- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين خصخصة الشركات ورهن البنى التحتية
هل يجب أن تكون أسعار النفط "منفتحة" لجذب المستثمر الأجنبي؟
في سوريا اليوم، لم تعد قضية أسعار المحروقات مجرد مسألة تتعلق بسعر البنزين أو المازوت في السوق المحلية، ولا مجرد انعكاس لارتفاع أسعار النفط العالمية أو ارتفاع كلفة الاستيراد. فخلف أرقام الأسعار، وقرارات رفع الدعم، وأزمة المحروقات، تلوح أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل قطاع الطاقة السوري نفسه: من سيملك النفط؟ من سيستثمر فيه؟ من سيبني المصافي وخطوط الأنابيب؟ ومن سيمتلك أو يدير البنية التحتية التي قد تجعل من سوريا ممراً رئيسياً للطاقة في المنطقة؟
هنا سؤال يتعلق بالسيادة الاقتصادية للدولة السورية ومستقبلها لعقود قادمة. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن قطاع النفط والغاز السوري خرج من سنوات طويلة من الحرب وهو بحاجة إلى استثمارات ضخمة، وتقنيات حديثة، وإعادة تأهيل للآبار والمصافي وخطوط النقل ومحطات الضخ والتخزين. ومن جهة أخرى، فإن الدولة السورية، في وضعها الاقتصادي الحالي، لا تملك بسهولة عشرات المليارات اللازمة لإعادة بناء قطاع طاقة متكامل بمفردها. ولا يعود ذلك فقط إلى الحالة الاقتصادية، بل إلى عدم امتلاك القرار السياسي للبلاد، وعدم وجود رؤية سياسية أو اقتصادية مبنية على أسس سليمة، مع أننا نملك أفضل نظام اقتصادي في العالم، مبنيٍّ على منهج رباني يقود متّبعه إلى القمم السياسية والاقتصادية.
ومن هنا يظهر المستثمر الأجنبي باعتباره حاجة اقتصادية حقيقية من وجهة نظر الحكومة الانتقالية، بغض النظر عن أنه مسار سياسي مفروض لخدمة المصالح الغربية، ويملأ بعض الجيوب المحلية. لكن الحاجة إلى المستثمر شيء، وطريقة دخوله إلى الاقتصاد الوطني شيء آخر تماماً. فهل المطلوب أن يأتي المستثمر الأجنبي ليضخ رأس المال والخبرة والتكنولوجيا، بينما تبقى الثروة والبنية التحتية والقرار الاستراتيجي بيد الدولة؟ أم أننا أمام انتقال تدريجي من ملكية الدولة للقطاع إلى خصخصة واسعة لشركاته ومنشآته؟
مع أن قطاع الطاقة يعتبر ملكية عامة في الإسلام، أي أنه ملك للأمة، ويُصرف لخدمتها، ولا يجوز شرعاً أن يُملّك لغيرها، حتى لو كان من الرعية، فهي ملزمة بإتمام أعمال الملكية العامة وصرف أرباحها لرعاية شؤون الرعية، يقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» رواه أحمد وأبو داود.
والأخطر من ذلك: هل يمكن أن تبقى ملكية النفط للدولة على الورق، بينما تنتقل السيطرة الفعلية على مفاصل القطاع إلى شركات أجنبية من خلال عقود طويلة الأمد لإدارة الحقول والمصافي وخطوط الأنابيب والموانئ ومحطات التخزين والنقل؟ هنا تحديداً تبدأ القضية الحقيقية لرفع أسعار المحروقات اليوم.
من السهل النظر إلى النفط باعتباره براميل تخرج من الأرض، لكن الاقتصاد النفطي أكبر بكثير من عملية الاستخراج. فهناك سلسلة كاملة تبدأ من البئر، ثم التجميع والمعالجة والنقل والتخزين والتكرير، وتنتهي بالتوزيع أو التصدير. ومن يملك هذه السلسلة أو يتحكم في مفاصلها، يمتلك قدراً كبيراً من القدرة الاقتصادية. فإذا كانت الدولة تملك الحقل، لكن شركة أجنبية تدير الاستخراج، وشركة أخرى تملك أو تدير خط الأنابيب، وشركة ثالثة تدير المصفاة، وشركة رابعة تتولى التخزين والتصدير، فإن السؤال يصبح: من يملك القدرة على تحريك النفط؟ وهذا أكثر أهمية مما يبدو.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع الحديث عن تحول سوريا إلى ممر نفطي إقليمي. فالعراق يبحث عن طرق لتصدير نفطه بعيداً عن الاعتماد الكامل على الخليج ومضيق هرمز، وقد برز المسار العراقي السوري المتوسطي باعتباره أحد الخيارات المستقبلية، مع طرح مشاريع لإعادة تأهيل أو إنشاء خطوط أنابيب تمتد عبر الأراضي السورية وصولاً إلى الساحل.
وهنا يمكن أن تتحول سوريا من دولة منتجة للنفط إلى دولة تمتلك وظيفة استراتيجية أكبر: دولة عبور للطاقة. وإذا تطورت هذه المشاريع، فلن تكون القضية مجرد أنبوب يمر في الأرض السورية. سنكون أمام منظومة متكاملة يمكن أن تشمل خطوط الأنابيب، ومحطات الضخ، والخزانات، والمرافئ، والمصافي، ومناطق التخزين، والخدمات اللوجستية. أي أن القيمة الاقتصادية لسوريا قد لا تكون في كمية النفط التي تنتجها فقط، وإنما في موقعها الجغرافي الذي يسمح لها بأن تصبح حلقة وصل بين نفط العراق والأسواق العالمية عبر البحر المتوسط.
وهنا تصبح البنية التحتية نفسها ثروة استراتيجية. فإعادة بناء قطاع الطاقة تحتاج إلى استثمارات هائلة تفوق بكثير قدرة الموازنة السورية الحالية بشكلها الحالي، ولهذا تتجه الحكومة إلى الشركات الأجنبية. فالشركة الأجنبية تستطيع أن تأتي برأس المال والتكنولوجيا والخبرة، وتتحمل جزءاً من المخاطر، وفي المقابل تحصل على عائد من الاستثمار. المشكلة ليست هنا، بل المشكلة تبدأ عندما يتحول المستثمر من شريك في البناء إلى مالك فعلي لمفاصل القطاع!
الفرق بين الشراكة والخصخصة
هناك فرق كبير بين أن تقول الدولة: "هذا النفط ملك للدولة، وسنمنح شركة أجنبية عقداً لتطوير الحقل مقابل حصة محددة من الإنتاج أو عائد استثماري" - وهذا ليس من منظور شرعي، بل أطرحه من منظور رأسمالي، وهو المنظور الذي تعمل عليه الحكومة الانتقالية اليوم - وبين أن تقول: "سنمنح شركة أجنبية حق امتلاك أو تشغيل البئر، وخط الأنابيب، والمصفاة، ومحطة التصدير، لفترة طويلة، مقابل استثمارها".
في الحالة الأولى، نحن أمام شراكة استثمارية، يمكن من خلالها أن تفرض الحكومة على الشركة تأمين احتياجات البلاد بنصف السعر الدولي حتى يتم المشروع، ثم يتم تغيير ذلك باعتبار أن الدخل المالي للدولة بدأ يكبر. أما في الحالة الثانية، فنحن نقترب من خصخصة حقيقية أو امتياز طويل الأجل قد يجعل الملكية السيادية للثروة موجودة قانونياً بلا فاعلية، بينما تكون السيطرة الاقتصادية الفعلية في مكان آخر. وهنا يجب أن تكون الدولة شديدة الحذر.
هل تحرير أسعار المحروقات شرط لجذب المستثمر؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد رفع أسعار المحروقات. قد تقول الحكومة إن الأسعار المدعومة لا تعكس التكلفة الحقيقية، وإن استمرار الدعم يستنزف الخزينة، وإن المستثمر الأجنبي لن يدخل قطاعاً تفرض فيه الدولة أسعاراً منخفضة لا تسمح بتحقيق عائد اقتصادي. لكن وجود منطق اقتصادي لا يعني أن كل زيادة في السعر تصبح مبررة. هناك فرق بين تصحيح تدريجي للأسعار وبين تحميل الناس صدمة سعرية كبيرة في اقتصاد هش. فالوقود ليس سلعة عادية؛ فعندما يرتفع سعر المازوت، ترتفع تكلفة النقل والزراعة والصناعة والتدفئة، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات. وبالتالي فإن تحرير أسعار المحروقات لا يعني فقط تحرير سعر البنزين والمازوت، بل يعني إعادة تشكيل تكاليف الاقتصاد السوري كله.
والسؤال الأخطر: هل يدفع الناس ثمن جذب المستثمر؟ إذا كانت الدولة تريد جذب المستثمر الأجنبي، فمن الطبيعي أن تحاول خلق بيئة استثمارية مناسبة. لكن من غير الطبيعي أن تكون هذه البيئة قائمة على نقل كامل المخاطر إلى الناس، بينما يحصل المستثمر على الحماية والعائد!
لا يجوز أن تكون المعادلة: الناس يدفعون السعر العالمي، والشركة تحصل على الامتيازات، والدولة تتحمل المخاطر السياسية! المعادلة العادلة يجب أن تكون مختلفة: المستثمر يضخ رأس المال، والدولة تحافظ على السيادة، والناس يحصلون على طاقة متاحة وبأسعار قابلة للتحمل، والخزينة تحصل على حصة عادلة من العائد.
سوف تظهر أسئلة كثيرة: من يملك الأنبوب الذي ينقله؟ ومن يملك المصفاة التي تكرره؟ ومن يدير الميناء الذي يصدره؟ ومن يملك خزانات التخزين؟ ومن يحدد رسوم النقل؟ ومن يحدد رسوم العبور؟ ومن يتحكم في الوصول إلى الأسواق؟ فقد تبقى عبارة "الثروة ملك الدولة" صحيحة من الناحية القانونية ومجمّدة، بينما تكون القيمة الاقتصادية الكبرى موزعة على شركات تمتلك أو تدير البنية التحتية المحيطة بهذه الثروة. وهنا يظهر عنوان أكثر خطورة من الخصخصة: رهن البنية التحتية فرصة تاريخية أم تنازل طويل الأمد؟
لا ينبغي أن ننظر إلى الاستثمار الأجنبي باعتباره شراً في حد ذاته. سوريا تحتاج بالفعل إلى الاستثمار الأجنبي، وتحتاج إلى التكنولوجيا، وتحتاج إلى إعادة بناء قطاع الطاقة، وتحتاج إلى إعادة تشغيل المصافي والأنابيب والحقول، وتحتاج إلى استعادة مكانتها كممر تجاري وطاقة بين العراق والبحر المتوسط. لكن الحاجة إلى المال لا ينبغي أن تجعل الدولة تفاوض من موقع الضعف. فالعقد الذي يوقَّع اليوم قد يبقى عشرين أو ثلاثين عاماً. والبنية التحتية التي تُسلَّم لشركة اليوم قد تصبح جزءاً من أمن الدولة الاقتصادي لعقود. ولهذا فإن أي عقد نفطي، أو عقد أنابيب، أو امتياز لمصفاة أو ميناء، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره اتفاقاً تجارياً عادياً. إنه، في الحقيقة، جزء من هندسة الدولة السورية الجديدة، والناس هم الحلقة التي لا يجوز تجاوزها، وفي نهاية المطاف، لا يمكن بناء اقتصاد قوي على حسابهم.
إن ما تعانيه سوريا اليوم وبلاد المسلمين قاطبة هو جراء بُعدها عن دين الله وتطبيق منهج الله على أرضه. فالنظام الرأسمالي لم يجلب لبلاده التي نشأ فيها إلا الويلات، واليوم نحن على أعتاب أزمات اقتصادية كبيرة وهائلة قد تعصف بالعالم. ونحن، للأسف، نملك منهجاً قويماً ربانياً، أساسه السيادة على أرضنا، وتطبيق مبدأ الإسلام، وتحكيم الأحكام الشرعية في مواضعها. وهذا ما أظن أن الناس تحركت لأجله، ولكنها يتلبسها الخوف.
إن الملكية العامة في الإسلام تجعل للدولة أن تكون هي النائبة عن الأمة في إدارة هذه المشاريع، ولكن الشارع منعها من التصرف في الملكية العامة بالمبادلة أو الصلة، وأجاز لها التصرف بها في غير ذلك بحسب الأحكام الشرعية. أما اليوم، وللأسف، فنجد أن الدول تسهّل نهب ثروات البلاد إلى المستعمر الجديد بلبوس خادع للأمة، إما عبر حكام، وإما من خلال تدخل مباشر من الدول الكبرى، فتجعل من هذا التدخل أمراً لا مفر منه، وأننا يجب أن نكون خاضعين، مسلّمين أمرنا لهذا المستعمر وأدواته، ونقبل بالفتات ونبيع كل شيء! وهذا كله بسبب أننا ابتعدنا عن حبل الله المتين، وابتعدنا عن تطبيق شرع الله الأصيل، ونسينا كيف تُعاش الحياة في ظل دولة الخلافة الراشدة. والله، لو علم الناس ما ستجلب لهم هذه الدولة من عز ورفاه وسعادة وأمن، لحبَوْا لإقامتها حبواً.
لا حل لنا بعيداً عن ديننا، لا حل لنا ونحن نرتمي في أحضان الغرب الكافر المستعمر، لا حل لنا ونحن نخضع لحكام خونة يبيعون البلاد وثرواتها مقابل كرسي يجلسون عليه أو دون مقابل.
فيا أهل الإسلام، تمسكوا بدين الله وأحكامه، واعملوا على إقامتها، ووضع أحكامها موضع التطبيق والتنفيذ في دولة تحكم فيكم بما أنزل الله.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم