- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الثالثة والثلاثون
عين جالوت... وحدة السلطان تكسر أسطورة التتار
في سنة 658هـ وقعت معركة عين جالوت، فكانت فاصلةً بين مرحلتين؛ مرحلة تهاوت فيها مدن المسلمين تحت ضربات التتار، حتى سقطت بغداد، ومرحلة استعاد فيها المسلمون زمام المبادرة، وكُسرت أسطورة "الجيش الذي لا يُهزم". غير أن هذه الواقعة لا تُقرأ قراءة عسكرية مجردة، بل قراءة سياسية عميقة تكشف أن الهزيمة والنصر مرتبطان بحال الكيان السياسي للأمة، قوةً وضعفاً.
قبل عين جالوت، كانت البلاد الإسلامية تعيش حالة تفكك خطير. سقطت بغداد سنة 656هـ، وقُتل الخليفة العباسي، في مشهد هزّ وجدان المسلمين وأشعرهم بأن مركزهم السياسي قد انهار. فلم يكن سقوط العاصمة مجرد ضربة عسكرية، بل كان تعبيراً عن ضعف بنية الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، وتراجع القدرة على توحيد القرار. وحين يغيب الإمام الجامع، وتضعف هيبة السلطان، تصبح الثغور فريسة سهلة للعدو، ويصاب الناس بوهم أن العدو قوة لا تقهر.
هذا الوهم كان أخطر من سيوف التتار. فالأمة حين تفقد ثقتها بذاتها، وتظن أن الهزيمة حتمية، تتهيأ نفسياً للانكسار. غير أن الإسلام لا يربط النصر بالكثرة العددية ولا بالعتاد وحده، بل يجعل له سنناً، في مقدمتها وحدة الصف تحت قيادة سياسية قادرة على توجيه الطاقات وفق أحكام الشرع. ومن هنا كان التحول الذي سبق عين جالوت تحوّلاً سياسياً قبل أن يكون عسكرياً.
في مصر والشام برز المماليك كقوة سياسية أعادت تنظيم الجبهة الداخلية، ووحّدت القرار، وواجهت التهديد بوصفه تهديداً للأمة كلها، لا لإقليمٍ بعينه. كان السلطان الظاهر بيبرس وأميره قطز يدركان أن المعركة ليست دفاعاً عن حدود محلية، بل دفاع عن دار الإسلام. فحُشدت الطاقات، وأُعيد الاعتبار لمفهوم الجهاد باعتباره سياسة دولة، لا ردّ فعل عاطفياً أو مبادرة فردية.
لقد انتصر المسلمون في عين جالوت لأنهم تحركوا ضمن كيان سياسي منظم، يملك قرار الحرب والسلم، ويستند إلى شرعية مستمدة من الإسلام. لم يكن النصر نتيجة حماسة آنية، بل ثمرة إعداد، وتوحيد للصف، وضبطٍ للقيادة. ولو بقيت الأقاليم متفرقة، يتنازع أمراؤها، لما أمكن مواجهة التتار الذين اجتاحوا المشرق كالسيل الجارف.
الدرس هنا واضح، الخطر الخارجي يتعاظم حين يسبقه ضعف داخلي سياسي. فالتتار لم يسقطوا بغداد لأنهم أقوى فحسب، بل لأن الدولة كانت تعاني خللاً عميقاً في بنيتها. وعندما أُعيد بناء القوة السياسية في مصر والشام، وتوحدت الجبهة، انقلبت المعادلة. فوحدة السلطان شرط أساس في حفظ الأمة.
وإذا نُقل هذا الدرس إلى واقع المسلمين اليوم، بدا المشهد أكثر تعقيداً. فبدل كيان واحد ضعيف كما كان قبيل سقوط بغداد، توجد عشرات الكيانات القطرية، لكل منها حدوده وجيشه وسياساته وتحالفاته وكل حكامه عملاء مرتهنون للغرب. هذا الواقع يجعل أي تهديد خارجي قادراً على التعامل مع كل قطر على حدة، ويحول دون تشكل إرادة سياسية جامعة. إن التجزئة السياسية التي تعيشها الأمة اليوم أخطر في آثارها من التفكك الذي سبق عين جالوت.
كما أن الاعتماد على تحالفات دولية، أو الرهان على توازنات قوى عالمية، لا يغني عن بناء قوة ذاتية منبثقة عن مشروع واضح. التتار لم يُهزموا بقرارات من خارج دار الإسلام، بل بقرار سياسي داخلي موحد، جعل المواجهة خياراً لا مفر منه، وربطها بعقيدة الأمة وهويتها. وحين تكون القيادة منبثقة عن الإسلام، وتستند إلى وعي الأمة، يصبح الجندي مدافعاً عن دينه وكيانه، لا مجرد منفذ لأوامر منفصلة عن عقيدته.
عين جالوت تُثبت أن الأمة قد تمر بأقسى لحظات الضعف، حتى تظن أن نهايتها قد اقتربت، لكنها إن استعادت وعيها السياسي، وربطت الحكم بالشرع، ووحدت سلطانها، تستطيع قلب الموازين. فالنصر ليس حادثة عابرة، بل نتيجة لقيام دولة قادرة على رعاية الشؤون داخلياً، وحمل الرسالة خارجياً، واتخاذ قرار المواجهة دون تردد.
إن استحضار عين جالوت اليوم ليس لاستعادة مشهد بطولي فحسب، بل لإدراك أن كسر "أسطورة القوة العظمى" يبدأ بكسر واقع التمزق الداخلي. فالأمة التي تملك كياناً سياسياً واحداً، يجعل السيادة للشرع، ويوحد قرارها، قادرة على مواجهة أي قوة، مهما بدا بطشها. أما الأمة الممزقة، فإنها تمنح عدوها أفضليةً مجانية، قبل أن تبدأ المعركة.
بين سقوط بغداد وانتصار عين جالوت مسافة وعي سياسي عميق: من التفكك إلى الوحدة، ومن التردد إلى الحسم، ومن ردود الفعل إلى مشروع واضح. وهذا هو الدرس الخالد؛ أن قوة الأمة ليست في الأساطير ولا في الأماني، بل في دولة توحدها، وقيادة تضبطها بالإسلام، وإرادة جماعية تدرك أن وعد الله بالنصر مرتبط بالعمل في سبيله وفق أحكام الشرع حتى لو تأخر النصر فهو آت لا محالة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر