- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثانية والعشرون
كيف أقام الرسول ﷺ دولته؟
حين نتأمل سيرة النبي ﷺ بصدق وهدوء، سنجد أن قيام دولة الإسلام لم يكن حدثاً عفوياً، ولا نتيجة لحماس لحظي، ولا مجرد موجة عاطفية اجتاحت الناس. بل كان ثمرة عمل طويل، منظم، واضح المعالم. كان هناك منهج سار عليه الرسول ﷺ خطوة خطوة، حتى وصل إلى إقامة كيان يحكم بالإسلام ويطبقه في واقع الناس.
في مكة، لم يبدأ النبي ﷺ بمواجهة عسكرية، بل بدأ بتغيير الأفكار. كان يقرأ القرآن على الناس، يناقشهم، يصحح مفاهيمهم عن الله والإنسان والحياة. ظل ثلاثة عشر عاماً يبني جيلاً يفهم الإسلام فهماً واعياً، لا مجرد انتماء وراثي. هذا الجيل لم يتكوّن في يوم وليلة، بل عبر صبر طويل، وتحمل للأذى، وثبات على المبدأ.
في تلك المرحلة، عُرضت عليه مساومات كثيرة. عرضوا عليه المال، والملك، والجاه، مقابل أن يخفف من دعوته أو يغيّر بعض ما جاء به. لكنه ﷺ رفض أنصاف الحلول. لم يقبل أن يُدمج الإسلام في نظام قريش الجاهلي، ولم يقبل أن يكون مجرد واعظ أخلاقي داخل منظومة فاسدة. قال كلمته المشهورة لعمه أبي طالب: «يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ». هذه ليست عبارة عاطفية، بل إعلان واضح أن المشروع لا يقبل التجزئة.
ثم جاء طور آخر من العمل، وهو الصراع الفكري مع قريش. لم يكن صراعاً مسلحاً، بل كان كشفاً لأفكارهم، وبياناً لبطلان عبادتهم للأصنام، وهدماً لنظامهم الاجتماعي. الإسلام لم يكن مجرد دعوة روحية، بل كان مشروعاً يهدد النظام القائم، لأنه يقدم بديلاً كاملاً عنه.
ومع استمرار الأذى، لم يلجأ النبي ﷺ إلى حلول مرتجلة، ولم يطلب حماية من قوة كافرة تحكمه بشروطها، بل بدأ يبحث عن نصرة من أهل القوة والمنعة، بشرط أن تكون النصرة على الإسلام كاملاً، لا مشروطاً بتعديله أو تحجيمه. عرض نفسه على القبائل، وشرح لهم حقيقة هذا الدين، وطلب منهم أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، ليقيم به حكم الله.
وحين استجاب له الأنصار في بيعة العقبة الثانية، كانت البيعة واضحة السمع والطاعة في المنشط والمكره، والنصرة والحماية. لم تكن بيعة رمزية، بل تعهداً بإقامة كيان سياسي يحكم بالإسلام. وبعد الهجرة إلى المدينة، لم يتأخر النبي ﷺ في تنظيم المجتمع الجديد: آخى بين المهاجرين والأنصار، وضع صحيفة المدينة، أسس سوقاً للمسلمين، ونظم العلاقات الداخلية والخارجية. خلال سنوات قليلة، أصبحت هناك دولة كاملة السيادة، لها جيش، وقضاء، ومالية، وتعاملات دولية.
كل هذا يبين أن التغيير في الإسلام ليس عشوائياً، ولا قائماً على ردود الأفعال. بل له طريق واضح: بناء فكر، وتكوين رأي عام واعٍ، وصبر وثبات، تزامنا مع طلب نصرة لإقامة الحكم بالإسلام كاملاً. لم يكن الطريق كله سرياً غامضاً، بل كان عملاً سياسياً علنياً، يواجه الواقع ولا يذوب فيه.
إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، نجد كثيراً من الناس يريدون التغيير، لكنهم يختلفون في الطريقة. بعضهم يظن أن التغيير يكون بمجرد إصلاح جزئي هنا أو هناك، أو بالدخول في أنظمة قائمة على غير أساس الإسلام ثم محاولة "تحسينها من الداخل". وبعضهم ينتظر لحظة غضب شعبي عارمة يظن أنها وحدها كافية لقلب الموازين.
لكن سيرة النبي ﷺ تعلّمنا أن العاطفة وحدها لا تبني دولة، وأن الغضب وحده لا يقيم نظاماً. لا بد من وضوح في الفكرة، وثبات في الهدف، ومنهج محدد للوصول إليه. لم يقبل ﷺ أنصاف الحلول، ولم يساوم على جوهر المشروع، لأن التنازل في الأساس يعني ضياع النتيجة.
رمضان، حين يأتي كل عام، يعيد إلى الأذهان معاني الصبر والثبات. والصائم لا يصل إلى المغرب في أول النهار، بل يصبر ساعات طويلة حتى يكتمل يومه. كذلك التغيير في حياة الأمم لا يتم بقرار سريع، بل بعمل متواصل وفق طريق واضح.
وحين نقرأ السيرة في رمضان، لا ينبغي أن نقرأها كقصة تاريخية فقط، بل كنموذج عملي. كيف بدأ؟ كيف صبر؟ كيف رفض المساومة؟ كيف طلب النصرة؟ كيف أقام الدولة؟ هذه الأسئلة ليست للماضي فقط، بل للحاضر أيضاً.
الدرس الواضح أن من أراد تغييراً حقيقياً، فعليه أن يسير في طريق واضح المعالم، لا أن يتخبط بين حلول جزئية ومساومات مرحلية تفرغ المشروع من مضمونه. التغيير في الإسلام مشروع متكامل، يبدأ بفكرة، ويترسخ بوعي، ويُتوَّج بإقامة نظام يطبق ما آمن به الناس.
وهكذا نفهم أن قيام دولة الإسلام لم يكن مصادفة، بل نتيجة منهج. ومن أراد نتيجة مشابهة، فلا بد أن يسأل نفسه: هل يسير في الطريق نفسه، أم يبحث عن طرق مختصرة قد تبدو سهلة، لكنها لا توصل إلى الغاية؟
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر