- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
من الجرح المفتوح إلى لحظة الحسم
ليست المأساة خبراً عابراً يُطوى مع نشرات المساء وإن صارت النوازل خبرا عاجلا بين العواجل. منذ إلغاء الخلافة مطلع القرن الماضي على أيدي مجرم العصر، مصطفى كمال، والطعنات تتجدّد في جسد الأمة الممزق بأسماء وأمكنة، شكلت محطات موجعة لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، بل صارت سلسلة ممتدة من الفصول الدامية التي تعيد كتابة نفسها بأشكال مختلفة وأماكن متباعدة على طول البلاد الإسلامية وعرضها، ولم يكن آخرها ما حصل في غزة.
ولأن ملّة الكفر واحدة، لم تكن جراح الأمة أحداثاً منفصلة، بل ملامح لواقع استعماري واحد يعيد إنتاج نفسه، ويستهدف مجموعة حضارية واحدة وإن فرقتها الحدود: واقع معركة حضارية تُراق فيها الكرامة، وتُختبر فيها إرادة الشعوب، وتُترك فيها الأمة في مواجهة عبء ثقيل يتكرر بأسماء مختلفة ووجوه متعددة، يجمعها ميدان يتنافسون فيه على لعق أحذية الأمريكان تجديدا لأساليب وأشكال الارتهان! ومع كل محطة جديدة، يتأكد لنا أن الذاكرة لم تعد تحتفظ فقط بما مضى، بل تحمل ما لم ينتهِ بعد.
منذ نكبة فلسطين وجراح الأمة لم تلتئم، بل ظلّت تنزف جيلاً بعد جيل. تتبدّل الصور، وتتغيّر الوجوه، لكن المشهد ذاته يتكرّر: أرض ومحارم تُغتصب، دماء تُراق، شهود زور في سدة الحكم، وأمّة تنظر وكأنّها عاجزة عن كسر الحدود التي تطوقها! مرّت العقود، وجاءت هزائم وانكسارات وآلام، ثم انتفاضات وأحلام وآمال، ثم عودة إلى واقع أشد قسوة يحكمه منطق القوة وتنبعث منه روائح الموت. والتحدّي ليس في ندرة المعلومات التي صارت تضخ يوميّا محكومة بخوارزميات الذكاء الصناعي، وإنما في تبلّد الإحساس.
نرى، نسمع، ثم نمضي! كأنّ المسافة بين الصورة والقلب اتّسعت حتى صارت فجوة رهيبة، بل حتى صار السؤال موجعاً: هل اعتدنا الألم، أم فقدنا القدرة على تحويله إلى فعل؟!
في كل مرحلة، تتعلّقُ القلوب بأملٍ جديد، بشخصٍ أو محورٍ أو مشروعٍ يظنّ الناس أنّه يحمل خلاصهم وإن صُنع على أعين الاستعمار. التفّت الجماهير يوماً حول جمال عبد الناصر باعتباره صوت الكرامة العربية، ثم حول صدام حسين باعتباره سداً في وجه الهيمنة، ثم حول الإسلام المعتدل ورموزه ما دام الإسلام هو الحل، ثم في مراحل لاحقة حول قوى رفعت راية المقاومة، ثم في مشاريع إقليمية كبرى تقودها إيران، وكان الناس يسيرون في كل مرحلة وراء هذا أو ذاك مظنة أنه طريق التحرر من ربقة الاستعمار، ولكن يتبين لاحقا أنه (أي الاستعمار) قادر على تغيير جلده.
وفي كل مرة تقريبا، كانت العاطفة تسبق الرؤية، وكان الأمل يُعلّق على رموز أو محاور، لا على فكر مبدئي ومشروع نهضوي جامع ينتظر لحظة الحسم. ثم لا تلبث التجارب أن تصطدم بحدودها المرتبطة بالفكرة والطريقة: التقديرات الخاطئة، الاستهانة بالخصم، ضغط الواقع، غياب البديل، تناقضات الداخل، وأحيانا الارتباط بالخارج دعما وتمويلا، فيعود الإحباط أشدّ مما كان.
وفي المقابل، بقيت أنظمة الحكم في كثير من بلاد المسلمين التي يُفترض أن ترعى شؤونهم تدور في فلك التبعية، لا تعبّر عن إرادة الأمة ولا تحمل همّها الحضاري. تحوّلت عند كثيرين إلى عبء إضافي؛ تُدير الأزمات بدل أن تحلّها، وتُطفئ الروح بدل أن تُحييها، بل تطبق الخناق على الشعوب قصد تركيعها، حتى أصبح المسلم يشعر أنّه غريب في بلده، مسلوب الإرادة، محاصر بين واقع داخلي خانق ومشهد خارجي دامٍ.
هنا تحديداً تبرز المعضلة الحقيقية: ليست في نقص الشجاعة، ولا في غياب التضحيات، بل في عدم الاهتداء إلى الإطار الجامع الذي يحوّل هذه الطاقات إلى قوة فاعلة قادرة على قلب المعادلة لصالح الإسلام وأهله. فالأمة التي تملك عقيدة حية، وتاريخاً عريقاً، وطاقات بشرية هائلة، وثروات لا تكاد تحصى، لا يعجزها النهوض، لكنّها تحتاج إلى بوصلة واضحة، وإلى مشروع لا يُبنى على ردّ الفعل، بل على رؤية كاملة متكاملة، مستمدة من الكتاب والسنة.
إنّ الاكتفاء بردود الفعل العاطفية، مهما كانت صادقة، لا يصنع نهضة. وإن التعويل على زعامات ظرفية أو محاور إقليمية لا يمكن أن يحقق التحوّل المنشود. كما أن مراكمة الوعي بأسباب الفشل دون السير في طريق النجاح هي حجة على أصحابها لا حجة لهم، وعليه فالمطلوب أعمق من ذلك: إعادة بناء الوعي على أساس أنّ الإسلام ليس شعاراً يُرفع، بل نظام حياة يُقام، وأنّ وحدة الأمة ليست حلماً طوباويا، بل ضرورة وجودية، وأنّ استعادة الكرامة لا تكون بترقيع الواقع، ولا بالتحرك ضمن الخطوط الحمراء التي يفرضها، بل بتغييره من جذوره استجابة لله ولرسوله ﷺ.
وحين يُطرح هذا المعنى، يعود إلى الأذهان وعدٌ عظيم وبشارة راسخة في وجدان المسلمين: أن تعود للأمة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، لا كذكرى تاريخية، بل كواقع حيّ يُجسّد العدل، ويوحّد الصف، ويحرّر الإرادة ويقطع يد الاستعمار. هذه ليست فكرة طوباوية، بل تصور له جذوره وأصوله، وله شواهده في التاريخ الإسلامي العريق، ويمكن - إذا توفرت له الإرادة والوعي والعمل - أن يتحول إلى مشروع حضاري قابل للتحقق، بقيادة حزب سياسي نذر نفسه لهذه الغاية، هو حزب التحرير.
إنّ الطريق إلى ذلك ليس سهلاً، لكنه واضح المعالم لمن أراد أن يسلكه بصدق. يبدأ بإيقاظ الإحساس من سباته، وبكسر حالة التفرّج، وبالانتقال من التعاطف إلى الالتزام، ومن الغفلة إلى الإحساس بالمسؤولية ومن التشتت إلى العمل المنظم. فالأمة لا ينقصها الإخلاص، بل تحتاج إلى توجيهه، ولا ينقصها الحماس، بل تحتاج إلى تأطيره ضمن مشروع جامع مانع ينشد الاستظلال بحكم الشريعة.
لقد آن للأمة أن تخرج من دائرة الانتظار، وأن تدرك أنّ خلاصها لا يأتي من خارجها، ولا يُصنع على هامش الأحداث، بل ينبع من داخلها، من عقيدتها، ومن وعيها على أحكام دينها، ومن قدرتها على الالتفاف حول مشروع يعبّر عنها حقاً. وإنّ في الأمة اليوم رجالاً ونساءً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يحملون هذا الهمّ، ويسعون لإعادة بناء هذا الكيان الجامع، إيماناً منهم بأنّ الاستخلاف في الأرض وعدٌ رباني وبشرى نبوية، وأنّ تحقيقه يحتاج إلى عمل دؤوب ونفس طويل وصبر جميل.
وعلى الجميع أن يتأكد، وفي مقدمتهم تلك الفئة المخلصة من أهل القوة والمنعة، أن تضميد الجراح وحسم المعركة الحضارية لصالح الأمة أمر ممكن، متى اعتبرنا أن القضية ليست جغرافيا بل عقيدة، ثم يأتي بعدها معنى: كرامة الإنسان، وحرمة الدم، وواجب النصرة. حين تُستعاد هذه المفاهيم وتتضح صورتها في الأذهان، يتبدّل السؤال من "ماذا يحدث هناك؟" إلى "ماذا يجب أن أفعل أنا هنا؟". فهل تبقى القلوب معلّقة بأوهام تتكرّر، أم تتحول إلى قوة تدفع نحو التغيير الحقيقي؟ وهل يظلّ الألم خبراً يُروى، أم يصبح شرارة توقظ أمة بأكملها؟
اللحظة ليست عابرة، بل فاصلة؛ إمّا استمرار الدوران في الحلقة نفسها، أو بداية طريق جديد يعيد للأمة وحدتها، وللإنسان كرامته، وللرسالة معناها في واقع الحياة. قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش