Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التغيير الجذري، رؤية من قبس الوحي

﴿إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾

 

في المقالة السابقة قلنا إن التغيير الجذري هو منظومة من العمل الجماعي المنضبط بالوحي، وأن العاملين على بصيرة لديهم بوصلة قرآنية للفكرة والطريقة، ولا يضيعون في زخم الدنيا وزخرفها، فإذا ما تمَّ لهم التمكين والاستخلاف عبدوا الله بلا خوف ولا تبديل.

 

ولكن دائماً ما تدور الأحاديث عن التغيير والعمل الجماعي الجاد للتغيير، حول الأمة التي تحصل فيها أعمال الصراع الفكري والكفاح السياسي. فالتغيير ليس مجرد عرض يتم في يوم وليلة ولا هو فيلم نشاهده في دار العرض ثم تُغلق الستارة وينتهي الأمر. إنه جهاد وكفاح وبذل للدماء، وتضحية بالأوقات والأموال والأنفس لأجل رفعة الدين وسؤدد الأمة.

 

وهذه الأمة التي تقع عليها الابتلاءات وفي أبنائها يحصل التمحيص ليتبين الله صدق الصادقين، هي الأمة التي يجب عليها أن تخوض هذه المعركة بجَلَد وثبات فتدفع ضريبة التغيير صابرة محتسبة، حتى تتجنب دفع ثمن الذل الذي ستدفع ضريبته لو أنِفت عن البذل في سبيل الله. فقد اقتضت سنة الله في خلقه، أن لا تمكين بلا ابتلاء، وأن الابتلاءات تتفاوت بين الحسنات والسيئات.

 

سورة الأعراف تعرض تاريخ الصراع بين الحق والباطل، وتؤصل لقاعدة ذهبية في موضوع التغيير: إنَّ العزة والتمكين هما نتيجة التقوى والاتِّباع. فلا نصر دون تقوى ولا تمكين مع المداهنة.

 

فالله سبحانه يخبر بكل وضوح أن التقوى شرط للفتح، وأنَّ وعود الشيطان برخاء اقتصادي مرتبط بالتنازل عن الشريعة، هو مجرد وهم: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فاليقين الذي تحمله الأمة بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، حتماً يحميها من الانجرار وراء سراب التمكين الاقتصادي، فأمة ترسخ لديها قول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ سيكون المحرِّك لها في مظاهراتها وثوراتها هو تحكيم شرع الله والالتزام بنهجه، لا مجرد التمكين الاقتصادي أو رخاء عيش يعدها به أعداؤها.

 

وفي معركة التغيير، وفي استعراض الله لقصة إبليس وآدم، الأمم السابقة مع أنبيائهم، خاصة بني إسرائيل وكيف تحوَّل سياق الحديث عنهم من: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ إلى أن قال عنهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ نجد أن القرآن الكريم ينبِّه المسلمين إلى أنَّ الاستخلاف هو نتيجة لعمل دؤوب لا مجرد وعد ربَّاني ينزل على الأقوام الذين يحملون أماني لا يعملون بها. وأنَّ الله هو الغني الحميد، فأمة أورثها الله الكتاب والحكم والنبوة، صاروا المغضوب عليهم لأنهم نكثوا عهودهم مع ربِّهم.

 

باختصار: الأمة المختارة، أحباء الله.. هي مفاهيم يبغضها الله، فلا امتيازات تُمنح لمن ينقلب على عقبيه. والأمة لن تنال سلطانها وتعود لمكانتها كخير أمة إلا إذا تحرَّكت في سبيل هذه الغاية العظيمة وفق مراد الله بإنكار الظلم ونصرة المستضعفين والعمل السياسي المفضي إلى تغيير جذري حقيقي وفق طريقة رسول الله ﷺ التي أوحاها رب العالمين. فالتمكين هو استخلاف قائم على الصلاح، فإذا فُقِدت التقوى من الأمة، تحول النعيم إلى استدراج ثم عقاب كما حصل مع بني إسرائيل من قبل.

 

لهذا نجد أن الله حين عاب عليهم بقوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.. قال في الآية التالية مباشرة: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.

 

الأمة الواعية تعي أن الوزن هو الحق، وأن علوَّ الظالمين وزخرف الدنيا الذي يعلون بها، وكل ما يملكون هو كما قال الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

 

فالأمة اليوم على مفترق طرق: بينما هي تحمل الحق الذي لا شبهة فيه، وهو العلاج الناجع لكافة مآسي البشرية، يمكنها إمَّا أن تحمله وهي تثق بربِّها وبقدرته وما لديها من الحق، وترى ضلال المبادئ الأخرى وما فيها من هلاك للحرث والنسل، فتقدم نفسها كأصيل حضاري ينقذ البشرية من الظلمات إلى النور، أو أن تظل متأخرة وتظل بلادها مسرحاً يخوض فيه الفاسدون بإفسادهم للبشر وإضلالهم عن سبيل الله. ولتعلم الأمة أنها في الحالتين ستدفع ضريبة كبيرة من دماء أبنائها وثرواتها.. فإما أن تدفعها في مرضاة الله وفي سبيل عزتها فيورثها الله عز الدارين وتكون الضريبة في موازين العاملين يوم القيامة، أو تُدفع الضريبة ويظل الذل يطوقنا وتبقى أمتنا مستباحة كالأيتام على موائد اللئام!

 

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير                    #TrueVision4Change

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.