الأربعاء، 16 شوال 1440هـ| 2019/06/19م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"


جواب سؤال


القوانين الإدارية ومنها قوانين السير وحكم الشرع فيها
إلى يوسف عايش زين



السلام عليكم ورحمة الله
أسأل الله تعالى أن تكون بتمام العافية وخير من الله تعالى يا شيخنا. وأن يحفظنا وإياك بحفظه ويمن على أمة الإسلام وعليك وعلينا بحكم الإسلام في ظل خلافة على منهاج النبوة.


السؤال:


لقد كثرت في بلادنا حوادث السير وأدت هذه الحالة إلى وفاة كثير من أصحاب الحوادث. فكنا ننصح بعدم مخالفة قوانين السير حفاظا على السائقين والركاب... فكانت هناك بعض الردود بأن هذه القوانين ليست إسلامية وليس لها نصوص... وأن جميع القوانين التي تحكمنا غير إسلامية بما في ذلك قوانين السير... فكانت بعض الردود عليهم بالقول إن هذه القوانين هي قوانين شرعية ولا يجوز مخالفتها. فيحتدم الجدال...
فهل يحرم مخالفة قوانين السير في هذه الدول التي تحكم بغير الإسلام سواء أكان ذلك في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفر؟؟


وهل هناك أدلة على ذلك؟
وبارك الله فيكم.

 

الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
في البداية أشكرك على دعائك الطيب وأسأل الله سبحانه لك الخير وللمسلمين أجمعين النصر والتمكين...


أما بالنسبة للسؤال فإليك بيان المسألة من وجوهها بإذن الله:


1- عُرِّف القانون بأنه "مَجْمُوعُ القَوَاعِدِ الَّتِي يُجْبـِرُ السُلْطَانُ الناسَ عَلَى اتـِّباعِهَا في عَلاقَاتِهِمْ"، وهذا يعني أن الحاكم أو الدولة تأخذ أحكاماً معينة وتتبناها وتأمر بالعمل بها فتصبح هذه الأحكام بعد تبنيها من قبل الحاكم أو الدولة قوانين ملزمة للرعية...


2- سن القوانين بالمعنى المشار إليه جائز شرعاً، ويقوم به الخليفة، لأن الشرع جعل حق تبني الأحكام والإلزام بها للخليفة، وقد فصلنا القول في هذا الأمر في كتبنا، وأنقل لك بعض ما جاء بهذا الخصوص من كتاب مقدمة الدستور الجزء الأول عند شرح البند "أ" من المادة "136" التي تتحدث عن صلاحيات الخليفة:


(أ- هو الذي يتبنى الأحكام الشرعية اللازمة لرعاية شؤون الأمة المستنبطة باجتهاد صحيح من كتاب الله وسنة رسوله لتصبح قوانين تجب طاعتها ولا تجوز مخالفتها.
....
الفقرة (أ) دليلها إجماع الصحابة. وذلك أن القانون لفظ اصطلاحي، ومعناه: الأمر الذي يصدره السلطان ليسير الناس عليه، وقد عُرّف القانون بأنه (مجموع القواعد التي يُجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم) أي إذا أمر السلطان بأحكام معينة كانت هذه الأحكام قانوناً، يلزم الناس بها، وإن لم يأمر السلطان بها لا تكون قانوناً، فلا يلزم الناس بها. والمسلمون يسيرون على أحكام الشرع، فهم يسيرون على أوامر الله ونواهيه، وليس على أوامر السلطان ونواهيه. فما يسيرون عليه أحكام شرعية، وليست أوامر السلطان. غير أن هذه الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية شيئاً غير ما كان يفهمه البعض الآخر، وكان كلٌّ يسير حسب فهمه، ويكون فهمه حكم الله في حقه، ولكن هناك أحكام شرعية تقتضي رعايةُ شُؤون الأُمة أن يسير المسلمون جميعاً على رأي واحد فيها، وأن لا يسير كل بحسب اجتهاده، وقد حصل ذلك بالفعل، فقد رأى أبو بكر أن يوزع المال بين المسلمين بالتساوي؛ لأنه حقهم جميعاً بالتساوي. ورأى عمر أنه لا يصح أن يُعطى مَنْ قَاتَل رسولَ الله كمن قاتل معه، وأن يُعطى الفقير كالغني، ولكن أبا بكر كان هو الخليفة، فأمر بالعمل برأيه، أي تبني توزيع المال بالتساوي، فاتبعه المسلمون في ذلك، وسار عليه القضاة والولاة، وخضع له عمر، وعمل برأي أبي بكر ونفّذه. ولما جاء عمر خليفة تبنى رأياً يخالف رأي أبي بكر، أي أمر برأيه بتوزيع المال بالتفاضل، لا بالتساوي، فَـيُعطى حسب القدم والحاجة، فاتبعه المسلمون، وعمل به الولاة والقضاة، فكان إجماع الصحابة منعقداً على أن للإمام أن يتبنى أحكاماً معينة مأخوذةً من الشرع باجتهاد صحيح، ويأمر بالعمل بها، وعلى المسلمين طاعتها، ولو خالفت اجتهادهم، وترك العمل بآرائهم واجتهاداتهم. فكانت هذه الأحكام المتبناة هي القوانين. ومن هنا كان سَنّ القوانين للخليفة وحده، ولا يملك غَيرُه ذلك مطلقاً.) انتهى.


3- القوانين التي يسنها الخليفة قسمان:


أ- قسم يكون أحكاماً شرعية فيقوم الخليفة بتبنيها وإلزام الناس العمل بها، وذلك كأحكام المعاملات والعقوبات وغيرها... وهذا القسم يجب على الرعية الالتزام به لأمرين: لأنه أحكام شرعية، ولوجوب طاعة السلطان الشرعي.


ب- وقسم آخر هو ترتيبات إدارية يضعها الخليفة بما يكون مصلحة للمسلمين وفق صلاحياته في رعاية الشئون كقوانين السير مثلاً... وهذا القسم يجب على الرعية الالتزام به من باب وجوب طاعة السلطان الشرعي وفق ما هو مبين في الأعلى...


4- أما السلطان غير الشرعي والسلطان الذي يحكم بأحكام وضعية فإن طاعته غير واجبة شرعاً وقوانينه غير ملزمة للمسلمين لأنه ليس له على المسلمين حق الطاعة... والقوانين الصادرة عن السلطان غير الشرعي في أيامنا ثلاثة أنواع:


أ- قوانين مأخوذة من الأحكام الشرعية كالقوانين المسماة "قوانين الأحوال الشخصية" التي تنظم الزواج والطلاق والميراث ونحو ذلك بأحكام مأخوذة من الفقه الإسلامي، فهذه القوانين يُعمل بها ما دامت وفق أحكام الشرع لأن العمل بها هو عمل بأحكام شرعية...


ب- قوانين مخالفة للشرع وذلك ككثير من القوانين التي تبيح الربا والزنا وشرب الخمر والبيوع المحرمة، والقوانين التي تنظم الملكيات وتوزيعها، والقوانين التي تنتظم الحياة الاقتصادية والتعليمية وغيرها... فهذا يدخل في باب الحكم بغير ما أنزل الله، وهو حرام، ولا يجوز للمسلمين في هذا الباب أن يعملوا بهذه القوانين بل يحرم عليهم ذلك حرمة مشددة ويجب عليهم العمل على تغيير هذه القوانين وتحويلها لتصبح وفق أحكام الشرع.


ج- قوانين تتعلق بترتيبات إدارية مثل قوانين تنظيم السير وتنظيم التدريس وبناء الدور والطرقات ونحو ذلك من أمور داخلة في باب الترتيبات الإدارية... فهذه القوانين لا يجب العمل بها شرعاً لأنها صادرة عن جهة لا يُلزم الشرع بطاعتها، لكن العمل بهذه القوانين ليس محرماً شرعاً بل هو جائز لأنها داخلة في الترتيبات الإدارية...


لكن إذا كان عدم الالتزام بهذه القوانين الإدارية يترتب عليه ضرر وأذى للنفس أو للآخرين وذلك كعدم الالتزام بالوقوف على الإشارة الحمراء فيترتب عليه حصول حوادث سير وإضرار بالنفس أو بالآخرين... فإن الالتزام بهذه القوانين يصبح واجباً ولكن ليس من باب طاعة السلطان غير الشرعي بل من باب ما يترتب على عدم الالتزام بها من ضرر، والرسول e حرم الضرر، فقد روى الحاكم في المستدرك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وقال عنه "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ"، وعلق الذهبي عليه بقوله: "على شرط مسلم". فوجوب الالتزام في مثل هذه الحالات ليس آتياً من وجوب طاعة القوانين الإدارية التي يسنها الحاكم غير الشرعي أو الحاكم غير المسلم، بل الوجوب آت من باب حرمة الضرر والإضرار والأذى.


5- وعليه فإن الالتزام بقوانين السير في بلاد المسلمين حيث لا يحكم بالشرع وفي بلاد غير المسلمين، أقول إن الالتزام بهذه القوانين وما هو من جنسها من القوانين والترتيبات الإدارية جائز شرعاً، فهو ليس حراماً وكذلك ليس واجباً... باستثناء حالة وهي ما إذا ترتب على عدم الالتزام بالقانون الإداري ضرر وأذى فيكون الالتزام به واجباً، غير أن هذا الوجوب ليس بسبب طاعة الحاكم غير الشرعي أو الحاكم غير المسلم بل من باب حرمة الضرر والأذى...


والذي يُلاحظ هذه الأيام أنه في كثير من الحالات يترتب ضرر على مخالفة الترتيبات الإدارية وبخاصة في قوانين السير، فالتقيد بهذه القوانين التي ترفع الضرر يُعمل به منعاً لما يترتب على المخالفة من ضرر.


آمل أن تكون المسألة قد اتضحت من جميع جوانبها.

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة


07 شوال 1440هـ
الموافق 2019/06/10م


رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك
رابط الجواب من صفحة الأمير(حفظه الله) ويب

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع