السبت، 25 ذو الحجة 1441هـ| 2020/08/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القومية هي القوة الدافعة للتجزئة الدموية في بلاد المسلمين

(مترجم)

 

ما حدث في سربرينيتشا خلال حرب البوسنة - والذي أسفر عن مصطلح سياسي شعبي وهو "البلقنة" - كان وصمة عار في تاريخ السياسة الحديثة. وقد أثر نزع الشرعية عن قيادة الأنظمة الشيوعية الاشتراكية على السياسات الداخلية في يوغسلافيا في أوائل التسعينات، ثم أدى إلى تقسيم يوغوسلافيا إلى دول عدة: سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، ومقدونيا. وقد وصفها معارضو النظام الاشتراكي بأنها موجة من الديمقراطية لأنها أنهت حكم النظام الشيوعي في يوغوسلافيا. وللأسف، فقد أشعلت هذه الموجة روح القومية القائمة على العرق والدين. ونتيجة لذلك، أصبح مصطلح بلقنة يُعرف الآن على نحو أفضل بالمصطلح الجيوسياسي الازدرائي المطابق لتفكك منطقة واحدة.

 

كان على المسلمين أن يدفعوا ثمناً باهظاً جداً بسبب هذه "البلقنة". وشهدت حرب البوسنة التي استمرت 3 سنوات، من عام 1992م إلى عام 1995م، التطهير العرقي للمسلمين من مئات المدن والقرى. وبصرف النظر عن التاريخ الطويل والمظلم لحرب البوسنة، سيركز هذا المقال على مفهوم القومية الدموية التي هي الوقود الرئيسي للبلقنة في البلاد الإسلامية وكذلك سبب فقدان الآلاف من أرواح المسلمين في البوسنة. كان هذا المفهوم هو الذي شجع الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش على التطهير العرقي للمسلمين البوسنيين لخلق رؤيتهم القومية لصربيا الكبرى، مع إقليم صربي نقي عرقيا على طول نهر درينا.

 

لا يمكن فصل فكرة القومية الخطيرة والسامة التي تملّكت ميلوسيفيتش عن الجذور التاريخية للقومية نفسها. إنها متجذرة في مفهوم السيادة الويستفالية التي طورتها الدول النصرانية المتحاربة في أوروبا في عام 1648م وتجلت في مفهوم الدولة الإقليمية. وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر الميلادي. وإن فكرة القومية تعتبر أن الدولة الشرعية مرتبطة بأمّة، وهي مجموعة عرقية معينة أو مجموعة أو شعب يقتصر على حدود جغرافية معينة.

 

لذلك فإن القومية ليست لها جذور تاريخية في الحضارة الإسلامية. وإذا ألقينا نظرة فاحصة على الجدول الزمني التاريخي، فإن القومية كانت حقيقة جديدة مفروضة على خرائط البلاد الإسلامية المرسومة. ووفقا لباحث الحضارة الإسلامية في إندونيسيا، البروفيسور أجيد ثوهير، فإن القومية ولدت في البلاد الإسلامية نتيجة للمصالح الاستعمارية في القرن الثامن عشر حتى بداية القرن العشرين الميلادي. وللأسف، فقد عززت بشكل غير مباشر روح الانقسام السياسي بين المسلمين.

 

في الواقع ومنذ القرن الثامن حتى القرن الثامن عشر الميلادي فإن الأمة الإسلامية كانت أمة موحدة تحت قيادة واحدة مركزية وهي الخلافة (الدولة العظمى). ومنذ ولادة رسالة محمد ﷺ عاش المسلمون أمة واحدة، ليسوا فقط متحدين تحت عقيدة واحدة ولكن أيضاً تحت نظام واحد. واليوم رغم وجود أكثر من مليار مسلم، لكن المسلمين يعيشون في بلاد مجزأة أقيمت على دولتهم الواحدة، ويديرون حكوماتهم المنفصلة، ويطبقون قواعدهم الدينية على أساس مصالحهم في بيئاتهم المنفصلة.

 

ومنذ بداية القرن العشرين، شهد المسلمون عملية "بلقنة" على الصعيد العالمي تحت ستار القومية والنضال من أجل تقرير المصير، جنبا إلى جنب مع إنهاء الاستعمار الذي أسفر عن العديد من البلدان الجديدة باسم الاستقلال عن الاستعمار الغربي. فتم تقسيم البلاد الإسلامية إلى أكثر من خمسين دولة قومية. وليس هذا فقط، فقد وقعت الأمة الإسلامية في فخ الهيمنة الغربية الجديدة. ثم عاشت هذه البلاد الإسلامية في ظل نظام الدولة القومية العلمانية، وهي محاطة بهيمنة الرأسمالية ومليئة بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

ومن المفارقات أن مصير المسلمين صار بعيدا عن التقدم والكرامة والازدهار. فقد قُتل حوالي 12.5 مليون مسلم في العديد من الحروب على مدى السنوات الـ25 الماضية، وفقًا للباحث رفيق توران، رئيس الجمعية التاريخية التركية، الذي قال في مؤتمر عام 2018م في إسطنبول، "هذا يماثل تقريبا الخسائر في الحرب العالمية". وهذا الرقم لا يشمل تعذيب البوذيين للمسلمين حتى الموت في ميانمار، وعلى يد الصينيين في تركستان الشرقية. بالإضافة إلى ذلك، تم استبعاد ملايين المسلمين الذين يموتون من الجوع والأمراض والهجرة والكوارث الأخرى التي من صنع الإنسان من تلك القائمة.

 

كما أن حدود الدولة القومية جعلت المسلمين الروهينجا ينفصلون عن إخوانهم المسلمين في بنغلادش وماليزيا وإندونيسيا. حدث هذا أيضاً لمسلمي الإيغور الذين عانوا في ظل الطاغية الصيني وتخلّي حكام المسلمين عنهم بسبب إعطاء الأولوية لمصالحهم الاقتصادية الوطنية. ولا يشمل ذلك مئات الآلاف من اللاجئين المسلمين عديمي الجنسية الذين نزحوا من سوريا والعراق وفلسطين. هذا هو الثمن الباهظ الذي ندفعه مقابل انقسام الأمة وتقسيمها.

 

في الواقع، فإن الإسلام يمنع ويشجب بشدة العصبية (أو التعصب) بما في ذلك القومية، كهوية للمسلمين، بدلاً من رابطة الأخوة الإسلامية. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات: 49]. فيعلمنا الإسلام أن أقوى رابطة بين المسلمين هي رابطة العقيدة الإسلامية التي تتجلى في الأخوة الإسلامية ويجب أن توضع هذه الرابطة فوق العرق أو الجنس أو اللون، قال النبي ﷺ: «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ». رواه أحمد.

 

وبمجرد أن عرف الغرب هذا السر في قوة الأمة الإسلامية، بذلوا جهودهم لضربه والقضاء عليه، أو على الأقل إضعاف مبدأ الولاء والبراء في قلوب المسلمين. فتبنّوا فكرة "القومية" لتحقيق هدفهم الشرير. وبالتالي، فإن الواقع القاسي الذي يجب أن يواجهه المسلمون ويختبرونه هو فقدان مفهوم الولاء والبراء من قلوب أجيالهم المتعاقبة. فقد تضاءل ولاؤهم للإسلام تدريجياً، وتحطم في نهاية المطاف بسبب المفاهيم الخاطئة.

 

إن أي أفعال ونضالات قامت بها الأمة المسلمة لم تعد لصالح الإسلام ولا من أجل التمسك بكلمة الله على هذه الأرض. لقد اهتز الاعتقاد بأن الإسلام رحمة لجميع المخلوقات. لم يعودوا راغبين في تبني القيم والأحكام الإسلامية لازدهار العالم وتقدم الأمة. وقد حذر الإسلام منذ وقت طويل أمته من الوقوع في هذا النوع من الفهم الخاطئ، حيث صنف القومية على أنها من الجاهلية وقد أدان النبي ﷺ بشدة من دعا إلى العصبية والتعصب واصفاً إياهم أنهم من الجاهلية: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». رواه مسلم.

 

وقد شرح الشيخ محمد سعيد القحطاني هذا الحظر الصارم أكثر فأكثر حيث قال: "إن القومية هي شكل من أشكال الشرك، لأنها ستطلب من أحد أن يقاتل من أجلها، ويكره جماعة أخرى تصبح عدوه - بغض النظر إن كانوا من المسلمين أم لا - وبهذه الطريقة أقامها بشكل غير مباشر كشريك مع الله سبحانه وتعالى".

 

حتى إن محمد قطب جعل فكرة القومية تتماشى مع الأيديولوجيات الهرطقية الأخرى مثل الشيوعية والعلمانية والديمقراطية، والتي تتعارض مع العقيدة الإسلامية ويمكن أن تُبطل إسلام شخص ما. ورجح أن هذه الفكرة تعلّم أتباعها فصل الإسلام عن حياتهم. ولا يختلف رأيه كثيراً عن رأي أبي العلاء المودودي - وهو عالم باكستاني - الذي رفض في إحدى كتاباته دمج الإسلام مع فكرة القومية. ولم يوافق أي شخص يدعي أنه قومي مسلم، لأنه لا يمكن لأي من الإسلام والقومية أن يتماشيا معا.

 

لقد قسمت القومية المسلمين وأضعفتهم، وجعلتهم كالأيتام بفقدان الوصي عليهم، وجعلتهم فريسة مصيرهم تحت رحمة المفترسين الذين ينهبونهم واحداً تلو الآخر كل ليلة. تخيلوا أنه في عام 1995م وحده، فقدنا 8000 مسلم في البوسنة، وخلال هذه السنوات الـ 25 فقدنا أكثر من 12.5 مليون مسلم! زادت 1500 مرة! وعلاوة على ذلك، فإن هذا لا يشمل بيانات من جميع الساحات الدموية في جميع أنحاء العالم. هذه هي الحالة البائسة للأمة الإسلامية اليوم، نتيجة لفقدان درعها الحامي، الخلافة، التي سقطت عام 1924م، قبل حوالي 100 سنة.

 

لقد فرض الإسلام على أمته أن تعيش تحت قيادة سياسية واحدة هي الخلافة. يُمنع تجزئتهم تحت أكثر من قيادة سياسية، ناهيك عن العيش المضطهد تحت طغيان أغلبية الكفار. فلنعمل على إعادة درع الأمة الحامي الذي سيقضي على هيمنة الكفار على المسلمين ويحمي دم وكرامة النساء والأطفال المسلمين في جميع أنحاء العالم! الخلاص الوحيد للأمة هو عودة الخلافة على الطريقة النبوية.

 

قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ». صحيح مسلم.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع