Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة العاشرة

بين الإيثار والنظام: كيف صاغت المؤاخاة مجتمعاً قوياً؟

 

 

حين يُذكر مشهد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، يستحضر الذهن صورة أخلاقية سامية: أخٌ يفتح بيته لأخيه، يقتسم معه رزقه، ويؤثره على نفسه. غير أن حصر المؤاخاة في بعدها العاطفي يُفرغها من عمقها الحقيقي. فهي لم تكن مبادرة إحسان فردي، بل إجراءً سيادياً اتخذه الرسول ﷺ بوصفه حاكما للدولة، لمعالجة خطر اقتصادي واجتماعي كان يمكن أن يهدد كيان الدولة الناشئ.

 

لقد خرج المهاجرون من مكة تاركين أموالهم وتجاراتهم، بعد أن صودرت ممتلكاتهم أو تركوها حفاظاً على دينهم. دخلوا المدينة بلا مال ولا أدوات إنتاج. وفي مجتمع قبلي توازناته حساسة، كان من الممكن أن تتشكل كتلة فقيرة معزولة، تتحول مع مرور الوقت إلى نقطة توتر داخلي، تهدد تماسك الدولة الوليدة التي لم تستقر بعد، لا تحتمل فجوة طبقية حادة في طور تأسيسها.

 

هنا جاءت المؤاخاة كحل فوري. لم يُترك المهاجر ليواجه السوق وحده، ولم يُحَلِ الأمر إلى مبادرات فردية متفرقة، بل ربط الرسول ﷺ كل مهاجر بأنصاري، في إطار منظم، يحقق الدمج، ويوحد المصير. لم يكن ذلك تفضّلاً أخلاقياً فحسب، بل سياسة واعية لحماية وحدة المجتمع، ومنع تشكّل طبقات متباعدة في جسد الدولة.

 

ومع ذلك، لم تُبنَ هذه السياسة على الاتكالية أو الإعالة الدائمة، فموقف عبد الرحمن بن عوف حين عندما طلب من أخيه الأنصاري سعد بن الربيع رضي الله عنهما أن يدله على السوق، يكشف أن الإسلام لا يصنع مجتمعاً يعيش على العطاء، بل مجتمعاً يُمكَّن فيه الفرد من العمل والإنتاج، بعد أن تُضمن له الكفاية الأولية والاستقرار. فالسياسة الاقتصادية في الدولة الإسلامية لا تقوم على الصدقات الموسمية، ولا على ترك الناس لقوانين السوق المجردة، بل على رعاية شؤون الرعية وضمان الحاجات الأساسية لكل فرد.

 

هذا المعنى يتأكد حين ننظر إلى الأحكام الشرعية المنظمة؛ فالزكاة فريضة تؤخذ من الأغنياء وتُرد على الفقراء، لا باعتبارها إحساناً بل حقاً واجباً. الفيء والغنائم تُوزع وفق أحكام شرعية دقيقة. الأرض المفتوحة تُدار بما يحقق مصلحة الأمة. والثروات العامة لا تُترك ملكاً لفئة تحتكرها، بل تُعتبر حقاً مشتركاً ينتفع به الجميع.

 

إذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد صورة مغايرة. ففي كثير من البلدان يُترك الاقتصاد لما يسمى "آليات السوق"، فتتراكم الثروة في أيدي قلة، وتتسع الفجوة بين الطبقات، ويُقاس النجاح بارتفاع المؤشرات الرقمية، ولو كان خلفها بطالة متزايدة وفقر ممتد. وفي نماذج أخرى، تُقدَّم إعانات محدودة تُسكّن الألم دون أن تعالج أصل الخلل البنيوي، فيبقى الفقر قائماً وإن تغيّرت أشكاله.

 

الفرق الجوهري أن الرؤية الإسلامية تجعل العدل وإحسان توزيع الثروة جزءاً من صميم النظام، لا بنداً تكميلياً. الدولة مسؤولة شرعاً عن كفاية كل فرد من رعاياها، طعاماً وكساءً ومسكناً، وللمجتمع كله أمناً وتعليما ورعاية صحية. ولا يُترك تحقيق ذلك لتقلبات الأسواق أو لاعتبارات الربح المجرد. الملكية في الإسلام منظّمة: ملكية فردية مصونة بضوابط، وملكية عامة لا يجوز تمليكها لأفراد، وملكية دولة تُدار وفق المصلحة الشرعية. بهذا التوازن يتحقق منع الاحتكار، وضبط التركز غير المشروع للثروة، مع الحفاظ على دافع العمل والمبادرة.

 

المؤاخاة إذن كانت أول تجسيد عملي لفكرة أن الدولة مسؤولة عن منع تشكّل الفقر البنيوي، وأن الاستقرار السياسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدل في توزيع الثروة. لم يُنتظر حتى تتفاقم المشكلة، بل عولجت في مهدها. ولم يُعتمد على الوعظ الأخلاقي وحده، بل وُضع إطار تنظيمي ملزم.

 

إن أي كيان سياسي يريد البقاء لا يستطيع أن يغض الطرف عن حاجات الناس الأساسية. فالجوع إذا تمدد، لا تحميه الشعارات، ولا تمنعه الخطب. والرخاء إذا تركز في أيدي قلة، يُنتج احتقاناً صامتاً قد ينفجر في أي لحظة. لهذا جاء النظام الاقتصادي في الإسلام جزءاً من نظام حكم متكامل، يجعل رعاية شؤون الناس أولوية، لا هامشاً.

 

المؤاخاة لم تكن قصة تضامن عابر، بل إعلاناً بأن الاقتصاد في الدولة الإسلامية يُدار بالعقيدة، وأن العدل في توزيع الثروة ورعاية شؤون الناس ليس خياراً سياسياً، بل حكم شرعي، وأن وحدة المجتمع تُصان بسياسات عملية لا بعواطف مؤقتة. ومَنْ فهم هذا البعد، أدرك أن بناء الدولة لا يبدأ بالشعارات، بل بضمان كفاية الإنسان وصون كرامته ضمن نظام منضبط بأحكام الشرع.

 

هذا ما توجده وتقرره دولة الإسلام فقط ونظامه الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.