- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الثامنة والعشرون
الفتنة الكبرى... حين غاب الانضباط الكامل لمنهج الخلافة فاهتزّ كيان الأمة
عند دراسة ما عُرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى، بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، لا يصح تناول الحدث بوصفه مجرد صراع سياسي بين صحابة أجلاء، ولا حادثة تاريخية معزولة، بل ينبغي النظر إليه من زاوية النظام السياسي في الإسلام، وكيف أن أي خلل في ضبط طريقة إقامة الحكم ومحاسبة الحاكم يمكن أن يفتح باب اضطراب خطير في كيان الأمة كله.
لقد قامت دولة الإسلام في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على أساس الإسلام حيث يُنصَّب الحاكم ببيعة شرعية، أي بعقدٍ صحيح مع الأمة، وتجب له الطاعة في المعروف، ويُحاسَب إذا أخطأ وفق أحكام الشرع. هذا البناء المتكامل هو الذي حفظ وحدة الأمة في أخطر المراحل، سواء في حروب الردة أو في الفتوحات الكبرى. غير أن الأحداث التي سبقت استشهاد عثمان رضي الله عنه كشفت عن دخول عوامل جديدة على المجتمع الإسلامي، من تضخم الثروات، واتساع رقعة الدولة.
أخطر ما في تلك المرحلة لم يكن وجود أخطاء بشرية، فالحاكم ليس معصوماً، وإنما في تحوّل الاعتراض من إطار المحاسبة الشرعية المنضبطة إلى الخروج المسلح والفوضى. الإسلام وضع آلية واضحة لمحاسبة الحاكم، وأوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرّم الظلم، لكنه في الوقت نفسه شدد على منع التنازع المسلح الذي يؤدي إلى سفك الدماء وتمزيق الجماعة. حين يُترك هذا الميزان الدقيق، يتحول الخلاف إلى اقتتال، ويصبح الكيان كله مهدداً.
بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيعة صحيحة، وانعقدت له الخلافة. غير أن مسألة القصاص من قتلة عثمان، وكيفية التعامل مع الواقع المضطرب، أدت إلى اختلاف في الاجتهاد بين كبار الصحابة. هذا الاختلاف لم يكن على أصل شرعية الخلافة، بل على ترتيب الأولويات وكيفية معالجة الجريمة الكبرى. لكن دخول عناصر مفسدة، وتأجيج العصبيات، وغياب الاستقرار الأمني الكامل، جعل النزاع يتطور إلى مواجهات عسكرية مؤلمة.
الدرس المركزي هنا أن وحدة الأمة السياسية ليست أمراً ثانوياً، بل فريضة شرعية. وجود خليفة واحد تُعقد له البيعة وتجب له الطاعة هو صمام أمان الأمة. وأي تساهل في حماية هذا الكيان، أو فتح الباب أمام تعدد مراكز القوة، يقود إلى انقسام خطير. الفتنة الكبرى أظهرت أن اختلال الأمن الداخلي، وترك المجال للمحرضين وأصحاب الأهواء، قد يجرّ حتى الأخيار إلى ساحات صراع لم يكونوا يقصدونها ابتداءً.
كما تكشف تلك الأحداث أن وجود الحاكم الشرعي وحده لا يكفي إن لم تكن آليات المحاسبة منضبطة، والأمة واعية بأحكام الشرع في التعامل مع الأخطاء. فالإسلام لا يقر الظلم، لكنه كذلك لا يبيح الفوضى. بل يجعل التغيير والمحاسبة ضمن إطار يحفظ كيان الدولة. وحين يختل هذا التوازن، تصبح النتيجة استنزافاً داخلياً يضعف الأمة أمام التحديات الخارجية.
ومن زاوية أعمق، فإن الفتنة الكبرى كانت بداية تحول تدريجي في طريقة ممارسة الحكم، حيث بدأت تظهر ملامح توريث السلطة لاحقاً، وانحسرت صورة الحكم العملية التي ميّزت عهد الخلفاء الراشدين. وهذا يبيّن أن الحفاظ على منهاج النبوة في الحكم ليس مضموناً تلقائياً، بل يحتاج إلى وعي دائم، وتمسك دقيق بالأحكام الشرعية المتعلقة بطريقة تنصيب الخليفة، وصلاحياته، ومحاسبته.
عند إسقاط هذا الدرس على واقع المسلمين اليوم، يتضح أن غياب الخلافة الجامعة أصل البلاء. الأمة اليوم لا تعاني من نزاع على خليفة واحد، بل من غياب الكيان أصلاً، وتعدد الدول والرايات والحدود. ومع ذلك، يبقى درس الفتنة حاضراً وأي مشروع لإقامة الحكم بالإسلام لا بد أن ينضبط بالكامل بطريقة شرعية واضحة، تمنع التنازع، وتحدد آليات المحاسبة، وتقطع الطريق على الفوضى المسلحة والانقلابات والصراعات الشخصية.
إن الفتنة الكبرى تذكّر بأن إقامة الخلافة ليست مجرد إعلان سياسي، بل بناء متكامل يحفظ وحدة السلطان، ويضبط العلاقة بين الحاكم والأمة، ويمنع تحول الخلاف في الاجتهاد إلى اقتتال. كما تؤكد أن سفك الدم الحرام داخل الأمة أخطر عليها من عدو خارجي، لأن الانقسام الداخلي يمزق الصف ويبدد القوة.
إن تلك المرحلة المؤلمة من التاريخ الإسلامي ليست مادة للخصومة أو الاتهام، بل مصدر وعي سياسي عميق، فوحدة الحكم فرض، والطاعة في المعروف أصل، والمحاسبة حق، لكن كل ذلك يجب أن يجري ضمن أحكام الشرع، لا بدوافع الغضب أو العصبية أو التسرع. الأمة التي تضبط خلافها بهذا الميزان تحفظ كيانها، وتبقى قادرة على حمل الإسلام رسالةً إلى العالم. أما إذا فُتح باب الفوضى، فإن أعظم إنجازاتها قد تهتز في لحظات.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر