Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التهرب من الواجب تجاه الإسلام وخلق الأعذار

 

إنَّ من أعظم الآفات التي تُصيب الأمة أن يضعف شعور المسلم بمسؤوليته تجاه دينه، فيصبح متقاعساً عن واجباته، ثم يبدأ بصناعة الأعذار لتبرير هذا التقاعس. فبدل أن يراجع نفسه ويعترف بتقصيره، يحاول أن يُقنع نفسه والناس بأن ما يفعله أمر طبيعي ولا أهمية له.

 

إنَّ الإسلام لم يجعل المسلم فرداً يعيش لنفسه فقط، بل حمَّله مسؤولية تجاه دينه وأمته ومجتمعه. فهو مأمور بالصلاة، والدعوة إلى الخير، ونصرة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن قيم الإسلام وأخلاقه بقدر استطاعته.

 

لكن أغلب المسلمين إذا دُعوا إلى واجب من هذه الواجبات قالوا: الزمن تغيَّر، ولا أحد يستجيب، وأنا غير مؤثر، والدين في القلب، والله غفور رحيم! فيحوِّلون هذه الكلمات إلى ستار يُخفون خلفه ضعفهم وتقاعسهم. وقد حذَّر الإسلام من هذا المسلك؛ لأن المؤمن الصادق لا يبحث عن الأعذار بقدر ما يبحث عن رضا الله تعالى. أما النفس الضعيفة فإنها تميل إلى الراحة، فإذا أثقل عليها التكليف بدأت تفتش عن المبررات، وخلق الأعذار، والركون إلى الدنيا، والتنصل من الواجب الذي خلقها الله من أجله.

 

وقد قصَّ الله تعالى علينا خبر غزوة تبوك، حين تخلَّف بعض الناس عن نصرة النبي ﷺ، فجاء المنافقون بالأعذار الكاذبة ليبرروا تقاعسهم، بينما اعترف الصادقون بتقصيرهم وتابوا إلى الله، فكان الفرق واضحاً بين من يهرب بالأعذار ومن يصدق مع الله تعالى.

 

إنَّ التقاعس عن واجب نصرة الإسلام لا يكون فقط بترك القتال أو المواقف العظيمة، بل قد يبدأ بأمور يراها الناس صغيرة، أولها السكوت عن المنكر خوفاً من كلام الناس، أو ترك الدعوة إلى الخير تكاسلاً أو انشغالاً بالدنيا، والاكتفاء بالصلاة وبعض فروض الطاعة مع ترك الاهتمام بقضايا المسلمين وهمومهم، أو ترك العمل للدين بحجة الانشغال والعمل. ومع مرور الوقت يصبح التهرب عادة، ويعتاد القلب على التبرير حتى يفقد إحساسه بالتقصير.

 

لقد كان صحابة رسول الله ﷺ إذا فاتهم خير شعروا بالحزن والندم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن العمر قصير، وأن الإنسان سيقف بين يدي الله ليسأله عن دينه وواجبه تجاه هذا الدين، وما قدَّمه له. أما اليوم فكثير من الناس إذا قصَّروا بحثوا عمَّن يبرر لهم، لا عمَّن يذكِّرهم بالله.

 

إنَّ الأمة لا تنهض بالمتقاعسين، ولا تتغير أحوالها بكثرة الأعذار، وإنما تنهض بالرجال الصادقين الذين يتحملون مسؤولياتهم، ويجاهدون أنفسهم، ويعملون لدينهم ولو بالقليل. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.

 

فلنسأل أنفسنا دائماً: ماذا قدَّمنا للإسلام؟ وهل نحن مع العاملين الصادقين أم مع أصحاب الأعذار؟

 

فإن أخطر ما يواجه شباب الأمة اليوم ليس فقط كثرة الفتن، بل ضياع الأعمار في القيل والقال، واللهو الفارغ، والانشغال بما لا ينفع، حتى تمر الأيام والسنون دون أثر يُذكر في الدين أو الحياة. فكم من شاب أضاع قوته ووقته خلف المجالس الفارغة، ووسائل التواصل، وتتبع أخبار الناس، بينما واجبه تجاه دينه يضعف يوماً بعد يوم؟!

 

إنَّ الشباب هم قوة الأمة وسندها، فإذا انشغلوا بالتوافه، واعتادوا الأعذار، وتركوا واجباتهم الشرعية والدعوية، ضعفت الأمة كلها، وإنَّ العمر الذي يذهب لا يعود، وسيقف الإنسان يوماً بين يدي الله تعالى ليسأله عن شبابه فيما أفناه، وعن وقته فيما قضاه.

 

فلا ينبغي للشاب المسلم أن يكون مجرد متفرج على واقع أمته، أو أسيراً للراحة والتسويف، بل عليه أن يجعل من شبابه طريقاً للطاعة والعمل لخدمة الإسلام، ولو بكلمة طيبة، أو نصرة الحق، والدفاع عن قضايا الأمة. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.

 

فطوبى لمن أدرك قيمة عمره قبل فواته، وجعل حياته شاهدة له لا عليه، وسخَّر شبابه فيما يرضي الله وينفع الناس، قبل يوم لا ينفع فيه الندم.

 

نسأل الله تعالى أن يوقظ القلوب من الغفلة، وأن يجعلنا مع الصادقين العاملين لدينه، وأن يرزقنا الإخلاص والثبات.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.