Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ملف الهجرة غير الشرعية: كيف يصنع الغرب الأزمات ويحرسها العملاء؟

 

 

في ظل ما تشهده بلاد شمال أفريقيا اليوم - ولا سيما تونس وليبيا - من تدفقٍ لأفواج المهاجرين، تغدو الهجرة من أهم الملفات الإنسانية والسياسية التي تواجه المجتمعات المعاصرة. فما هي الجذور الحقيقية لظاهرة الهجرة؟ وكيف يمارس الغرب الرأسمالي مؤامرة مزدوجة عبر نهب أفريقيا ثم استخدام بلادنا كدواليب وظيفية لحماية حدوده؟ وما هو الدور الخبيث الذي تلعبه الجمعيات المشبوهة والدول العميلة في صناعة الفوضى وتضييق العيش على المهاجرين لدفعهم نحو الجريمة؟ وكيف يُستغل توجيه الرأي العام وإذكاء النعرات الوطنية العفنة ضد المهاجرين؟

 

أولاً: جذور المأساة وعقم النظرة الوطنية الضيقة

 

إن الأصوات القومية والوطنية النتنة التي تتعالى اليوم محذرة مما يسمى التغيير الديموغرافي، ومطالبة بطرد المهاجرين الفارين من جحيم الفقر والحروب، تعبّر عن عقم سياسي فاضح؛ إذ تعامت هذه العقول عن الأسباب التي دفعت هؤلاء البشر إلى ترك ديارهم وأموالهم. فهم لم يخرجوا ترفاً، بل ساروا في مناكب الأرض فراراً من فقر مدقع، وحروب أهلية طاحنة أهلكت الحرث والنسل، وواقع مأساوي خيم عليه ظلم وقمع حكام نواطير، نصبهم الغرب المستعمر، فلاذوا بجلدهم يبحثون في أرض الله الشاسعة عن مستقر يرفع عنهم غائلة العذاب الذي كابدوه في مساقط رؤوسهم. وهنا يتجلى عوار الحضارة الغربية الرأسمالية الفاسقة؛ هذا الغرب الذي صدع الرؤوس بشعارات حقوق الإنسان، بان خواره وعفنه المبدئي في معاملته للاجئين؛ حيث أثبتت الوقائع أن المهاجر في الغرب يظل مواطناً من الدرجة الثانية، لا يحظى برعاية طبية أو تعليمية تكافئ ما يحصل عليه الأصيل بالولادة.

 

ثانياً: المؤامرة المزدوجة للغرب الرأسمالي والجمعيات الوظيفية

 

إن الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا وأوروبا هو المتسبب المباشر في إفقار هذه الشعوب وتدمير بلادها؛ وما يحدث في السودان ماثل للعيان، إذ جعلت أمريكا السودان بلداً مُمزقاً فقيراً. ولكن المؤامرة الغربية لا تقف عند الإفقار والنهب، بل تمتد لمنع هؤلاء المهاجرين من الوصول إلى أوروبا؛ حيث يعمد الغرب إلى إنشاء وتفريخ جمعيات وظيفية داخل بلادنا، ويغدق عليها الأموال الطائلة تحت مسميات حقوقية وإنسانية براقة، بينما هدفها الحقيقي هو توطين المهاجرين قسراً في دول شمال أفريقيا. وليس هذا فحسب، بل إن الغرب يعمد خبثاً إلى دسّ عملاء ومخرّبين في صفوف المهاجرين أنفسهم، ليقوموا بأعمال تخريبية مدروسة داخل مجتمعاتنا، بهدف إيجاد حالة من الفتنة والاضطراب والفوضى الأمنية، ما يمنح الغرب الذريعة الدائمة للتدخل وفرض الإملاءات.

 

ثالثاً: دور دول الضرار والعمالة في التضييق وصناعة الإجرام.

 

وفي المقابل، تتجلى خيانة الدول الوظيفية القائمة في بلادنا بتوقيعها اتفاقيات مهينة كاتفاقية الشراكة ومذكرة التفاهم بين تونس وإيطاليا، لتتحول بلاد المسلمين إلى حارس حدودي للقارة العجوز. إن هذه الدول العميلة تمارس سياسة خبيثة ومدمّرة؛ فهي لا تسمح للمهاجرين بالعبور والذهاب إلى أوروبا التزاماً بأوامر أسيادها، وفي الوقت ذاته، لا تسمح لهم بالعمل الشريف أو الاستقرار القانوني لكسب قوت يومهم، فتقوم بالتضييق عليهم وحصارهم في لقمة عيشهم. إن هذا التعطيل المتعمّد لسبل العيش يدفع هؤلاء المهاجرين دفعاً تحت وطأة الجوع والحاجة والانسداد إلى الانحراف والوقوع في شرك الجريمة والسرقة لمجرد البقاء على قيد الحياة، وهو مخطط مقصود لإنتاج بيئة مشحونة بالجريمة والاضطراب.

 

رابعاً: صناعة الرأي العام المضلل وإذكاء الرابطة الوطنية العفنة

 

وبناءً على هذا الواقع المصنوع من الفوضى والجرائم المفتعلة، تتحرك الآلة الإعلامية والأمنية التابعة للأنظمة الحاكمة لـتصنيع رأي عام موجه لدى عامة الناس؛ حيث يُصوّر المهاجرون في وعي الشعوب على أنهم غزاة يستهدفون الاستحواذ على البلاد والعباد وتغيير هويتها. ويتم هذا الشحن الخبيث بالارتكاز على الرابطة الوطنية والقومية العفنة لتكون قيداً يمنع الأمة من التراحم والالتحام، وجعلت المسلمَ يرى أخاه المسلم غريباً ومتهماً. ولعلنا نستذكر في هذا السياق مواقف بعض حكام أوروبا التي تكشف عقولهم العنصرية الاستعلائية؛ كقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل في مذكراته: "إن أفريقيا والشرق لا يجب أن يُتركا لأهلهما ليعبثوا بمقدرات تحتاجها الحضارة الأوروبية"، وتصريح جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي علناً بأن: "أوروبا هي حديقة، ومعظم بقية العالم هو أدغال، والأدغال يمكن أن تغزو الحديقة". إن الأنظمة العميلة بتبنيها للنظرة الوطنية إنما تعيد إنتاج هذا الفكر العنصري الغربي الكالح بين أبناء الأمة الواحدة.

 

خامساً: الرابطة الإسلامية الراشدة

 

إن العلة الكامنة وراء خذلان المهاجرين، ووراء تقاعس الجيوش الرابضة في ثكناتها عن نصرة أهلنا المستنصرين بها في غزة ولبنان وغيرهما، هي هذه الرابطة الوطنية والقومية المصطنعة؛ حدودٌ جغرافية وهمية خطّها المستعمرون سايكس وبيكو لتكون قيداً يمنع الأمة من التكتل والالتحام، وجعلت المسلمَ يرى أخاه المسلم غريباً ومتهماً بتغيير الديموغرافيا، وقد حذرنا الحبيب المصطفى ﷺ من هذه الروابط المنتنة تحذيراً شديداً، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».

 

وفي خطبة الوداع، قطع الإسلام دابر هذه العنصرية العرقية والجغرافية قطعاً حاسماً، حيث قال ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى».

 

إن الرابطة الحقيقية التي يجب أن تُبنى عليها علاقاتنا هي رابطة العقيدة الإسلامية التي تذوب فيها الأجناس والألوان، فالأمة الإسلامية أمة واحدة من دون الناس، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».

 

وإن في موقف الأنصار رضي الله عنهم تجاه المهاجرين لأعظم مثالٍ، إذ لم يتذرعوا بأزمة اقتصادية أو تغيير ديموغرافي، بل شاطروهم البيوت والأموال، هذا التلاحم العقدّي هو الذي خلّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

وإن الغرب المعاصر لم يبلغ حتى مروءة النجاشي ملك الحبشة النصراني، الذي استقبل مهاجري الحبشة الأولى فآواهم ونصرهم ولم يفرق بينهم وبين أهل بلده في الرعاية والأمان، وقال مقولته الشهيرة "اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي (أي آمنون)، مَن سبّكم غَرِم"، فكيف تُطلب المروءة ممن يلهثون وراء شهواتهم المادية، ويتبجحون بأنهم مهد الأنوار وهم لم يقم لهم صرحٌ إلا على أكتاف دماء المستضعفين وسرقة تراث المسلمين العلمي والحضاري؟!

 

لقد عاش في دولة الخلافة طوال قرون المقيمُ الدائم سواء أكان أسمر أم أبيض، من أصل البلاد أم وافداً إليها، مسلماً أم غير مسلم، يتمتع برعاية الدولة وأمنها، له ما للمسلمين من الإنصاف وعليه ما عليهم من الانتصاف، دون تفرقة على أساس قومي أو وطني، فبلغت دولة الإسلام من الازدهار ما لم تبلغه دولة في تلك المدة الوجيزة قط، حتى نشرت الحبوب على الجبال لتأكل الطيور منها وعبّدت الطرق للماشية حماية لها، ومن عجز عن الزواج زوّجته ومن عليه ديون دفعتها عنه، فلم تجع بها دابة فكيف بالبشر؟!

 

سادساً: الملاذ السياسي للأمة

 

ألا فليعلم العباد أنه لا خلاص بهم من هذا الضنك، ولا فكاك من حبائل هذا المستنقع الرأسمالي المهين الذي يتاجر بالبشر ليحمي العروش، إلا بنبذ هذه المنظومة الوضعية برمتها، فالحل الجذري والوحيد لا يكمن في توقيع الاتفاقيات الأمنية مع إيطاليا أو فرنسا، بل يكمن في العمل الجاد لفرض الحكم بما أنزل الله، وإعادة بناء دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، الدولة المبدئية التي تُسقط الحدود المصطنعة، وتجمع شتات المسلمين، وتوفر الأمن والرعاية والعيش الكريم لكل من يلوذ بساحتها مسلماً كان أم غير مسلم، ليعود العدل ويشرق نور الإسلام على البشرية جمعاء بعد طول ظلام الرأسمالية.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خديجة صالح

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.