Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مركزية كلمة الإسلام: "لا إله إلا الله"

 

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً﴾، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَام﴾.

 

كلمة الإسلام هي "لا إله إلا الله"، وهي رأس العقائد، وأساس الدين والإيمان الذي تتابعت الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إليها، ومن أجلها أنزلت الكتب. وهذا الموضوع هو الذي ما انفك النبي ﷺ في مكة يدعو إليه؛ فكلمة الإسلام "لا إله إلا الله" لها المركزية في الدين، ومدار الإسلام حولها، وعليها بُنيت العقائد والنظم الإسلامية كافة.

 

تقتضي شهادة أن "لا إله إلا الله" العلم بمعناها ومدلولها؛ فأول شق منها "لا إله" هو شق النفي، وهو نفي الألوهية عن كل شيء سوى الله سبحانه وتعالى، مما قد يحبه الإنسان أو يعظمه أو ينقاد له ويذل، أو مما اتخذه الناس آلهة من أصنام وأشخاص وأهواء. وقد وردت لفظة "العبودية" لغير الله في السنة النبوية للتحذير منها، كقوله ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ».

 

وثاني شق منها "إلا الله" هو شق الإثبات؛ أي إثبات أن الألوهية لله وحده سبحانه. وفي هذا الشق تُستحضر أسماء الله الحسنى وصفاته، ومعنى اتخاذه إلهاً معبوداً محبوباً، نذلّ له ونعظّمه ونخضع لجلاله.

 

إن كلمة الإسلام عقيدة عقلية تسمو فوق كل العقائد بإقناعها للعقل وموافقتها للفطرة؛ فالحقائق المركوزة في الإنسان تقتضي بأن للكون خالقاً واحداً أوجده من العدم، ولم يكن خلقه عبثاً أو فوضى. وقد جعل الله في الإنسان دلائل تقوده إليه، منها:

 

النزعة الأخلاقية: وهي نزوع الإنسان الفطري إلى الخير وبغضه للشر؛ فالصدق فضيلة والظلم رذيلة في شتى الثقافات، ولا تفسير لهذه النزعة إلا بأنها من خالقٍ حكيم.

 

الإرادة الحرة: وهي قدرة الإنسان على الاختيار، وهذه الخاصية تميزه عن سائر الموجودات المبرمجة، ولا تفسير لها إلا بوجود إله وهب الإنسان هذه المزية.

 

الجانب الغريزي: غرائز الإنسان تتجاوز التفسير المادي البحت للمادة، فهي طاقات كامنة تدل على مبدعها.

 

الشعور بالغائية: إدراك الإنسان أن لوجوده غاية، وهو شعور يفتقر إليه غيره من الموجودات، ولا يوجد له تفسير في العلوم المادية المحضة.

 

وقد ذهب ابن تيمية إلى أن الله هو الدليل على الأشياء قبل أن تكون الأشياء دالة عليه؛ فالإنسان محاصر بالدلائل، وهو جزء من النسيج الكوني الدال على الله، وقد منحه الله أدوات وخصائص ميتافيزيقية تتجاوز المادة ليدرك بها خالقه.

 

وبعد ذلك كان لا بد من الاعتراف بأن لهذا الكون إلهاً واحداً، فاستحالة للعقل أن يقبل بوجود أكثر من إله، وإلا لبغى بعضهم على بعض؛ فثبت عقلاً وجود الإله، وثبتت عقلاً وحدانيته، ثم جاء الأنبياء بالوحي لهداية الناس ذوي الفطر السليمة إلى عبادة الله الحق، وقد لخّص عمر بن الخطاب ذلك بوصفه انتقالهم من الجاهلية إلى الإسلام بقوله: "كانت لنا عقول ولم تكن لنا هداية".

 

ولمّا جاء أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام يدعون الناس إلى الله، كانت كلمة الإسلام "لا إله إلا الله" هي أول ما حاججوا به وجاهدوا به بأقوالهم وأفعالهم، وأسسوا تلقي الناس لشريعة الله على أساسها، وعلى أساسها ثبت الصحابة الكرام مع رسول الله ﷺ في مكة، وعلى أساسها هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وعلى أساسها أقيمت الدولة الإسلامية في المدينة، ولأجلها كانت الغزوات والفتوحات؛ قال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». ومن بعده حمل الصحابة هذه الكلمة وانطلقوا في البلاد يفتحونها ويدعون الناس إلى الخير، وبذلك صنع المجتمع المسلم تناغماً مع الكون، فكان "الإنسان العابد في الكون العابد". قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.

 

إن من المؤسف أن كلمة التوحيد فقدت مركزيتها في حسّ كثير من المسلمين وعقولهم بسبب عصور الاستعمار والغزو الفكري؛ فصارت مجرد عقيدة نظرية أو ذِكراً باللسان، مع عزلها عن واقع الحياة والسياسة والاقتصاد.

 

في السياسة: خضع المسلمون لأنظمة علمانية، وقبلت بعض الأحزاب التي تتسمى بالإسلام خلط العقيدة بأنظمة غريبة عنها.

 

في الاقتصاد: عُزلت العقيدة عن رؤية المال والثروات، وغابت الحلول الإسلامية للمشكلات الاقتصادية.

 

في الولاء والبراء: وهو من أخطر صور العزل؛ حيث ضاعت معالم الولاء لله وللمؤمنين والبراء من الكفر وأعوانه، فانخدع الكثيرون بالمنافقين والأنظمة المعادية، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وقد قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباً لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.

 

إن مقتضى "لا إله إلا الله" هو تلقي الإسلام من مصادره الصافية (الكتاب، السنة، إجماع الصحابة، والقياس)، فلا سلطة تعلو فوق سلطة التشريع الإلهي. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولإعادة تحكيم هذه الكلمة، لا بد من استئناف الحياة الإسلامية، وهذا لا يتأتى إلا بإقامة دولة الإسلام؛ الدولة الحرة التي لا تتقيد بسياسات الكفر.

 

وهذا العمل يتطلب وجود جماعة تحمل هذه الكلمة "لا إله إلا الله" بمنهجها ونظامها، لا تخالفها في شيء، وتجعل منها المرجعية الوحيدة لأعمالها، وتبني على أساسها شخصيات قيادتها؛ وذلك كما قال عمرو بن العاص: "إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، ولا تنحرف في ذلك لأي مما يُتخذ مرجعية في أي زمان أو مكان.

 

كما أسس الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله حزب التحرير؛ ليكون الارتباط بـ"لا إله إلا الله" ارتباطاً عملياً يبرئ الذمة. فعلى حملة الدعوة أن يدركوا أن عملهم ليس وظيفة روتينية، بل هو تحقيق للعبودية، مستلهمين ثبات ربعي بن عامر أمام رستم، وعزيمة أبي بكر الصديق في حروب الردة حين قال: "واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ".

 

وختاما: إن الهدف هو بث هذه المعاني في الأمة وفي أهل القوة والمنعة، للتحرر من تبعية الطغاة، حتى يتحقق وعد الله بالاستخلاف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صبا علي - الأرض المباركة (فلسطين)

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.