فلسطين أون لاين: مقالة بعنوان "الفلسطيني الجديد في السياسة بعد الأمن"
- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم

2014-01-28
الفلسطيني الجديد في السياسة بعد الأمن
د.ماهر الجعبري
"ما فعلناه هو بناء رجال جدد" تلك العبارات هي زبدة خطاب دايتون، عندما وقف متفاخرًا في معهد "واشنطن" لسياسات الشرق الأوسط عام 2009م، وهو يستعرض مهمته في صناعة جيل أمني فلسطيني جديد، لا يمكن أن يكون مبعث تهديد للكيان العبري، مقتبسًا في خطابه الشهير ذاك كلمات ضابط فلسطيني كبير، خاطب أفراد الأجهزة في حفل تخريج أمني: "لستم هنا لتتعلموا كيف تقاتلون (إسرائيل)".
وهو ما عقّب عليه دايتون في حينه بالقول: "جعل هذا التغيّر ضباطًا في الجيش الإسرائيلي يسألونني: (كم من هؤلاء الرجال الجدد تستطيع أن تصنع؟)".
لا يمكن أن يغيب ذلك الخطاب، وتلك المهمة عن الحضور في ذهن المتابع للمشاهد المتناقضة على الساحة الفلسطينية:
إذ كيف يمكن أن يفهم "الفلسطيني القديم" مشهد استنفار الحرس "الفلسطيني الجديد"، وهو يفتش الحقائب الأكاديمية لـ"الفلسطيني القديم" على مداخل قاعات مؤتمر علمي يفتتحه رئيس وزراء السلطة، في حين يصمت صمت الأذلاء عندما يتعرض المستوطنون لموكبه وهو في طريقه إلى رام الله، متوجهًا إلى مكتبه السلطوي الذي يتغول فيه؟!
وكيف يمكن أن يفهم "الفلسطيني القديم" مشهد إطلاق "فلسطيني جديد" النار عليه، يطارده لأنه يعده خارجًا على القانون السلطوي، كما حصل في بيت لحم قبل أسابيع، وفي غيرها من مدن الضفة الغربية، في حين ينهض ذلك "الفلسطيني الجديد" بدوره الأمني على أكمل وجه، وهو يحفظ دماء أي مستوطن يتمرد على سيادة السلطة الموهومة، ويدخل مناطقها متحديًا قانونها وقانون الاتفاقيات المخزية التي أنتجت هذه السلطة؟!
لا يمكن تفسير تلك المشاهد المتناقضة إلا باستحضار ذلك التعبير اليهودي المؤلم، الذي أصبح النص المؤوِّل لتلك المشاهد الأمنية والسياسية المتناقضة للسلطة الفلسطينية.
وهذا المقال يعرض اجتهادًا جديدًا في سياق ذلك النص، مستنبطًا صفات جديدة للفلسطيني الجديد على المستوى السياسي، بعد تجسيده على المستوى الأمني، وهو يحمي أمن الاحتلال، في حين يتجبر على الناس، ويسترخص إزهاق أرواحهم في مشاهد كثيرة، منذ استمرأت السلطة الفلسطينية قتل "الفلسطيني القديم"، عندما احتج على مؤتمر (أنابوليس)، كما فعلت في الخليل عام 2007م، أو وهو يستفرد به في المقار الأمنية، يحقق معه بتهمة التسلح، والاستعداد إلى ممارسة الكفاح المسلح، الذي كان شعارًا للمنظمة قبل نجاح عملية إنتاج "الفلسطيني الجديد".
ولو أراد دايتون أن يختبر جودة منتجاته اليوم في أية عينة عشوائية؛ لأثبت كل ساعة أن صناعته فعالة على المستوى الأمني، ولكنه اليوم يمكن أن يتفاخر بنجاح آخر في مهمته الأمنية، إذ يتخلل النفس "الديتوني" وتسري معه تلك الصفات الجينية المهجنة إلى وجدان الساسة والقادة الجدد لما يسمّى المشروع الوطني، وهم يشكلون نماذج متجددة لهذا الفلسطيني الجديد، الذي يستأسد على أهله ويستخزي أمام جنود الاحتلال ومستوطنيه، تمامًا كما حصل مع رئيس حكومة "فتح" الدكتور رامي الحمد لله، بعدما سخر به وبموكبه السلطوي مجموعة من المستوطنين وبعض جنود الاحتلال.
ولو حاولنا فهم سياق هذه العملية الإنتاجية "الفاسدة"؛ لوجدنا أن خميرة عجينتها تعود إلى عقود سابقة، وأن هذه الولادة المسخ هي نتيجة سلسلة من الانبطاحات لمنظمة التحرير، والتهجين الأمني لرجالاتها:
فقد أنتجت أمريكا البويضات التي تولد عنها ذلك "الفلسطيني الجديد" ضمن حاضنات مشروع حل الدولتين، وأعلنتها بوضوح عند انطلاق مشروع (ريغان( في أيلول عام 1982م، الذي عبّر عن المطالب الأمنية في نصوص صريحة، عندما نص على "إجراء انتخابات حرة لاختيار سلطة فلسطينية للحكم الذاتي، ترمي إلى إثبات أن الفلسطينيين قادرون على حكم أنفسهم، وأن هذا الحكم الذاتي لا يهدد أمن (إسرائيل)، تكون فيه المفاوضات من أجل التوفيق بين المطالب الأمنية المشروعة لـ(إسرائيل) والحقوق المشروعة للفلسطينيين"، وهو ما يعد اليوم تصويرا حيًّا لهذا الواقع السلطوي المخزي.
وهو تمامًا ما عملت منظمة التحرير بحسبه على ترويض "الفلسطيني القديم"، بعدما أشعل الانتفاضة الأولى بعفويته، في حين كانت هي تحمل شعلة الركض نحو المطالب الأمنية لليهود، وذلك منذ أن عقد المجلس الوطني بالجزائر في تشرين الثاني 1988م، الذي رد فيه المجلس الوطني على مقتل خليل الوزير "أبي جهاد" (رحمه الله) الذي يحمل ما يحمله من رمزية للكفاح المسلح بفتح باب الانبطاح الأمني، وتبنت فيه المنظمة عملية تخصيب بويضات إنتاج "الفلسطيني الجديد"، فأبدى المجلس الوطني في الدورة التاسعة عشرة استعداده الكامل إلى حفظ أمن الاحتلال ضمن الحل السياسي، ونصت مقررات المجلس على "ترتيبات الأمن والسلام لكل دول المنطقة"، فاجتمعت فيه الإشارة الرمزية إلى الصمت عن قتل قائد الكفاح المسلح، وإلى تقبّل التخصيب الأمني الجديد.
ولذلك لم يكن غريبًا على المنظمة التي اختزلت قضية فلسطين سياسيًّا من مشروع تحرر إلى مشروع حكم ذاتي مسخ، يعفي الاحتلال من مسئولياته، ويجعله احتلالًا رخيصًا في اتفاقية (أوسلو) الأولى؛ أن تتبعها باتفاقية (أوسلو) الثانية التي وُلد على أوراقها ذلك الفلسطيني الجديد، بعدما تحرك في أحشاء المنظمة سنوات ظلت خلالها تخادع الفلسطيني القديم بالطهر في حين كانت تتكتم على حمل العهر.
ومكنت تلك الولادة المشوهة الفلسطيني الجديد من هضم سموم اتفاقية الخليل عام 1997م، التي وضعت الرتيبات الأمنية لحماية المستوطنين فيها، ثم بلع اتفاقية "واي ريفر" (The Wye River Memorandum) عام 1998م، التي بلغ فيها الفلسطيني الجديد سن المراهقة الأمنية، وتمكن من الإفصاح عن الانخراط في مواجهة ما أسماه "الإرهاب"، تحت إشراف المخابرات الأمريكية.
ثم تتابعت الإبداعات الأمنية لهذا الفلسطيني الجديد، وصولًا إلى خريطة الطريق عام 2002م، ثم تعاقب الجنرالات الأمريكيون على قيادة وتدريب ذلك الفلسطيني؛ لتنفيذ مهامه الأمنية، واشتهر منهم دايتون الذي وصفه بعضٌ بأنه "زعيم فلسطين" الجديد.
ومع نجاح عملية التهجين لإنتاج ذلك الفلسطيني الجديد تحول خوف المستوطن، الذي كان يقود سيارته متلفتًا ذات اليمين وذات الشمال، متخوفًا من "الفلسطيني القديم"؛ إلى عربدة، فصار الفلسطيني القديم هو الذي يسير على الطرقات متحسبًا من هجوم المستوطنين عليه، بعدما حاصره الفلسطيني الجديد، وحمى أولئك المستوطنين.
لقد نجح رامي الحمد لله في "تربيع الدائرة" السياسية، عندما كسر الأعراف الأكاديمية وسمح لحرسه بتفتيش حقائب الأكاديميين، وأكمل التربيع المستحيل أكاديميًّا ونظريًّا (للعارفين بمعضلة تربيع الدائرة رياضيًّا)، وذلك عندما جسّد حرسه منطق الخنوع للمستوطنين وجنود الاحتلال، في مقابل منطق العربدة على الأكاديميين الذين نشأ الحمد لله فيهم وبينهم، ليطلق أنموذج السياسي الجديد الذي يسير تحت نعال الفلسطيني الجديد في ثقافته الأمنية.
ولذلك يمكن لـ"مجموعة الأزمات الدولية" أن تعد الحمد لله إنجازًا جديدًا يضاف إلى تقريرها القديم عام 2010م، الذي حمل عنوان: "تربيع الدائرة: إصلاح الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت الاحتلال"، إذ يمكن أن تضيف المستحيل الأكاديمي والسياسي في سلوك الحمد لله وسلطته إلى ما سطرته من صناعة المستحيل الأمني.
المصدر: فلسطين أون لاين