الأحد، 19 ذو الحجة 1441هـ| 2020/08/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أزمة اقتصادية خانقة تدخل مصر في نفق مظلم

 

هناك أزمة اقتصادية مزمنة يعاني منها الناس في مصر لعقود مضت، ولكنها تضرب مصر بشكل قوي وخطير منذ مطلع سنة 2020م، بسبب التطورات الآتية:

 

أولا: انخفاض أسعار النفط ما تسبب في تراجع حاد بالتحويلات التي ترسلها العمالة المصرية في منطقة الخليج إلى بلادهم، ويبلغ عددهم نحو 3 ملايين. وقد بلغ حجم تحويلات المصريين في 2019 نحو 26 مليار دولار، ومما لا شك فيه أن العديد من المصريين قد فقدوا وظائفهم في دول الخليج خلال هذه الفترة، واضطروا للعودة إلى بلادهم.

 

ثانيا: توقف قطاع السياحة تماما بسبب انتشار فيروس كورونا، الأمر الذي أدى إلى خسائر كبيرة في عائدات الاقتصاد المصري. وتعد السياحة في مصر، موردا مهما للغاية من حيث إدخال العملات الأجنبية والتوظيف، وفي حين بلغت عائدات السياحة 12.6 مليار دولار العام الماضي، فإن الرقم يقترب من صفر في 2020.

 

ثالثا: خلال مرحلة انتشار كورونا، كان هناك انسحاب كبير لرؤوس الأموال من الاقتصاد المصري الذي أصابه الضعف، ويقدر هذا الانسحاب بحوالي 8.5 مليار دولار.

 

رابعا: تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي بسبب كورونا، خفّض عائدات قناة السويس التي بلغت 5.8 مليارات دولار في 2019.

 

وقد قفز الدين الخارجي في مصر بنسبة تبلغ 145% منذ وصول السيسي إلى الحكم، إذ لم يكن يتجاوز 46 مليار دولار منتصف عام 2014، ووصل إلى 112.67 مليار دولار بنهاية كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، وقد بلغت تقديرات إجمالي ربا الدين العام المطلوب سدادها عن القروض المحلية والأجنبية في مشروع الموازنة العامة للعام المالي المقبل 2020/ 2021 نحو 566 مليار جنيه. وكان البنك المركزي المصري قد أعلن في 7 حزيران/يونيو الحالي، أن الاحتياطيات الأجنبية في البلاد انخفضت إلى 36.0037 مليار دولار في نهاية أيار/مايو، وكان الاحتياطي النقدي في مصر قد بلغ أعلى مستوياته في تشرين الأول/أكتوبر 2019، ووصل إلى 45 مليارا و246 مليون دولار، حيث استخدم الاحتياطي النقدي في سداد قيمة الواردات وأقساط الدين الخارجي للبلاد. وكانت مصر قد اتفقت على قرض جديد من صندوق النقد الدولي بقيمة 5.2 مليار دولار في بداية هذا الشهر. ويعد هذا القرض الثاني من الصندوق منذ بدء أزمة فيروس كورونا، حيث تم الحصول في أيار/مايو الماضي على 2.7 مليار دولار.

 

وفي بداية شهر أيار/مايو الماضي وافق مجلس النواب المصري على تعديلات قانونية لتنمية موارد الدولة نحو 15 مليار جنيه سنوياً (955.4 مليون دولار) عن طريق زيادة الرسوم المفروضة على بعض الخدمات واستحداث أخرى وسط جائحة فيروس كورونا. وتضمنت الرسوم التي زادت قيمتها خدمات الشهر العقاري وعمليات الشراء من الأسواق الحرة والحفلات والخدمات الترفيهية التي تقام في الفنادق والأماكن السياحية، إذ استحدثت الحكومة رسوماً على أجهزة المحمول ومستلزماتها بواقع 5% من قيمتها بجانب 2.5% من قيمة فواتير الإنترنت للشركات والمنشآت، مع رسوم أخرى على التبغ الخام والبنزين والسولار.

 

والواضح أن الحلول المطروحة من الحكومة هي تكرار لحلول سابقة لم تفلح في إخراج مصر من النفق المظلم الذي دخلت فيه، وهي الاستمرار في سياسة الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي أسقطت مصر في دوامة الديون المتراكمة والربا المضاعف منذ سبعينات القرن الماضي، تلك القروض التي تُربط دائماً بشروط قاسية من هاتين المؤسستين الدوليتين الاستعماريتين، ما يؤدي إلى رهن الاقتصاد المصري بإرادة الدول الاستعمارية وأطماعها، ولم تؤدِ هذه الشروط في بلد من البلاد إلى نهضة اقتصادية حقيقية، بل أدت إلى زيادة الضرائب، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، ورفع الأسعار وهذا ما يسمونه في قواميسهم "بترشيد الإنفاق"، فازداد الناس فقراً على فقر! هذه هي الحلول المطروحة للخروج من الأزمة.

إن هذه الحلول كلها مأخوذة من النظام الرأسمالي الغربي الذي هو أس البلاء. ألم يؤد هذا النظام بآلياته وقوانينه وإباحيته المالية، وتركه العنان لإبداعات الرأسماليين والمضاربين الشيطانية، لاحتكار مزيد من الأموال وتضخيم ثرواتهم على حساب عامة الناس؟ ألم يؤد هذا النظام في الدول الرأسمالية الأم - كالولايات المتحدة وأوروبا - إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية الطاحنة؟! وها هي أمريكا صاحبة الاقتصاد الأكبر في العالم، وقعت في أزمة اقتصادية مدمرة نتيجة لآليات نظامها الاقتصادي الرأسمالي، وجرّت وراءها جميع دول العالم لتقع هي الأخرى فريسة هذه الأزمة.

 

والسبب في فشل كل هذه الحلول والخطط في إنعاش الاقتصاد والتغلب على الأزمة هو كونها مأخوذة من النظام نفسه الذي أوجد هذه الأزمة وتسبب فيها، ألا وهو النظام الرأسمالي، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولقد أصبح مفكرو الغرب أنفسهم وكبار رأسمالييهم يشككون في نجاعة الحلول المطروحة، ويقولون إن هذه الحلول إن نجحت، فستساهم في تأجيل الانهيار فحسب، أما أن تحل المشاكل حلاً جذرياً فهذا ما لن تنجح فيه.

 

إننا في حزب التحرير ندعو إلى تغيير جذري في النظرة إلى حل الأزمة، فالحل لا يمكن أن يكون من داخل الدائرة الاقتصادية الرأسمالية التي نحن فيها، والتي أدت إلى هذا التردي الفظيع، بل يجب كسر الجُدُر الفكرية التي أحطنا بها أنفسنا والبحث عن حلول من خارج هذه الدائرة، فهذا حال كل مفكر وعالم يبحث عن حل جذري لأي مشكلة من المشاكل. وإننا كحزب سياسي، يفهم الإسلام كمبدأ شامل للحياة، تنبثق عنه جميع النظم التي تسيّر حياة الإنسان في هذه الدنيا تسييراً دقيقاً ومميزاً، ندعو البشرية كلها - مسلمين وغير مسلمين - إلى دراسة هذا الإسلام ونظامه الاقتصادي دراسة عميقة مستفيضة، لتلتمس عظمة هذا الدين وعظمة الحلول التي يقدمها، ودقتها، وتدرك أن هذا الإسلام هو النظام الأوحد الذي يحمل في طياته الحلول الصحيحة لمشاكل البشرية جمعاء، وأنه لا منقذ ولا مغيث لها إلا بتطبيقه تطبيقاً شاملاً في كل شؤون الحياة.

 

وإنه لمن المحزن حقاً أن نلجأ نحن المسلمين أصحاب هذا المبدأ الإلهي العظيم في حلول مشاكلنا في أرض الكنانة إلى نظم وضعية سقيمة، ثبت فشلها عند واضعيها قبل غيرهم، وحري بنا أن نعود إلى إسلامنا العظيم لنفهمه ونجعله الأساس الذي تنبثق عنه الحلول لكل مشاكلنا، ومن الخطأ الفاحش ما يظنه كثير من الناس أن النظام الاقتصادي في الإسلام هو نفسه النظام الرأسمالي بدون ربا، فالأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام تختلف عن التي يقوم عليها النظام الرأسمالي كل الاختلاف. فهناك أنواع من الملكية تحددها طبيعة الشيء الذي يمتلك لتكون ملكية فردية أو ملكية عامة أو ملكية دولة، وهناك أعيان لا تجوز ملكيتها ملكية فردية البتة، لا ملكية شركات ولا ملكية أفراد، كآبار البترول والغاز والثروات الغزيرة في باطن الأرض، وهذا التقسيم لا يعرفه النظام الرأسمالي إطلاقاً، كما أنه لا حرية تملك في الإسلام، بل التملك محصور في الإسلام بالأسباب الخمسة التي حددها الشارع، هذا بخلاف الرأسمالية التي أباحت التملك بأي وسيلة من الوسائل، سواء عن طريق الربا أو القمار أو ممارسة الفاحشة أو ما شابهه... فبهذه القيود الشرعية يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي. وهذا النظام ينتج حلولاً لكل المشاكل الاقتصادية في الدولة ضمن المنظومة الإسلامية الكاملة، ذلك أن النظام الإسلامي بنية متكاملة الأركان، وليست بنية ترقيعية من كل واد عصا!

 

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96]

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع