Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ظاهرة انتحار القوى الكبرى

(ترامب وأمريكا نموذجاً)

 

 

يرى الكثير من المؤرخين، وعلى رأسهم بول كيندي، أن الدول العظمى لا تسقط عادة بسبب قوة خصومها فحسب، بل بسبب تآكل داخلي ناتج عن سوء تقدير في إدارة شؤون البلاد، وعدم التمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي؛ فقد تخوض الدول العظيمة والكبيرة حروباً هي في نظرها حروب استراتيجية مع أنها ليست كذلك، أو أن تخوض حروباً كان من الممكن تفاديها سواء بتنازلات الخصم أو أن يكون خوض هذه الحروب مكلفاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

 

وفي حالة أمريكا، فإننا أمام دولة غلبت عليها الغطرسة والكبر، بحيث إنها ترى أن أي شيء يمكن تحقيقه بالقتل والتدمير، لذلك تراها عاشت إخفاقاً في إخفاق. والناظر في سياستها الخارجية منذ بداية ما بعد الحرب العالمية الثانية يرى أنها أخفقت في الشرق الأوسط والأقصى والأدنى، وأخفقت في أوروبا وآسيا، ما جعلها بالتالي تراجع سياستها الخارجية كل وقت وحين، إلى أنْ غلبت عليها عقلية وسلوك الدولة الاستعمارية التي تسعى لتحقيق مصالحها والقيام عليها بنفسها، وتركيع خصومها وضرب الأحلاف التي كانت تستعين بها؛ بمعنى أنها تريد أن تدير العالم دون معاونة أحد، ولذلك وأمام هذه التصورات المجنونة فإنها اختارت شخصاً يمثل هذه العقلية الإجرامية الوقحة مثل ترامب.

 

ويرى الكثير من المؤرخين تحت عبارة (فخ التمدد الزائد) أو تجاوز القدرات، أن الدولة إذا وصلت إلى مرحلة العظمة في القدرات العسكرية والاقتصادية، فإنها حينها تبدأ بنشر جيوشها وقواعدها في كل مكان لحماية مصالحها، وتصبح هناك مشكلة حقيقية وهي كون ذلك الهوس الزائد في التوسع أعلى من العائد الاقتصادي الذي تجنيه منها، وبالتالي تكون الدولة تلك تحت عجز دائم يستحيل علاجه، ما يؤدي بالتالي إلى عجز الدولة عن سداد الديون وتلجأ دائماً للاقتراض سواء بإصدار السندات، وفي حالة أمريكا رفع سقف الدين.

 

عندما يقود الدول الكبرى شخص مهووس يرى أن إرادته فوق قواعد اللعبة الدولية أو المؤسسات الناظمة للمجتمعات، كما في حالة نابليون أو هتلر أو ترامب، فإن الدولة تبدأ بالتراجع ولو ظهر عليها خلاف ذلك في بداية الأمر. فتآكل التحالفات التي كانت تتقوى بها أمريكا، بل وأشرفت هي بنفسها على إنشائها مثل حلف الناتو أو منظمة التجارة العالمية، هو من عوامل الإضعاف والتراجع؛ فإن أمريكا الآن توشك أن تضحي بكل الحلفاء، وهذا بالإضافة لسياسة الابتزاز الفعلي الذي تمارسه تجاه دول هي في حقيقتها تحمل عقلية استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ولا يصح مع هذه الدول أن ينظر لها نظرة دونية وإلا فإننا أمام تفكيك حقيقي لهذه الأحلاف والخاسر الفعلي هو أمريكا. وقد أظهرت حرب أمريكا على إيران هذا التفكك والتشظي فيما يسمى حلف الناتو، بل إن الابتزاز الزائد لهذه الدول ووصفها بالجبانة جعلها تصرح أن حرب أمريكا وترامب ليست حربها.

 

إن إهمال أمريكا للقوة الناعمة وجعلها في الطائرات والدبابات، وترك النموذج القيمي والأخلاقي الذي كانت تتستر به والذي كشفه أبو غريب وغوانتنامو، هو مؤذن بزوال حامية الرأسمالية وسيدة العالم. وإن حالة الاستقطاب الداخلي الذي يوشك أن يفتك بوحدة المجتمع في أمريكا، إذا أضيف إلى ما قمنا بتوصيفه آنفاً، يوشك أن يجهز على أي دولة وإن سنة التاريخ لا تحابي أحداً. وإذا صح لنا أن نقرأ أمريكا قراءة جديدة، فإنها بعد الحرب العالمية الثانية وإلى بداية التسعينات من القرن الماضي كانت تحافظ على شيء من اللباقة السياسية مع الأحلاف والمؤسسات الدولية والعملاء، ولكنها مع مجيء الجمهوريين ومع بداية حرب الخليج الأولى ومجيء رجال للحكم أقل كفاية وأكثر تهوراً، خلعت أمريكا عن نفسها ثوب الدبلوماسية، ووصول ترامب للحكم شاهد على هذا الشكل الجديد.

 

إن ظهور الدولة الأولى في العالم بمظهر المنفلت من القوانين الدولية، أو الدولة التي لا تهتم إلا بمصالحها الضيقة والضرب عرض الحائط بمصالح الأحلاف والأتباع، يجعل حلفاء الأمس أعداء اليوم بحيث يبدأ هؤلاء بالبحث عن بديل، وبريكس ودولها مثال على ذلك.

 

إن أمريكا الآن في مأزق حقيقي، فهي تسعى للإمساك والقيام على مصالحها نيابة عن العملاء والحلفاء، وإن صعود الصين الصاروخي قد جعلها تفكر في سياسة الخنق بدل سياسة الاحتواء؛ ففنزويلا ومضيق هرمز يمثلان الشريان التاجي بالنسبة للصين. ولا نبالغ إذا قلنا إن أمريكا تعتبر معركتها ضد إيران معركة ضد الصين، وأنها تظن أن هذه ربما تكون آخر فرصة تاريخية لها للحيلولة دون إزاحتها عن كونها الدولة الأولى في العالم، لذلك فهي تضرب بأقصى قوتها وربما قد تستخدم أي سلاح لكسب حربها مع إيران وتركيعها.

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو المعتز بالله الأشقر

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.