Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة التاسعة والعشرون

عمر بن عبد العزيز... هل يكفي عدل الفرد دون اكتمال نظام الخلافة؟

 

تاريخ الحكم في الإسلام لا يُقرأ من زاوية تمجيد الأشخاص بقدر ما يُقرأ من زاوية فهم النظام الذي يحكم به. ومن أكثر النماذج استحضاراً في هذا السياق فترة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي تولى الحكم في مرحلة امتلأت بانحرافات سياسية ومالية، فحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها وفق أحكام الإسلام. غير أن قراءة هذه التجربة قراءة منضبطة تقتضي فهم أمرين معاً: قيمة الحاكم الصالح، وحدود الإصلاح إذا لم يكن البناء السياسي مستقراً تماماً على منهاج النبوة.

 

عندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، لم يتعامل مع المنصب باعتباره تشريفاً، بل تكليفاً شرعياً. أعاد النظر في الأموال التي جُمعت بغير وجه حق، وردّ المظالم، وأوقف مظاهر الترف السياسي، وضيّق على نفسه وأهل بيته في المال العام. هذا السلوك لم يكن زهداً فردياً فحسب، بل كان تعبيراً عن فهم أن بيت المال ملك للأمة، وأن الخليفة نائب عنها لتنفيذ أحكام الشرع عليها، لا مالكاً يتصرف وفق هواه. وهنا يظهر المعنى الجوهري: أن الحاكم في الإسلام مقيّد بأحكام الله، لا مشرّعاً من عند نفسه.

 

كما سعى عمر بن عبد العزيز إلى تخفيف الأعباء عن الرعية، وضبط الولاة، ومحاسبة المقصّرين. وقد نُقل أن أحوال بعض الولايات شهدت تحسناً ملحوظاً حتى خفّ الفقر، وهو أثر طبيعي حين تُطبّق الأحكام كما شُرعت: زكاة تُؤخذ بحق وتُصرف بحق، وخراج يُنظّم وفق ضوابطه، ومنعٌ للتعدي على أموال الناس. العدل هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل ثمرة مباشرة للالتزام بأحكام الشرع.

 

غير أن هذه الفترة، رغم أهميتها، تكشف كذلك حدود الإصلاح الفردي. فعمر بن عبد العزيز تولى الحكم ضمن بنية سياسية سبق أن تسربت إليها مظاهر الملك الوراثي، وتغيرت فيها بعض المفاهيم المتعلقة بطريقة تولي الحكم. لقد حاول أن يعيد الروح إلى معاني سيادة الشرع وسلطان الأمة والشورى والمحاسبة والانضباط بالشرع، لكن عمر في خلافته القصيرة أظهر أن بقاء الإصلاح مرتبط ببقاء النظام نفسه قائماً على أصوله الصحيحة. فمتى عاد الانحراف في طريقة اختيار الحاكم أو في تقييد السلطان بالشرع، عاد الخلل ولو كان الحاكم صالحاً.

 

ومن هنا يتبين أن عدل الفرد، مهما بلغ، لا يغني عن اكتمال البناء السياسي على أساس صحيح. الإسلام لم يربط صلاح الأمة بقدوم رجل استثنائي، بل أوجب إقامة نظام حكم محدد المعالم: بيعة تنعقد على أساس الشرع، سلطان يُقيَّد بأحكام الله، قضاء عدل لا يخشى في الله لومة لائم، ومحاسبة قائمة. فإذا اختل هذا البناء، أصبح الإصلاح مرتبطاً بظروف الأشخاص، لا بثبات النظام.

 

عند النظر إلى واقع المسلمين اليوم، نجد أن المشكلة لا تكمن فقط في فساد بعض الحكام، بل في غياب الكيان السياسي الذي يقوم أصلاً على تطبيق الإسلام في جميع شؤون الحكم. تُدار الدول اليوم بقوانين وضعية، وتُفصل السياسة عن أحكام الإسلام، ويُجعل التشريع حقاً للمجالس والهيئات، بينما الأصل في الحكم أن تكون السيادة للشرع، وأن يكون السلطان أداة لتنفيذه. في مثل هذا الواقع، لا يكفي استحضار نموذج حاكم عادل، لأن البيئة القانونية والسياسية نفسها لا تقوم على الإسلام.

 

فترة عمر بن عبد العزيز تذكّر الأمة بأن الحكم يمكن أن يستقيم إذا انضبط بالشرع، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الاستقامة الدائمة تحتاج إلى نظام مستقر على أساس الإسلام، لا إلى مبادرات إصلاحية متقطعة. فحين يكون اختيار الحاكم ومحاسبته كلها منضبطة بأحكام الشرع، يصبح العدل جزءاً من بنية الدولة، لا استثناءً يرتبط بشخص بعينه.

 

لقد كان عمر بن عبد العزيز مثالاً للخليفة الذي أدرك أن السلطان أمانة، وأن الأمة تُرعى بأحكام الإسلام لا بالأهواء. غير أن الدرس الأعمق من فترته هو أن الأمة تحتاج إلى كيان سياسي مكتمل يقوم على منهاج النبوة، يجعل تطبيق الشريعة أصلاً دائماً، ويمنع تحول الحكم إلى ملك أو امتياز شخصي. عندها لا يكون العدل مرتبطاً بزهد حاكم، بل منبثقاً من نظام يجعل الجميع، حاكماً ومحكوماً، تحت سلطان الشرع.

 

بهذا الفهم، يصبح استحضار عمر بن عبد العزيز دعوة إلى إعادة النظر في طبيعة الحكم ذاته: ليس البحث عن حاكم عادل فحسب، بل العمل لإقامة نظام حكم يضمن استمرار العدل لأنه قائم على الإسلام عقيدةً ونظاماً، لا على مزاج الأفراد وتقلباتهم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.