السبت، 10 ربيع الثاني 1441هـ| 2019/12/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

اللهمّ اجعل الآخرة همّنا

 

يعيش المسلم في هذه الحياة الدنيا بين أمواجها العاتية التي تتقاذفه بين مدّها وجزرها: بين الصحة والمرض، بين الضيق والفرج، بين الغنى والفقر، بين الانشغال والفراغ، بين المنشط والمكره...

 

وهو عليه في كل تلك الوضعيات والتقلبات أن يكون مدركا تمام الإدراك غايته في هذه الحياة والواجبات التي في عنقه حتّى يتسنّى له الوصول بسفينته إلى برّ الأمان، إلى مغفرة الله ورضوانه عند لقائه عزّ وجلّ.

 

إنّ المسلم الذي أخذت العقيدة الإسلامية بألباب عقله وقلبه ليعي جيّدا أن النجاة كل النجاة في إدراكه أنه ليس كغيره من بني البشر والعيش وفقا لذلك، فهو الذي اختصه الله بالهدى والنور العظيم، أمانة يحتضنها يعيش ليرعاها ويؤديها إلى أهلها ويكون شاهدا على ذلك.

 

إنّ إدراك المسلم أنّ دينه هو دين الحقّ والعدل والرحمة للعالم أجمع يدفعه دفعا ليعيش به مبدأً يستقي منه أفكاره ويبني عليه أفعاله فيسعى جاهدا لإيجاده في معترك الحياة؛ إذ إنّ المبادئ لا تطيق مطلقا أن تكون حبيسة النفس والذات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ﴾.

 

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره للآية: "إنه نداء للذين آمنوا، نداء لهم بصفتهم الجديدة، وهي صفتهم الفريدة، صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى، وولدوا ميلادا آخر. ولدت أرواحهم، وولدت تصوراتهم، وولدت مبادئهم وأهدافهم، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم.. أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل.. ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه: يا أيها الذين آمنوا فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى، وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى.. وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم تسبق التكليف الشاق الثقيل كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين... إنها أمانة القيام بالقسط.. بالقسط على إطلاقه، في كل حال وفي كل مجال، القسط الذي يمنع البغي والظلم - في الأرض - والذي يكفل العدل بين الناس - والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين..."

 

فالأمر عظيم والهدف راقٍ، وهمّة المسلم عليها أن تتناسب مع عظم الأمانة ومشقة الدرب طبعا.

 

كما قلنا سابقا قد يمرض المسلم وينشغل وتضيق به الحال وتتبدّل عليه الأحوال وقد يبسط الله له في الرزق وقد تكثر المشاغل وغير ذلك، ولكنّ حامل الإسلام النقيّ يتعثر في السير ولا ينقطع عن المسير، لا يمكن له أن يرضى أن تكون حياته كغيره من بني البشر حياة عادية رتيبة منغمسة في الدنيا وملذاتها، فهو الذي وعى أنّ الدار الآخرة هي الدار الباقية وأنّ عمله عمل الأنبياء، لا يمكن للمسلم أن يرتضي السير في هذه الحياة دون مخطط يوصله للغاية التي ينشدها ألا وهي رضوان الله، ودون إدراك الأعمال التي توصله لتلك الغاية والقيام بها وإلا فحياته ستكون عبثية لا تخول له النجاج في الاختبار.

 

حمل همّ العالم بأسره والسعي لإخراجه من جاهلية هذا القرن أمر لا مناص منه لزام للمسلم، وإلا انحشر في زاوية الأنا المقيتة التي تحبسه بين جدران الأنانية وحب الذات وهذا لا يرضي الله.

 

إنّ السبيل التي تمكنّ المسلم من التزود بالزاد الكافي الذي يؤمن حطّ رحاله بأمان من هذه الحياة القصيرة الفانية هي:

 

1- اكتسابه المفاهيم الصحيحة عن الحياة والمآل وتذكير نفسه بها عند تغيّر حاله والحالات التي يمّر بها.

 

2- جعل رضوان الله هو أسمى الغايات عنده، فلا تكون عنده غاية أخرى تزاحمها المرتبة والبذل فيشكل حياته ويكرسها لتحقيقها فيجعل كل أموره تصبّ في تلك الغاية، وبالتالي يزن أعماله بالحلال والحرام في كل آن ويعيش بحس متيقظ ينبهه حين الغفلة ويذكره بميزانه وبالعدّاد الذي يشتغل في عدّ ما اكتسب من حسنات وسيئات.

 

3- أن يجعل الآخرة همّه ويزهد في الدنيا، ولا نقصد بالزهد هنا التقشف والامتناع عمّا أحلّ الله بل عدم الركض وراء الأمور الدنيوية والانغماس في الركض خلفها بحيث تشغلنا وتثبطنا عن المهمة الأساسية إذ يقول النبي e: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ».

 

وعَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى». رواه أحمد وصححه المنذري والهيثمي والألباني.

 

4- تعهدّ النفسية بقراءة القرآن وكل ما من شأنه أن يجعل الصلة بالله حيّة قوية، فانقطاع ذلك الحبل لا تحمد عواقبه.

 

إنّ الفلاح كل الفلاح لمن عاش حياته مستمسكا بالعروة الوثقى عاضا بنواجذه على أوامر الله ونواهيه محددا الغاية ومدركا للطريقة والوسائل: وها هي نماذج مشرقة للصحابة والتابعين رضوان الله عليهم الذين قد تبوؤوا الدار والإيمان بفضل نجاحهم في حلّ المعادلة بطريقة صحيحة نذكرها لتكون لنا نبراسا وتذكرة.

 

فها هو الصحابي الجليل البراء بن مالك الذي كان يعيش لغاية هي "الله والجنةفلم يتخلف عن غزوة من الغزوات.. حرصا على الشهادة، جرح بضعة وثمانين جرحا في معركة اليمامة حتى ظل شهرا كاملا يشرف خالد بن الوليد قائد معركة اليمامة بنفسه على تمريضه. احترقت كفاه حتى بان العظم منها في حرب العراق، ورغم ذلك لم يثنه شيء عن مواصلة المسير حتى استجاب الله له وتحققت دعوته فاستشهد في الحرب ضد تحالف الأهواز والفرس على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن صرع وحده في بداية المعركة التي افتتحت بالمبارزة مائة مبارز من الفرس...!! فهنيئا له نوال مبتغاه

يقول الحسن البصري رحمه الله، يصف حال أخيار زمانه رضي الله عنهم: "أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْرِضُ لِأَحَدِهِمْ حَلَالَهَا، فَيَدَعُهَا، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي عَلَى مَا أَنَا مِنْ هَذِهِ، إِذَا صَارَتْ فِي يَدَيَّ"، كما في "الزهد" لابن المبارك (1/ 178)..

 

وعنه قَالَ: "وَاللَّهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً، وَصَحِبْتُ طَوَائِفَ مِنْهُمْ، مَا كَانُوا يَفْرَحُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَهِيَ كَانَتْ أَهْوَنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مِنَ هَذَا التُّرَابِ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَعِيشُ خَمْسِينَ سَنَةً لَمْ يُطْوَ لَهُ ثَوْبٌ قَطُّ، وَلَا نُصِبَ لَهُ قِدْرٌ، وَلَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئاً، وَلَا أَمَرَ فِي بَيْتِهِ بِصَنْعَةِ طَعَامٍ قَطُّ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ: فَقِيَامٌ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، يَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ، كَانُوا إِذَا عَمِلُوا الْحَسَنَةَ دَأَبُوا فِي شُكْرِهَا، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَإِذَا عَمِلُوا السَّيِّئَةَ أَحْزَنَتْهُمْ، وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا، فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ".

 

بأمثال هؤلاء علينا الاقتداء وتعلم تقديم الآخرة على الدنيا وترك كثير من المباح خشية الوقوع فيما لا يرضي الله عنّا، فالفتن كثيرة في هذه الدنيا ولا يدري الواحد منّا مداخل الشيطان؛ فالأموال قد تفتن البعض والأولاد قد يشغلون البعض وغير ذلك، فلا بدّ أن نضع نصب أعيننا أن لا شي يقدّم على رضوان الله وتأدية رسالة الإسلام التي اؤتمنا عليها، يقول رسول الله e: «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» رواه الترمذي (2328) وحسَّنه.

قال المباركفوري رحمه الله: (الضيعة) هي: البستان والقرية والمزرعة.

 

(فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى، والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعاً عن القيام بعبادة المولى وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى. وقال الطيبي: المعنى لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فتلهوا بها عن ذكر الله قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾. "تحفة الأحوذي" (6/511).

 

وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: «إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةُ مَجْبَنَةٌ»، فالولد قد يكون سبباً من أسباب حصول البخل وعدم الإنفاق في سبيل الله، وكذلك سبباً من أسباب الجبن والقعود، فهم محل لتحصيل البخل والجبن. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

 

فيجب على المسلم إذن أن يضع في أعلى سلم أولوياته الجنّة وما قرب لها من أقوال وأعمال، وأي عمل وقول أعظم من حمل الإسلام والعمل به والدعوة له، وأن يأخذ نصيبه من الدنيا الحلال دون انغماس ودون توغل... تلك مقاربة النجاة والفلاح.

 

فاللهمّ ثبتنا حتى الممات اللهمّ ثبتنا حتى الممات اللهمّ ثبتنا حتى الممات، اللهمّ لا تجعل الدنيا آخر همّنا ومبلغ علمنا وأعنّأ على طاعتك، اللهمّ استعملنا ولا تستبدلنا واجعلنا من عبادنا الصالحين، اللهمّ قوّ عزيمتنا واشحذ همّتنا، اللهمّ آتنا رشدنا وتوفّنا وأنت راض عنّا. اللهم آمين...

 

وآخر دعوانا الحمد لله ربّ العالمين

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هاجر اليعقوبي

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع