Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ما الذي يضير إيران أن تعلنها خلافة راشدة

لتشفي صدور قوم مؤمنين وتقطع دابر الكافرين؟!

 

 

لقد بلغ السيل الزبى، هذا مثل عربي يقال عندما تصل الأمور إلى مستوى لا يمكن السكوت عنها. وقد عبر القرآن الكريم بأسلوب أعمق في غزوة الخندق عندما طوق المشركون ومن معهم المدينة، وأدرك المسلمون أنهم في مأزق رهيب، فقد وصف القرآن ذلك المشهد في تصوير يترك القارئ كأنه يشاهد الواقع أمامه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾.

 

إن ما آلت إليه حال الأمة الإسلامية خلال المائة عام ونيف بعد إسقاط الخلافة العثمانية لا يخفى على أحد؛ فقد مزقت شر تمزيق، وقتلت شر تقتيل، وجوعت شر تجويع، وأهينت كرامتها، بل تطاول العلوج على الذات الإلهية، وتطاول الكفار على رسولنا الكريم ﷺ في صور كاريكاتورية، وحُرق المصحف أكثر من مرة. لقد مارس الغرب جرائمه تحت غطاء مبدئه الفاسد الذي بنى له منظومته الأممية، مستغلا شعوب الدنيا عبر سماسرة الفكر الرأسمالي من أبناء المسلمين وغيرهم، الذين قبضوا الثمن، وعبر ما يسمى بالدول الوطنية والقومية، حيث نصب نواطير يضبط بهم بوصلة حياة الشعوب لنهب ثرواتها ويبطش بكل من يخرج من عباءة نظامه الفاسد. وقد عبر المتظاهرون في أمريكا عن الحالة الفرعونية التي ظهرت بشكل فج في رئيسهم ترامب (لا ملوك... الملايين يحتجون ضد سياسات ترامب والحرب على إيران).

 

لقد هدم ترامب منظومة الأمم المتحدة على رأس الجميع، وهو يقول إن كل المنظمات الأممية والدولية وقوانينها يجب أن تذهب إلى واد سحيق ونعيد بناء الأسرة الدولية وفق مزاجنا، ووفق رؤيتي لخدمة "أمريكا أولا"، وإجبار كل من يعارض دخول بيت الطاعة بالقوة، ولا اعتبار لأي أخلاق أو أي معيار موجود ولا خطوط حمر؛ فموت الأوكرانيين لدفع روسيا عن طموحها الدولي واجب، وخطف مادورو رئيس فنزويلا ضرورة لإفساح المجال أمام شركاتنا لدخول فنزويلا، وضرب غزة وقتل أهلها لتحقيق أمن كيان يهود أمر لا بد منه. أما حرب إيران فهي اصطياد عصفورين بحجر واحد؛ العمل على قصقصة أجنحة الصين ذات النفوذ في آسيا وإيجاد متاعب لها في الطاقة، والتوسع في النفوذ والسيطرة المطلقة على الشرق الأوسط في جميع المجالات، بل جعله منطقة نفوذ أمريكي بامتياز دون منازع، ليكون أشبه بالمزرعة الخلفية في البيت الأبيض.

 

إن سلوك أمريكا اليوم بلغ مبلغا من العنجهية والغطرسة والجبروت والإرهاب المكتمل الأركان. فهي لا تسمع لأي صوت ينادي بأن تتوقف عن هذا السلوك. بل داست أمريكا على الهرم الدولي المنادي بحقوق الإنسان والمرأة، وأخرست كل ناعق منبهر بتلك المؤسسات بعد جرائم إبستين وعنهجية ترامب.

 

إن دخول أمريكا حربا مع إيران بعد خدمات قدمتها الحكومات المتعاقبة في إيران لم يشفع لها أمام سلوك أمريكا العدواني المتأصل فيها، وهي تطبق مبدأها القائم على أن المنفعة أساس كل شيء، فلا اعتبار لأي قيمة إذا تعارضت مع طموح أمريكا وسيادتها للعالم. إن من يعرف أمريكا لا يستغرب البتة تصرفاتها، سواء أكانت من ترامب الجمهوري، فالجمهوريون يظهرون العنجهية في سياساتهم وعدم استخدام الدبلوماسية الناعمة، أو الديمقراطيون الذين يمارسون سياسة العصا والجزرة والنعومة الدبلوماسية، سياسة دس السم في الدسم. فهذا منهجهم وهذه طريقة عيشهم.

 

إن المستغرب حقا وما يدعو إلى الاستهجان هو سلوك دول الشرق الأوسط ومنها إيران، واتباع سنن الكافرين وعلى رأسهم أمريكا، ظنا منهم أنهم معها في مأمن، وأن أمريكا تحترم الدول التي وقفت معها في إدارة العالم وفق المعايير الدولية. فالواجب على كل مسلم أن يدرك بأن المعايير الدولية تخالف أحكام الإسلام جملة وتفصيلا، ومن يؤمن بالله حقا وبالإسلام دينا وبأن سيدنا محمدا ﷺ نبي ورسول لا يمكن له أن يوالي الكفار ويأمن مكرهم، وقد نطقت الآيات بذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتم تَعْقِلُونَ﴾.

 

لقد كانت أمريكا في السابق تحافظ إلى حد ما على عملائها وتحاول أن لا تكشفهم أمام شعوبهم، إلا أن معطيات السياسة الدولية حتمت عليها أن تكشف عن وجهها القبيح، فكشفت عن كل من يتعامل معها بوضوح تام، فعرّت هؤلاء الحكام، الأمر الذي جعل الشعوب تتعرف على حقيقة الاستعمار، وأن هؤلاء الحكام خدم، وبدل أن يخجلوا من مواقفهم المخجلة ازدادوا تعنتا ونذالة! وانطبق عليهم قول الشاعر أبو الطيب المتنبي:

 

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ *** ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ

 

إن سلوك أمريكا المستفز بأن من يعارضها من حكام المنطقة يجب تغييره بالقوة دون النظر لأي خدمات قدمها لها، كان كفيلا بأن يجعل الدماء تغلي في العروق، ويوقظ العقول التي تحجرت على الواقع الفاسد ليُروا من أنفسهم خيرا، وهم في فسحة من أمرهم، فإيران قدمت لأمريكا خدمات كبيرة على حساب أخوة العقيدة الإسلامية، وهي أسمى أخوة، وأخوة الجار، وهي حقوق جعلها الإسلام عظيمة، والأخوة في علاقات كثيرة مشتركة يأخذ بعضها برقاب بعض. فكان ظلم ذوي القربى أشد، كفيل بأن يحرك إيران تجاه أمتها فتقطع حبائل الغرب الكافر لتكفر عن ذنوبها بأن تغير وجه التاريخ وتقلب الطاولة على الكفار وتنتصر للحق (الإسلام العظيم) وتكتب سفرا جديدا يخلده التاريخ، يعيد للأمة مجدها ومكانتها التي ترضي ربها، وتقوم الخلافة نظام الحكم الذي يقطع دابر الكافرين ويشفي صدور قوم مؤمنين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

 

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.