- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الذكاء الاصطناعي بين منطق الحرب ومنطق الأخلاق
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة في النظام الدولي، ومع تسارع إدخاله في المجال العسكري برزت توترات عميقة بين المؤسسات العسكرية التي تسعى إلى تعظيم القوة تكنولوجياً، والشركات التي تحاول فرض قيود أخلاقية على استخدام منتجاتها. ويجسد الخلاف بين وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وشركة أنثروبيك نموذجاً واضحاً لهذا الصراع، حيث جاء عبر الجزيرة نت بتاريخ 6 آذار/مارس 2026 خبر بعنوان: بعد رفضها التعاون عسكرياً... البنتاغون يصنف شركة أنثروبيك كشركة خطر على سلاسل التوريد (أي منع الشركات المتعاقدة مع الحكومة من استخدام منتجاتها)، في خطوة غير مسبوقة.
في المقابل، أكدت شركة أنثروبيك أنها ستطعن في القرار أمام القضاء، معتبرة أن تصنيفها كخطر على سلاسل التوريد إجراء غير سليم قانونياً، ولم يسبق أن طُبق على شركة أمريكية، ولأول مرة تستخدمه واشنطن ضد شركة أمريكية.
وفي ظل هذا النزاع، تسعى شركات أخرى إلى ملء الفراغ المحتمل في تزويد الجيش الأمريكي بتقنيات الذكاء الصناعي، مع العلم أن أمريكا استخدمت بالفعل تقنيات شركة أنثروبيك لتحليل البيانات والصور الاستخباراتية في مهام تتعلق بتحديد مواقع انتشار القوات أو تخطيط العمليات العسكرية، بما في ذلك عمليات مرتبطة بالحرب المتصاعدة اليوم في إيران، وفق مصادر مطلعة.
وفي الوقت نفسه، تتوقع كل من شركة أوبن إيه آي وإكس إيه آي التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة السرية.
ولكن السؤال: هل صحيح أن الخلاف مع الشركة هو خلاف أخلاقي كما جاء في الجزيرة، مع العلم أننا نعلم أن كل الشركات الغربية مبنية على النظام الرأسمالي، ولا يهمها إلا المنفعة ما دامت المادة الاقتصادية تجني أرباحاً، دون النظر إلى ما إذا كان ذلك أخلاقياً أم غير أخلاقي؟
ووفق وثائق رسمية قدمتها الحكومة الأمريكية في المحكمة، فإن الخلاف هو نزاع تعاقدي، وليس قضية حرية تعبير أو أخلاق فقط. وكما جاء عبر رويترز في 2026/3/18، حيث قالت وزارة العدل إن رفض الشركة قبول شروط العقد الحكومي لا يُعد موقفاً سياسياً، بل خلافاً تجارياً بحتاً. وجاء أيضاً في صحيفة تايمز أوف أمريكا في التاريخ نفسه 2026/3/18: (قدمت وزارة العدل الأمريكية رداً من 40 صفحة على دعوى شركة أنثروبيك يوم الثلاثاء، بحجة أن رفض الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي توقيع عقد يسمح بأي استخدام قانوني لنماذج كلود الخاصة بها من قبل الجيش هو نزاع تجاري، وليس قضية حرية التعبير، وأن البنتاغون كان ضمن حقوقه تماماً في قطع العلاقات مع الشركة).
حيث إن هناك شرطاً في العقد يسمح للحكومة باستخدام الذكاء الاصطناعي في أي استخدام قانوني، ولكن الشركة رفضت هذا البند، ورغم أن الإعلام يركز على الأخلاق، إلا أن جوهر العقود العسكرية ينشأ الخلاف فيها حول توسيع الاستخدام، والذي يساوي زيادة التكلفة. وكان العقد بقيمة عالية تقارب 200 مليون دولار، وهو الآن مهدد بالإلغاء، حيث نُشر في صحيفة رويترز بتاريخ 2026/2/27: (الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك يقول إنه لا يستطيع الموافقة على طلب البنتاغون بنزع ضمانات الذكاء الاصطناعي).
إذاً، الخلاف في حقيقته خلاف تعاقدي مؤكد رسمياً، وخلاف مالي ضمنياً حول من يتحمل تكلفة هذا التوسع، وخلاف أخلاقي عبّر عنه الإعلام فقط، وليس هو أصل المشكلة.
ولذلك، فإن الخلاف ليس صراعاً بين الأخلاق والحرب، بل صراع على شروط التوسع ومن يدفع التكلفة؛ فموقف البنتاغون يتمثل في الرغبة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأهداف، وإدارة المعارك، ودعم الجنود ميدانياً، أي السعي لإدخال الذكاء الاصطناعي في كل منظومات الحرب تقريباً: الاستطلاع، والضربات، والقرار العسكري. أما الخلاف الذي ترفضه الشركة، فهو استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة ذاتية القتل دون تدخل البشر، وهو أمر لم يتم الاتفاق عليه، كما أنه مكلف جداً.
إذاً، نحن على أعتاب أزمة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهذه الأزمة تكشف عن خلل بنيوي في إدارة التكنولوجيا العسكرية، حيث يشير الخبراء إلى أن الأطر القانونية الحالية غير كافية لتنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري، وأن العقود مع الشركات لا يمكن أن تعوض غياب أنظمة حوكمة حقيقية.
حيث إن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري سوف تؤدي إلى تآكل السيطرة البشرية على القرار العسكري، وتسارع غير محسوب في وتيرة الحروب، واحتمالات الخطأ الكارثية في بيئات معقدة، وبداية سباق تسلح ليس نووياً بل خوارزمي.
ومع الأسف، فإن انتقال البشر من حرب تُدار بالقرار البشري إلى حرب تُدار بالخوارزميات، ومن سيادة الدولة المطلقة إلى واقع تتقاسم فيه السلطة مع الشركات التكنولوجية، يمثل تحولاً خطيراً.
واليوم، تتداخل الحسابات المالية مع الاعتبارات الأخلاقية لتكشف أن ما يبدو خطأً مبدئياً يخفي في جوهره صراعاً على النفوذ والتكلفة والتحكم.
فعليه، فإن هذا النزاع لا يمثل خلافاً عابراً، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة تتشكل فيها الحروب، ليس فقط في ميادين القتال، بل في بنود العقود وخوارزميات القرار.
إن تطلع الرأسمالية ليس تطوراً بحد ذاته مع الحفاظ على الأخلاقيات، ولا أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتحقيق نوع من الرفاهية للبشر، بل تعمل على استخدام هذه التكنولوجيا في إبادة البشر للحصول على السلطة والمال، وإن هذا المبدأ لا يحمل من الأخلاق أي شيء، فالعالم اليوم بحاجة إلى مبدأ جديد يزيحه.
إن مبدأ الإسلام، متمثلا في دولة الخلافة، مجرد وجودها على الساحات الدولية يمنع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، حيث يكون الإنسان فيها أداة للتجربة وموته نتيجة لها!
المبدأ الإسلامي هو مبدأ رباني يمنع أي شيء يسلب الإنسان إنسانيته، ويضمن العيش تحت أوامر الله التي تحقق العدل والنور والرفاهية، وتحفظ حقوق البشر من حق العيش إلى حق عدم التجسس عليه وغيرها كثير.
المبدأ الإسلامي هو الوحيد الذي يستطيع تخليص البشرية من جشع وعهر الرأسمالية، لذلك نجد الهجمة شرسة على بلاد المسلمين وعلى حملة الدعوة والعاملين لإعادة استئناف الحياة الإسلامية، لأن الكفار يعلمون أنه بمجرد ظهور هذه الدولة وإعلان قيامها يبدأ العد التنازلي لزوالهم على يديها زوالاً لا رجعة فيه.
لذلك نراهم يحرفون البوصلة كلما ضاقت الشعوب ذرعا وتحركت ولكن الحمد لله أن هناك حزباً يحمل قضايا الأمة المصيرية وأهمها عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما بشرنا بها رسول الله ﷺ.
إن حزب التحرير بقراءته العميقة منذ إنشائه على يد الشيخ الجليل المجتهد المطلق الأزهري تقي الدين النبهاني رحمه الله ومن تبعه من بعده حتى اليوم قد أعد للأمة مشروعا كاملا متكامل منبثقا عن الكتاب والسنة وأعد رجال دولة من الطراز الرفيع الذين سوف يعينون الأمة على الوصول إلى بر الأمان واستئناف الحياة الإسلامية وينشرون نور الإسلام وعدله وينقلون العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الرأسمالية وظلمها إلى عدل الإسلام ونوره.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم