- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
لا مخرج للأمة من أزماتها إلا بالخلافة
يغفل كثير من الدعاة والأئمة والمشايخ عن الحديث عن كيفية خروج الأمة من واقعها الأليم، فلا يتحدثون عن ذلك في دروسهم ومنابرهم؛ فالخلافة هي المخرج للأمة من جحر الضب الذي أدخلنا فيه الغرب الكافر، يوم هدم الخلافة وفرض علينا التمزيق، والحكم الوضعي العلماني.
يقول غلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق: (ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق). لذلك سعت بريطانيا ودول الغرب الصليبية في إبعاد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، عن الحكم بعد هدم دولة الخلافة العثمانية. حيث قال وزير خارجية إنجلترا كرزون رداً على أحد النواب الرافضين منح تركيا الاستقلال: "القضية أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها؛ الخلافة والإسلام".
إذاً التغيير اليوم لا بد أن يكون بالدعوة لإعادة الخلافة وهو فرض وواجب بأقصى طاقة وبأقصى سرعة. رحم الله أم سلمة رضي الله تعالى عنها إذ قالت: "كيف أنتم إذا دعاكم داعيان: داع إلى كتاب الله، وداع إلى سـلطان الله أيهما تجيبون؟". قالوا: نجيب الداعي إلى كتاب الله. قالت: "بل أجيبوا الداعي إلى سلطان الله، فإن كتاب الله مع سلطان الله".
ما أجمل سؤال أم سلمة رضي الله عنها! وما أدق جوابها، وأحسن إرشادها! فـقـد وافق رأيها رأي القائل: "الدين أس، والسلطـان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع". فالدين بأحكامه موجود في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ. وسلطان الله هو الحارس، بل والعامل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإذا أجبنا الداعي إلى كتاب الله، وتركـنا الداعي إلى سلطان الله أضعنا كتاب الله، وعطلنا العمل به وبسنة رسول الله ﷺ. أما إذا أجبنا الداعي إلى سـلطان الله حفظنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لأن سلطان الله هو الحارس لكتاب الله.
وروي على لسان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: "لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة إلا بإمارة". إن الناظر المدقق في قول عمر يرى أن قوله هذا يفيد بمنطوقه ومفهومه أساس الحكم في الإسلام. فالإسلام هو الدين السماوي الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ ليكون دينا للعالمين، وقد نسخ ما قبله من الأديان بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ثم جعله المنهج الوحيد للبشر ليسيروا عليه ويحتكموا إليه فقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾.
الإسلام ليس دينا نظريا، بل هو دين عملي، أي منهج مقرر للعمل به في واقع الحياة، والمنهج العملي يحتاج إلى من يُعمله ويـفـعـّلـه في الحياة، وهذا لا يتم إلا بوجود الجماعة التي تعتنقه، وتلتزم بأحكامه، فـتجعل منه قيادة فكرية لها، وتجعـل من أحكامه حلولا لمشكلاتها، وإذا لم توجد هذه الجماعة لا يوجد الإسلام في واقع الحياة، ولهذا قال عمر: "لا إسلام بلا جماعة".
أما إذا اعتنق الإسلامَ أفرادٌ كما هو الحال في الأقطار الأجنبية فلا يعتبر الإسلام موجودا في واقع الحياة، وكذلك هو غـير موجود في واقع الحياة في الأقطار التي تسمي ـفسها إسلامية، لكون المجتمعات في تلك الأقطار تسير على مناهج مخالفـة للإسلام، فالجماعة التي عـناها عمر هي التي تتـخذ الإسلام منهجا لها.
وأما قول عمر: "ولا جماعة إلا بإمارة". فالإمارة هي السلطان الذي يدبر شؤون الجماعة، ويسيرها على منهج الله، فيقـوّم المعوج منها، وينفذ الأحكام عليها، فإذا لم توجد الإمارة صارت أمور الجماعة فوضى، وبالتالي تتفرق وتخرج عن المنهج، وإذا خرجت عن المنهج لم يعد الإسلام موجودا في واقع الحياة، ورحم الله الشاعر الذي قال: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا لم ترس أوتاد
إذاً فوجود الإسلام في واقع الحياة مربوط بوجود الإمارة، والإمارة إذا كانت متقيدة في رعايتها لشؤون الناس بالإسلام فهي سلطان الله، وإذا لم تكن مـتقيدة به، كانت سـلطانا للطاغوت، وسلطان الطاغوت فاسد على كل حال.
أليس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بين أيديكم إلا أنهما معطلان، قد علقهما الناس في المكتبات والسيارات وعلى الجدران؟! ولقد صدق القائل: إن فرض إقامة السلطان هو الفرض الذي تقام به كل الفروض، ورحم الله الخليفـة الثالث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه حين قال: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". فسـلطان الله أي الإمام هو الذي يقاتل من ورائه، ويتقى به، فبه تتوحد كلمة المسلمين، ويُرهب جاـبهم، ويُنصف مظلومهم، وبه ترجع إليهم عزتهم، وينفضون غبار الذل عن جباههم، ويطبقون شرع ربهم، وينشرون الهدى بين الناس، فيه تزول الفرقة، وتحمى البيضة، وتشحن الثغور بالجيوش، فتحمى أعراضهم وأموالهم، فهو الراعي والحارس، وما لا حارس له فضائع، كما هو حالنا اليوم، فنحن أضيع من الأيتام على مآدب اللئام.
الخلافة هي واجب الوقت، وهي وعد الله سبحانه وبشرى النبي ﷺ، وإن حزب التحرير يعمل لها واصلا ليله بنهاره لتحقيق الوعد الرباني والبشرى النبوية. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)
عضو لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان