Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

تركيا ومشروع الأمن الإقليمي الجديد

 

 

ليست أخطر التصريحات السياسية هي التي تدق طبول الحرب، بل هي تلك التي تعيد رسم الخرائط بصمت، وتُغلّف بعناوين السلام، لتباع في أسواق الاستقرار الوهمي. ومن هذا النوع تصريحات وزير خارجية تركيا حقان فيدان الداعية إلى بنية أمنية إقليمية تمتد من باكستان إلى الخليج، تضم تركيا والسعودية ومصر، وتفتح الباب أمام إيران، بل وتجعل كيان يهود شريكاً محتملاً، بشرط خياني وهو الاعتراف بدولة فلسطينية هزيلة على حدود 1967. (صحيفة Nikkei Asia بتاريخ 30/05/2026).

 

قد يُبَرّر هذا الطرح بوصفه محاولة عقلانية لإطفاء حرائق المنطقة المتراكمة، لكن النظر إليه من زاوية العقيدة الإسلامية يكشف عن خذلان تركي ممنهج، وعن دور أنقرة في إعادة إحياء مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الاستعماري، ذاك المشروع الذي لم يهدف يوماً لتحرير الشعوب، بل لهندسة خرائطها وإذابتها في بوتقة الهيمنة الأمريكية، مع جعل كيان يهود قاعدته المتقدمة وحجر زاويته التي لا تنحني.

 

فضمن محاولات إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً وفكرياً، ظهر الحديث عن "الشرق الأوسط الكبير" منذ سنة 2003، حيث أراد رئيس أمريكا الأسبق بوش الابن لأردوغان رئاسة هذا المشروع بعد حصوله على ميدالية الشجاعة اليهودية من اللوبي اليهودي في أمريكا، وذلك بحسب اعترافات الراحل نجم الدين أربكان، أستاذ أردوغان - قبل انفصاله عنه - في مؤتمر خاص عقد عام 2007 بمركز أبحاث الاقتصاد والاجتماع في تركيا.

 

كما لم يدخر الغرب جهدا في إعادة هندسة المجال الإسلامي بما يضمن استمرار النفوذ الغربي ومنع تشكل قوة حضارية موحدة قادرة على إنهاء قرن كامل من الهيمنة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة. فلم تقف هذه المشاريع على احتلال الأرض وإخماد الثورات فحسب، بل أرادت صياغة الوعي السياسي لشعوب المنطقة وتهيئتها لقبول واستساغة فكرة التطبيع. وبدل أن تنظر الأمة إلى نفسها باعتبارها كياناً حضارياً واحداً يجمعه تاريخ وعقيدة ومصالح مشتركة، جرى تفكيكها إلى منظومة من الدول المتنافسة والمخاوف المتبادلة والتحالفات المؤقتة، بحيث يصبح الحديث عن الوحدة استثناءً، بينما تتحول التجزئة إلى قاعدة ثابتة تشكل العقيدة العسكرية للجيوش الوطنية الحارسة لتلك الحدود الوهمية.

 

واليوم، تأتي تركيا المتباهية بصناعاتها الدفاعية والتي كان يراهن عليها كثيرون كنموذج للأمل الإسلامي، لتكون أداة تنفيذ لهذا المخطط، لا لمواجهته. إنها تقود مشروعاً يعيد الاعتبار لكيان يهود، بعد أن فضحته أحداث غزة ولبنان، محولة إياه من "عدو وجود" إلى "جار حدود"!

 

وهنا تبرز الخيانة العظمى: تحويل القضية الفلسطينية من صراع وجودي عقدي، إلى نزاع حدودي بسيط. فمشكلة فلسطين لم تبدأ عام 1967 لتُختزل في حدودها الضيقة. لقد قام كيان يهود على اغتصاب الأرض عام 1948، وقبله على مشروع استيطاني إحلالي منذ مؤتمر بازل عام 1897. ومنذ ذلك التاريخ لم يكن المشروع يبحث عن التعايش مع محيطه بقدر ما كان يعمل على تثبيت وجوده وتوسيع نفوذه وترسيخ تفوقه الاستراتيجي، ومسار العربدة اليوم هو فرصته التاريخية لإثبات وجوده.

 

فكيف يجرؤ فيدان على تلخيص هذه المأساة التاريخية في "اعتراف حدودي"؟ أم أن الصهيونية العالمية استطاعت بنفوذها في الاقتصاد والإعلام والسلاح جر أنقرة إلى مشروع الإبراهيمية الجديدة؟

 

إن ما يطرح اليوم ليس تسوية للصراع بقدر ما هو محاولة لإعادة دمج الكيان الغاصب في قلب المنطقة بعد أن كشفت الأحداث المتراكمة حجم الفجوة بينه وبين شعوب الأمة. فبدل التحالف للإجهاز عليه، يقدَّم له طوق نجاة تحت غطاء أمني، وبدل أن يبقى هو المشكلة، يصبح رفضه هو المشكلة حين تقدمه تركيا كشريك في منظومة أمنية إقليمية تمتد من باكستان إلى الخليج. وبالتالي فإن ما يخطط له اليوم هو إعادة رسم الشرق الأوسط على قياس كيان يهود وأمريكا، وتركيا بيدها القلم. أي أنها ستصبح الممر الآمن لعبوره إلى قلوب الدول العربية، في انتظار إخضاع إيران الفارسية التي تنافسها على الدوران في فلك أمريكا. وهنا لا تكون تركيا حامية للأمة، بل حارسة لأسوار سجنها الجديد: تدير ظهرها لغزة التي تنزف، وتصافح يد يهود التي تقطر دماً، وهي تدرك جيدا أن إدخال الكيان في بنية أمنية مشتركة لا يعني عمليّا سوى تحويله من جسم استعماري طارئ إلى ركن من أركان النظام الإقليمي القادم.

 

كما أن هذه الترتيبات تأتي في لحظة يتصاعد فيها القلق الغربي من عودة الخلافة إلى المسرح الدولي، بل لقد أعلنها نتنياهو بكل وضوح: "لن نسمح بإقامة خلافة إسلامية في محيطنا". ولذلك لا يُنظر إلى كيان يهود باعتباره مجرد حليف يستحق الدعم، بل باعتباره قاعدة متقدمة لحماية النظام الذي نشأ بعد هدم الخلافة ومنع تشكل أي قوة إسلامية موحدة قادرة على تجاوز حظائر سايكس بيكو الاستعمارية.

 

ومن هنا فإن جوهر السؤال الذي تثيره تصريحات حقان فيدان لا يتعلق ببناء تحالف أمني جديد فحسب، بل بالمسار الذي يجب على المنطقة أن تسلكه: هل هو مسار يُعاد فيه إدماج كيان يهود وتثبيت حضوره باعتباره جزءاً طبيعياً من بنية المنطقة، أم مسار تستعيد فيه الأمة وحدتها واستقلال قرارها السياسي، فتتحول من موضوع تُرسم له الخرائط إلى قوة ترسم خرائطها بنفسها وفق ما يطلبه شرع ربها؟

 

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.