- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها المسلمون، إلى العمل الجاد المنتج المبرئ للذمة ندعوكم
قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. لقد أوجب الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة على الأمة الإسلامية، وجوبا كفائياً، وجود جماعة منها موصوف عملها في الآية نفسها بأنه الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه كلها أعمال سياسية كون السياسة هي رعاية شؤون، والإسلام يرعى شؤون الإنسان تماما منذ أن يكون نطفة في رحم أمه إلى أن يُقبر، بل بعد موته كيف يتم تقسيم ميراثه. فدعوة الإسلام لا بد أن تكون دعوة سياسية تفرد الإسلام بالسيادة في المجتمع وتجعله متحكماً في حياة الناس ويُحمل دعوةً للعالم بالدعوة والجهاد.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعلق بالجماعة يتحدد بعد تحديد العمل المطلوب شرعا من الجماعة، فتحديد غاية هذه الجماعة وعملها ومادة ثقافتها مرتبط بالواقع، ونحن هنا لسنا بصدد الكلام عن جماعة تقوم من أجل إقامة أحكام شرعية جزئية، كالجمعيات الخيرية التي تقوم لمساعدة فقراء المسلمين أو جمعيات الوعظ والإرشاد، أو جمعيات تعليم القرآن الكريم وما شاكلها، وإنما يتناول بحثنا وجود جماعة تأخذ على عاتقها إقامة الدين كله وذلك عن طريق إقامة الخلافة التي بدورها تقيم الإسلام في حياة المسلمين، ويكون همها إيجاد كل المعاريف التي أمر الشرع بإيجادها، وإزالة كل المنكرات التي نهى الشرع عنها، وتأخذ دورها في الحياة من حيث تطبيق الإسلام كاملا في الداخل وحمله إلى العالم.
فالجماعة التي تريد العمل لإقامة الدولة الإسلامية يأخذ حكمها أهميته من أهمية غايتها، وهي إيجاد هذه الدولة. وبعد معرفة الغاية التي تسعى الجماعة لتحقيقها، لا يقال هنا إن الشرع يبين لنا حكم الشيء ثم يترك لعقلنا وظرفنا وما تقتضيه مصلحتنا سلوك الطريق التي نراها مناسبة لتنفيذ وتطبيق ذلك الحكم الشرعي، لا يقال ذلك لأن فيه مخالفة لطبيعة الأحكام الشرعية، فالله سبحانه وتعالى قد بين في شرعه الحنيف معالجات مشاكل الناس فأنزل لهم الأنظمة التي تتناول جميع شؤون حياتهم.
وعليه فلا يوجد فعل أو شيء إلا وأنزل الله له حكما وذلك جرياً على القاعدتين الشرعيتين: (الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي)، و(الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم)، وما من حكم شرعي يتناول معالجة مشكلة من المشاكل إلا وقد بين الشرع حكما شرعيا عمليا آخر متعلقا به ومكملا له يبين كيفية تنفيذ هذا الحكم وجعله مطبقا في واقع الحياة حتى لا يبقى الإسلام فلسفة خيالية أو مجرد مواعظ وإرشادات. ومن هنا إذا كان حكم إقامة الدولة الإسلامية هو حكم شرعي فإن طريقة إقامته هي كذلك حكم شرعي.
لذلك فإن الجماعة التي تريد سلوك الطريق التي من شأنها أن تقيم الحكم بما أنزل الله لا بد وأن تفتش عن الأدلة الشرعية المتعلقة بسلوك هذا الطريق حتى تسير على بصيرة من الله وهدى ونور، فالله تعالى الذي طلب من الناس أن يلتزموا في حياتهم بالإسلام، طلب منهم أيضاً أن يلتزموا بالطريقة التي شرعها لتحقيق هذه الفكرة، وهي استئناف الحياة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، و(ما) من ألفاظ العموم، فتشمل كل ما جاء به الرسول عن طريق الوحي، من فكرة وطريقة، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقال مخاطباً رسوله: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وزيادة في الإيضاح «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطّاً بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيماً، ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ وَلَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾» وحذر الله رسوله قائلاً: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وحذر المسلمين عن مخالفة أمره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
هذه النصوص وغيرها توجب على الجماعة التقيد بالطريقة التي سار عليها الرسول ﷺ، في حمل الدعوة حتى أقام الدولة، لا تحيد عنها قيد شعرة بحجة اختلاف الظروف، أو اتقاء البطش، ولا بحجة المصلحة العامة أو ملاءمة العصر. والطريق حتى تكون شرعية يجب أن يظهر فيها الالتزام بالنصوص الشرعية والتأسي بالرسول ﷺ. فالحزب المتتبع للنصوص الشرعية في القرآن والسنة تتبلور لديه الطريقة والأساليب والوسائل التي يجب أن يسير عليها حتى يصل إلى تحقيق غايته الشرعية ألا وهي تحكيم شرع الله بإقامة دولة الإسلام.
وإذا كان العمل لإقامة دولة الإسلام فرضاً فإن سلوك الطريق التي سلكها الرسول ﷺ تأخذ الحكم نفسه، وبهذا ندرك أن العمل الجماعي ضمن حزب سياسي يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية هو فريضة شرعية يتوقف عليها تغيير الأوضاع المتردية وتصحيحها وانتشال الأمة من حياة الضنك التي تعيشها وإعادتها لسابق عزها ومجدها، وذلك بعد فهم النصوص الشرعية وما تتضمنه من عقائد وأفكار وأحكام، وأيضا بعد درس سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في حمله لدعوة الإسلام وعمله لتغيير المجتمع وإقامة الدولة.
ومن أهم الآليات التي يجب أن يعتمدها الحزب السياسي لتحقيق الرؤية الحقيقية للتغيير:
أولاً: أن يتبنى ثقافة إسلامية يعتبرها الحد الأدنى لفهم الإسلام كمبدأ للحياة. ويعمل على تدريسها بشكل مركز ومكثف في حلقاته الدراسية لإعداد حملة دعوة إعداداً من شأنه أن يقيم الإسلام على أيديهم كما أعد الرسول ﷺ أصحابه الذين قام على أكتافهم حمل الدعوة في مكة فشاركوه الصبر على تحمل الأذى ثم إقامة الدولة معه في المدينة المنورة ومن ثم قيادة الأمة من بعده فحملوا الإسلام إلى أنحاء المعمورة.
وتُعد هذه الآلية أساسية ودقيقة وذلك أن هضم الفكرة وبلورتها، نقية صافية، لدى أفراد الكتلة، إضافة إلى وضوح الطريقة، يمكّنان الحزب من التفاعل مع الأمة وتحميلها المبدأ. كما أن الوعي الكامل والإرادة الصلبة لدى أفراد الحزب يمكّنانه من خوض الصراع الفكري والكفاح السياسي وأخذ قيادة الأمة للسير بها نحو الغاية المنشودة.
كما يجب على الحزب عرض ثقافته أيضا بشكل جماهيري من خلال الندوات والمحاضرات والنشرات والكتب ووسائل التواصل وغيرها حتى يوجد رأي عام واع عليها من خلال التركيز على مجموعة محددة من الأفكار والأحكام ونقلها إلى قوة دافعة في المجتمع تدفعه لأن يطبقها في معترك الحياة فتؤمن بها الجماهير وتفهمها وتحملها وتكافح في سبيل تطبيقها.
ثانيا: على الحزب أن يأخذ قيادة المجتمع على أساس مبدئي ليتمكن من أخذ الحكم وتطبيق الإسلام تطبيقا كاملاً شاملاً. لذلك يجب أن يقوم الحزب بالصراع الفكري والكفاح السياسي، فالصراع الفكري يشمل التعرض للأفكار السائدة في المجتمع ونقد الأعراف والعقائد والمفاهيم المخالفة للإسلام، وذلك لتحطيم أفكار الكفر وإيجاد رأي عام ضدها، بالإضافة إلى نشر الأفكار الإسلامية وتركيزها لإيجاد رأي عام مؤيد لها، ناتج عن وعي عام من خلال ربط الأفكار بالعقيدة الإسلامية أي بنصوص الشرع.
أما الكفاح السياسي فيعني التعرض للنظم والقوانين التي تُرعى بها الشؤون، والتعرض كذلك لتصرفات القائمين على شؤون الحكم والرعاية. ويتضمن العمل السياسي القيام بمحاسبة الحكام وكشف خططهم وتآمرهم على الأمة وقضاياها، كما يتجلى في مكافحة الدول الاستعمارية وكشف خططها وإيجاد رأي عام ضد سياساتها ونفوذها ومشاريعها في البلاد الإسلامية.
هذه هي الآلية الدعوية للحزب السياسي القائم على مبدأ الإسلام: حزب يقوم بناؤه على الثقافة الإسلامية من خلال تبني مجموعة محددة من أفكار الإسلام وأحكامه، تشكل هذه الأفكار والأحكام فكرة الحزب، أما طريق الحزب فيجب أن تؤخذ من طريقة المبدأ، كما يجب أن تكون الرابطة التي تربط بين أفراد الحزب رابطة مبدئية، تتمثل بالعقيدة والثقافة الحزبية، وأيضا يجب أن تبرز الناحية السياسية في جميع أعمال الحزب بحيث تُحمل الأفكار والأحكام حملا سياسيا، بهدف إيجادها في واقع الحياة وجعلها متحكمة في علاقات الناس ونظام حياتهم الذي انبثق عن عقيدتهم الإسلامية.
فإلى العمل الجاد المنتج المبرئ للذمة، المرضي لربنا، ندعوكم أيها المسلمون، إلى العمل مع حزب التحرير، لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، تحقيقا لوعد ربنا جل وعلا القائل في محكم كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وتحقيقا لبشرى رسولنا سيد المرسلين ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».
كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
رنا مصطفى