلاص الشخصي، بل ليبني أمة موحدة تحمل رسالة إلى البشرية. كل مسلم وكل مسلمة هم جزء من هذه المسؤولية. فالأمّهات يُشكلن الأجيال، والأخوات يُؤثرن في الأسر والمجتمعات. النساء لسن هامشيات في التغيير، بل هنّ محور أساسي في تنشئة شخصيات واعية ومبدئية.
يتطلبُ بناء شخصية إسلامية واعية انضباطاً، وتعلم الإسلام كنظام متكامل، لا مجرد طقوس. ويتطلبُ وعياً بالشؤون العالمية وكيف تُشكل القوى العالمية واقع المسلمين. ويتطلب شجاعة لتحدي الروايات السائدة، وصبراً للثبات. وقبل كل شيء، يتطلب إخلاصاً، أي استعداداً للخضوع التام لله في الحياة الشخصية والرؤية المجتمعية.
عندما يُفكر المسلمون من منظور العقيدة، تتغير أولوياتهم. لم يعد النجاح يُقاس بالثروة أو المكانة، بل بطاعة الله. يقلُّ الخوف من الناس، بينما يزدادُ الشعور بالمسؤولية أمام الله. تصبح الحياة ذات معنى، ويصبح الكفاح ذا قيمة.
يذكّرنا رمضان بأنّ الإسلام قد غيّر العالم في الماضي لأنّ المسلمين فكروا بعمق، وعملوا بروح الجماعة، وعاشوا عقيدتهم جهاراً. ولا تزال هذه الإمكانية قائمة اليوم، لكنها تبدأ بنبذ العقول الخاملة، وبربط الإيمان بالأفعال، وبالمسلمين المفكرين.
من خلال هؤلاء، يُحدث الله تغييراً حقيقياً، لا مجرد إصلاحات شكلية، بل تحولاً شاملاً. نسأل الله أن يكون رمضان هذا نقطة تحول تلين فيها القلوب، وتستيقظُ فيها العقول، ويعيدُ المسلمون اكتشاف دورهم في نشر الإسلام كمنهج حياة متكامل.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ياسمين مالك
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
#رؤية_حقيقية_للتغيير
#TrueVision4Change