Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السابعة والعشرون

القادسية... يوم أُزيل سلطان كسرى وأُقيم سلطان الإسلام

 

القادسية معركة فاصلة تجلّى فيها معنى الدولة في الإسلام: كيان سياسي قائم على العقيدة، يحمل الإسلام رسالةً إلى العالم، ويجعل السيادة للشرع، ويُسخّر القوة لإزالة سلطان الطواغيت وإقامة حكم الله في الأرض.

 

كانت الدولة الساسانية يوم القادسية من أعظم قوى الأرض؛ جيش جرار، ونظام إداري عريق، وثراء متراكم عبر قرون. لكنها كانت تقوم على ملكٍ عضوض، يجعل التشريع حقاً للحاكم، ويخضع الناس لطبقية قاسية، ويستنزفهم بالضرائب. في المقابل، كان جيش المسلمين جزءاً من دولة ناشئة، لكنها تقوم على أساس مبدئي واضح: الإسلام عقيدةً ونظاماً، وإمام يقود الأمة ببيعة شرعية، وجيش منضبط بأحكام الجهاد.

 

الفارق الجوهري لم يكن في العدد والعتاد، بل في طبيعة الكيان الذي يقف خلف الجيش. المسلمون لم يخرجوا عصبيةً لقوم، ولا طمعاً في أرض، بل حملا للإسلام ودعوته للعالم وبأمر خليفة، ضمن سياسة خارجية محددة، هدفها إزالة الحواجز التي تحول بين الناس وبين الدخول في سلطان الإسلام. فالقادسية لم تكن صراعاً قوميّاً، بل مواجهة بين سلطانين: سلطان بشرٍ يشرّعون من عند أنفسهم، وسلطان شرعٍ يُحتكم إليه في كل شأن.

 

أول درس في القادسية أن النصر مرتبط بإقامة الحكم بما أنزل الله، لا بتفوق الوسائل وحدها. لقد كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقود جيشاً يدرك أفراده أنهم جزء من مشروع أمة، لا مرتزقة في حرب توسع. كانوا يقاتلون تحت راية واحدة، وولاؤهم للإسلام، وطاعتهم لأميرهم جزء من طاعتهم لله. هذا الانضباط ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل انعكاس لعقيدة تجعل الطاعة في المعروف أصلاً من أصول استقامة الجيوش والدول.

 

الدرس الثاني: أن الدولة في الإسلام لا تفصل بين القوة والعقيدة. فالقوة ليست أداة هيمنة اقتصادية، ولا وسيلة لفرض نفوذ سياسي ضيق، بل وسيلة لحمل الدعوة وتأمين تطبيق الأحكام. لذلك لم تتحول البلاد المفتوحة إلى إقطاعيات للقادة، ولم تُنهب مواردها لصالح نخبة عسكرية، بل أُدخلت ضمن نظام مالي وإداري منضبط بأحكام الإسلام، يخضع لبيت مال المسلمين، ويُصرف في مصارفه الشرعية.

 

الدرس الثالث: أن الامبراطوريات، مهما بدت راسخة، تقوم على أسس إذا تصدعت سقطت. الدولة الساسانية كانت متضخمة من الداخل، مثقلة بالظلم والصراع الطبقي، منفصلة عن شعوبها. أما الدولة الإسلامية فكانت تقوم على رابطة العقيدة، وتساوي بين الناس في أصل الانتماء، وتجعل التفاضل بالتقوى لا بالعرق أو الطبقة. لذلك كان انتقال الأرض من سلطان كسرى إلى سلطان الإسلام انتقالاً من حكمٍ طبقي إلى حكمٍ يجعل الناس أمام الشرع سواء.

 

وعند إسقاط هذا المشهد على واقع الأمة اليوم، يظهر الفارق المؤلم بين وجود كيان جامع يقود الأمة بسلطان واحد، وبين واقع التجزئة الذي جعل كل قطر يتحرك ضمن حدوده يحكمه نظام الغرب وعميل للغرب، ويخضع لموازين قوى دولية، ويفاوض منفرداً، ويخشى المواجهة منفرداً. يوم القادسية، لم تكن الجزيرة والعراق والشام كيانات متفرقة، بل أقاليم تحت إمام واحد، تُدار بسياسة واحدة، وتتحرك ضمن رؤية واحدة. هذا هو السر الحقيقي لقلب الموازين.

 

اليوم تُختزل القوة في حسابات السلاح والاقتصاد، ويُظن أن التفوق المادي وحده هو الحاسم. غير أن القادسية تعلّم أن التفوق المادي إذا لم يُسند بعقيدة ونظام منبثق عنها، يبقى هشاً. كما تعلّم أن الأمة إذا فقدت كيانها السياسي الجامع، فإن طاقاتها تتبدد، ولو كثرت أعدادها وثرواتها.

 

القادسية لم تكن مغامرة عسكرية، بل نتيجة طبيعية لقيام دولة الخلافة التي حملت الإسلام إلى العالم. وجود الإمام الذي يقود، والبيعة التي تنظّم العلاقة بين الأمة والحاكم، والجيش المنضبط بأحكام الشرع، كلها عناصر كوّنت كياناً قادراً على إزالة أعظم إمبراطورية في زمانه.

 

إن استحضار القادسية اليوم ليس استدعاءً لذكرى انتصار، بل تذكير بحقيقة: أن الأمة حين يكون لها سلطان قائم على الإسلام، وجيش موحد، وسياسة خارجية واضحة منبثقة عن العقيدة، تستطيع أن تواجه أعظم القوى. أما حين تغيب هذه العناصر، وتُفصل السياسة عن الإسلام، وتُدار البلاد بأنظمة الغرب، فإن موازين القوى تبقى مختلة مهما امتلكت الأمة من موارد.

 

القادسية إذاً ليست قصة بطولة، بل شاهد على أثر قيام الدولة على أساس الإسلام. يوم وُجدت دولة تجعل السيادة للشرع، سقط سلطان كسرى. ويوم غاب هذا الكيان، أصبحت الأمة نفسها ساحة لتنافس الإمبراطوريات. وبين الحالين يكمن الفارق كله وجود دولة تطبق الإسلام وتحمله، أو غيابها.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.