Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

تدليس ترامب يكشف إفلاس أمريكا الحضاري والسياسي والاقتصادي

 

 

أعلن رئيس أمريكا ترامب أن أمريكا "عادت أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضى"، مؤكدا في خطاب حالة الاتحاد أن إدارته حققت تحولا تاريخيا بعد عام واحد من توليه السلطة. (الجزيرة نت)

 

للقفز عن الواقع والتغطية على الإخفاقات التي تمر فيها أمريكا وآخر فصول هذه الإخفاقات فترة حكم ترامب، كممثل للوسط السياسي والدولة العميقة في أمريكا، لجأ ترامب إلى التدليس والكذب للتغطية على الإخفاقات والإفلاس الحضاري الذي وصلت إليه أمريكا منذ شنها حرباً صليبية على البلاد الإسلامية فيما عُرِّف "بالحرب على الإرهاب" واحتلال أفغانستان والعراق وما أعقب ذلك من أزمة اقتصادية حادة عام 2008 وتعاظمت على مر الزمن إلى أن وصلت أمريكا حد الإفلاس الاقتصادي بعد وصول دينها حافة 39 تريليون دولار، إضافة إلى الإفلاس الحضاري الذي وصلت إليه، من خلال تخليها عن القيم والمبادئ الغربية وعلى رأسها الحريات والديمقراطية وحرية السوق، وليس آخرها انسحاب أمريكا من أكثر من 60 منظمة دولية، وسعيها إلى التفرد في الموقف الدولي. ظهر واضحاً لدى النقاد والمتابعين مجموعة من المغالطات والتدليس في خطابه الذي كان مطولاً، في محاولة منه لإيهام الناخب الأمريكي أن بلدهم بخير وهي عظيمة وليس العكس، حيث تضمن الخطاب عدداً كبيراً من الادعاءات المبالغ فيها أو غير الدقيقة أو الكاذبة الصريحة، خصوصاً في ملفات الاقتصاد، والهجرة والجريمة، والانتخابات، والسياسة الخارجية، ومن هذه المغالطات:

 

1- ادعى ترامب أن "عدد الأمريكيين العاملين اليوم هو الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة"، وأنه حقق قفزة استثنائية في الوظائف، وأن نمو الاقتصاد في عهده يمثل "انعطافة تاريخية". بينما تؤكد التحليلات التي قامت بها بعض الوكالات الإعلامية مثل نيويورك تايمز، أن جزءاً من هذه العبارات صحيح من حيث الأرقام المطلقة بسبب زيادة عدد السكان، لكنه مضلل لأن نسبة المشتغلين إلى عدد السكان ونمو الوظائف تباطأ مقارنة بسنوات سابقة، وأن نمو الناتج في 2025 كان أضعف من سنوات في عهد بايدن. كما كرر ترامب ادعاءً بأنه أمّن 18 تريليون دولار من الاستثمارات الجديدة في أمريكا خلال 12 شهراً، مقدّماً ذلك كإنجاز غير مسبوق، إلا أن هذا الرقم لا يستند إلى بيانات موثوقة، وأن موقع البيت الأبيض نفسه تحدث عن 9.7 تريليونات من إعلانات استثمارية معظمها تعهدات غامضة أو طويلة الأجل وليست استثمارات فعلية، بل إن جزءاً منها مجرد إعادة تدوير لمشاريع قائمة.

 

2- ادعى ترامب أنه قدم أكبر خفض ضرائب في التاريخ وإلغاء ضرائب الإكراميات و(الضمان الاجتماعي)، وزعم أنه ألغى الضرائب على البقشيش والعمل الإضافي، إلا أن الحقيقة هي غير ذلك، فإنه بعد التحقق تبين أن هذه الحزمة ليست الأكبر تاريخياً بل تأتي تقريباً في المرتبة السادسة أو السابعة من حيث الحجم نسبةً إلى الناتج المحلي، وأن الضرائب على الدخل من العمل الإضافي والبقشيش لم تُلغَ بالكامل وإنما تم إدخال خصومات وحدود دخل معيّنة، كما أن كثيراً من متقاعدي (الضمان الاجتماعي) ما زالوا يدفعون ضرائب على جزء من مزاياهم.

 

3- قال ترامب إن إدارة بايدن "أعطتنا أسوأ تضخم في تاريخ البلاد" وإنه خفّض التضخم الأساسي إلى 1.7% خلال 12 شهراً، كما ادعى أن أسعار البيض انخفضت 60% وأن أسعار الدجاج والزبدة والفواكه والفنادق والسيارات والإيجارات باتت أقل بكثير مما كانت عليه عند توليه الرئاسة. بينما أوضحت محطات مثل CBS وCNN وBBC أن التضخم في عهد بايدن لم يكن الأسوأ تاريخياً، وأنه في الأشهر الأخيرة من ولايته كان أقل من 3% سنوياً، وأن التراجع في بعض أسعار السلع حقيقي لكنه جزئي ومتقلب ويعود لعوامل سوقية عالمية، بينما تبقى تكاليف الإيجار والسكن والرعاية الصحية مرتفعة نسبياً مقارنةً بما يُوحي به الخطاب.

 

4- كرر ترامب القول إن التعريفات الجمركية تدفعها الدول الأجنبية وإنها ستستبدل تدريجياً ضرائب الدخل وتخفف العبء عن الأمريكيين. إلا أن الأدلة الاقتصادية تُظهر أن نحو 90% من كلفة الرسوم يتحملها المستوردون الأمريكيون وتُمَرَّر جزئياً إلى المستهلك في شكل أسعار أعلى، ما يجعل هذه الرسوم عملياً ضريبة داخلية مقنَّعة وليست عبئاً على الحكومات الأجنبية.

 

5- وبالنسبة للعنصرية القميئة التي ما فتئ يتبجح بها، قال ترامب إن "صفر" من المهاجرين غير النظاميين دخلوا الولايات المتحدة خلال الأشهر التسعة الماضية، وإن الحدود الجنوبية هي الأكثر أماناً في التاريخ. إلا أن ما يشير إليه ترامب، إضافة إلى أنه تبجّح بعنصريته واحتلاله لبلاد الهنود الحمر الذين أُبيدوا على أيدي أجداده الغزاة الأوروبيين، فإن الفئة التي يتحدث عنها هي فئة محددة من المهاجرين الذين يُطلق سراحهم بعد توقيفهم، وليس كل من يعبر الحدود أو يُسَجَّل في النظام، وأن أعداد الموقوفين ومحاولات العبور لا تزال مرتفعة، وأن وصف الحدود بأنها الأكثر أماناً لا تدعمه بيانات الهجرة أو تهريب المخدرات.

 

6- ألمح ترامب إلى أن سياساته خفضت الجريمة إلى مستويات تاريخية، وكرر القول إن 11888 قاتلاً دخلوا كمهاجرين وإن الجريمة مرتبطة مباشرةً بالهجرة، كما ادعى أن مدينة واشنطن العاصمة أصبحت من أكثر المدن أماناً بعد نشر الحرس الوطني. إلا أن تحقيقاً نشرته كل من CNN وNBC وAP يُظهر أن هذا الرقم يخلط بين غير المدانين بجرائم قتل على مدى سنوات عديدة وبين الوافدين الجدد، وأن كثيراً منهم مقيمون منذ زمن طويل، أي أنهم رعايا، كما أن بيانات الجريمة في واشنطن لا تؤيد وصفها بأنها من الأكثر أماناً رغم تراجع بعض المؤشرات.

 

7- اتهم ترامب أفراداً من الجالية الصومالية في مينيسوتا بأنهم نهبوا 19 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب عبر الاحتيال في برامج غذائية. وبعد التحقيق في هذه الأرقام، تبين أن وزارة العدل وجهت تهماً لنحو مائة شخص في قضية احتيال تقدر قيمتها بحوالي مليار دولار، وأن تحقيقات الكونغرس قد ترفع التقدير إلى نحو 9 مليارات، لكن لا توجد أرقام تُقارب 19 ملياراً، ما يجعل هذا الادعاء بلا سند.

 

8- قال ترامب إنه أنهى ثماني حروب خلال عشرة أشهر من ولايته، معدّداً أزمات بين باكستان والهند، كمبوديا وتايلند، كوسوفو وصربيا، مصر وإثيوبيا، أرمينيا وأذربيجان، الكونغو ورواندا، إضافة إلى حرب الإبادة التي كان الداعم الرئيس لها في غزة التي وصفها بأنها عند مستوى متدنٍ جداً. وبالنظر إلى هذه "الحروب" التي ذكرها، فإن معظمها نزاعات دبلوماسية أو صراعات منخفضة الوتيرة لم تُعْلَن فيها حروب رسمية، وأن القتال استمر في بعضها بعد أي وساطات مزعومة، كما أن عملية التطهير العرقي في غزة لم تنتهِ فعلاً، ما يجعل الحديث عن إنهاء ثماني حروب وهماً لا حقيقة. كما ضخَّم ترامب دوره في زيادة إنفاق الناتو وتقديم نفسه كمن كان يدفع تقريباً عن كل الحلف. بينما الواقع هو أن أمريكا تتحمل بالفعل جزءاً كبيراً من إنفاق الناتو تاريخياً، لكن زادت مساهمات الدول الأوروبية بشكل ملحوظ، ويعود ذلك لمجموعة عوامل وضغوط سابقة، ولا يعني أن أمريكا كانت تدفع عن الجميع بالمعنى الذي أوحى به الخطاب.

 

وخلاصة القول إن الاتجاه العام في الخطاب، يُظهر مجمل عمل التحقق أن نمط خطاب ترامب في حالة الاتحاد 2026 اعتمد على حقائق جزئية تُقَدَّم خارج سياقها، وأرقام غير دقيقة أو مبالغ فيها، وسردية متكررة عن تزوير انتخابي واسع ومهاجرين خطيرين وحروب أوقفها شخصياً، دون سند من البيانات، وبالمقابل، قدَّمت غرف التحقق والصحفيون والخبراء والسياسيون المعارضون رواية مضادة تستند إلى الإحصاءات الرسمية وسجلّ القضايا أمام المحاكم، وتُظهر فجوة واسعة بين الصورة التي رسمها الخطاب وواقع الاقتصاد والديمقراطية والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة. ولكن كان ترامب مجبراً على هذا السرد والتدليس للتغطية على الحال المزري الذي وصلت إليه أمريكا، سياسياً وحضارياً، وهي الحقيقة التي ينبغي على الأمة الإسلامية إدراكها واستغلال هذه الفرصة للتحرر من هيمنة أمريكا وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة التي تحل محل النظام الدولي بقيادة أمريكا، بالعدل، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.