السبت، 13 ربيع الثاني 1442هـ| 2020/11/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

المأساة الحقيقية هي النظر لمأساة دار المايقوما من الداخل

وترك المجتمع خارجها يزودها بالمآسي

 

وصف النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، خلال زيارته اليوم إلى دار المايقوما لرعاية الأطفال فاقدي السند، وصف الوضع بالمأساة الحقيقية، ووقف على الأوضاع المتردية التي تعيشها الدار المتمثلة في سوء النظافة، وضعف الرعاية الصحية، بسبب نقص الكوادر الطبية، ونقص الأدوية، والإسهالات، بجانب مشاكل إدارية تتعلق بضعف مرتبات الأمهات وتأخرها، وأزمة في الخبز، وأعلن عن حل كافة الإشكالات المستعجلة بدار المايقوما، وتشكيل لجنة مستعجلة لدراسة مشاكل المايقوما وحلها حلا جذرياً، وشكت أمهات بالدار من تراكم الأوساخ لأكثر من شهرين، والإهمال الحكومي بعدم تنفيذ المطلوبات وإيجاد المعالجات الملحة. من جانبها قالت الدكتورة وصال علي أحمد مدير الشئون الصحية بدار المايقوما، إن الدار تضم نحو 350 طفلاً بمعدل 30 طفلا في الغرفة الواحدة، تتراوح أعمارهم من يوم إلى 11 سنة مشيرة إلى استلام الدار اليوم 3 أطفال أعمارهم أقل من يوم. وأضافت أن الدار تعاني من نقص في الكوادر العاملة واحتياجات الأطفال، وتراكم الأوساخ، وضعف مرتبات الأمهات العاملات. (سونا، 2020/10/31م).

 

دار المايقوما التي أُنشئت في العام 1961م تتلقى الدعم من الدولة ممثلة في مجلس رعاية الأمومة والطفولة، وتساهم فيها مجموعة من المنظمات، مثل أطباء بلا حدود، واليونيسيف، وأنا السودان... ويعيش في الدار الأطفال فترة زمنية ثم يحولون إلى قرية الأطفال، التي تم إنشاؤها في العام 1975م إثر الاتفاقية القطرية العالمية، التي عقدت مع حكومة السودان على إنشاء قرية للأطفال فاقدي السند. إن تاريخ إنشاء هذه الدور والدعم من المنظمات الدولية يبين أن المشكلة مستجدة ناتجة عن الأوضاع غير الطبيعية التي تمر بها مجتمعاتنا.

 

إن حل مشكلة سوء الرعاية داخل الدار لا يعدو كونه علاجاً عرضياً لمرض تزيده الأوضاع الاجتماعية المتحررة من القيود غير المنضبطة بشرع الله تعقيداً، ويروح ضحية ذلك عدد من الأطفال، فضلا عن أن وجود الدار لم يعالج جذور الأزمة، فهناك أعداد من الذين لا يصلون الدار، لأن أغلب الأطفال يموتون نتيجة تسمم الدم، وأغلب الأطفال الأحياء يعانون من استسقاء في الرأس وشلل دماغي، وعيوب خلقية، ناتجة عن محاولة إجهاض فاشلة، وتستقبل المشرحة عددا كبيرا من الأطفال الميتين كل سنة، لتعرضهم للقتل (الوأد)، ومنهم من كان وجبة للكلاب الضالة والقطط، فأين هي الدولة من هذه الأزمات؟! وما هي الحلول المطروحة لأطفال مصيرهم مجهول ينقلون إلى الدار أو الموت، وإذا وصلوا إلى الدار فإنهم منبوذون، ولا يتفاعلون مع المجتمع بشكل طبيعي، ولا يكون عندهم شعور بالانتماء، فلا يعرفون معنى العلاقات داخل الأسرة ولا يتلقون الرعاية الكافية، ويعيشون في عزلة، وهذا يمنع نموهم النفسي والعاطفي واللغوي، وكلما تعددت الأمهات البديلات لسبب أو لآخر زادت المعاناة! بالإضافة إلى أن وصمة العار التي تلاحقهم تجعل منهم شخصيات غير سوية في الغالب.

 

وليس مستغربا هذه الأوضاع المأساوية التي أشار إليها رئيس مجلس السيادة داخل دار المايقوما، كما أنه ليس غريبا التوصيف للحلول بالعقلية نفسها التي أوجدت المشاكل دون تجفيف المنابع التي تغذي الدار بالأطفال، وهذا ديدن النظام العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة، ويتبنى معالجات فاشلة سقيمة لا تعالج بل تبقي المشكلة قائمة. والحقيقة هي أن حكامنا هم المأساة لعدم تبنيهم حلولا حقيقية تعالج المشاكل، ولو سلمنا جدلاً أن مشاكل الرعاية والنظافة ستحلها اللجنة التي تكونت، فهل هذا أقصى ما يصبو إليه حكامنا؟! وماذا عن صناعة جيل صالح ومتوازن يقضي على فكرة وجود دور إيواء للأطفال فاقدي السند؟ بالتأكيد هذا ليس من أهداف منظومة الحكم الرأسمالي التي تحكم بها بلادنا والتي يصعب على طفل بين أبويه أن ينشأ تنشئة تبني شخصية إسلامية قويمة في ظل الأنظمة والأفكار العلمانية الفاسدة، وتبني التشريعات الدولية السقيمة من حقوق مرأة وحقوق طفل حتى أصبح المجتمع يتجه بقوة لمنظومة القيم الرأسمالية الغربية المتعفنة التي أفرزت دور فاقدي السند.

 

وحكامنا عودونا على علاج الأعراض وترك جذور المشاكل والمساعدة في استفحال الأزمات، فهل الوضع المأساوي في دار المايقوما يعالَج بتوفير أوضاع أفضل، أم ببتر المشكلة من جذورها؟ ألا يرى الحكام أنه في الغرب يتم توفير دور الرعاية على أعلى مستوى، لكن الطفل في النهاية ينقم وينحرف ويصبح عنيفاً وخطراً على الناس في سنوات مبكرة؟ لسبب بسيط هو أن الطفل ليس حيوانا يكتفي بالأكل والشرب مهما كان فاخراً، فهو يحتاج لدفء الأسرة، ولحنان وتوجيه الأم، ولسلطة الأب الذي يشعره بالاستقرار والأمان، وهذا ما لا يمكن للحكومة والمنظمات توفيره!

 

وفي تاريخ الإسلام الطويل لم توجد دور رعاية أطفال قط، بل كانت دور الرعاية ميزة تميز انحطاط حضارة الغرب، ويمكن أن نتبين ذلك من كتب الأدب التي تزخر بقصص الأيتام المحزنة وبشاعة الوضع في أوروبا وسوء المعاملة والاستغلال والانتهاك، وفي دار الرعاية، سواء في المرحلة الكنسية أو في مرحلة فصل الدين عن الدولة، وكل ذلك مرده إلى افتقار الفكر الغربي الرأسمالي لمفهوم المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة تجاه تطهير المجتمع وتحصينه من الروابط غير الشرعية، وعدم الوعي بمركزية وحصرية الأسرة كنواة وحاضنة طبيعية للطفل؛ ما جعل المجتمع جله من فاقدي السند في مجتمعاتهم. وأصبحت دور فاقدي السند من الأزمات الاجتماعية التي يبحث الغرب عن التخلص منها ولو مؤقتاً. فمثلا في الولايات المتحدة تقدم الدولة تشجيعا ومكافآت مالية ضخمة للعائلات حتى تستقبل الأطفال دون سند لمدة زمانية مؤقتة إلى حين أن يجدوا لهم والديْن بالتبني، حتى إن بعض العائلات الأمريكية احترفتها مهنة تصل إلى استقبال عشرات الأطفال مقابل الأموال التي يتلقونها، أي إن النظام العلماني الغربي قد حصد الويلات من منظومته العلمانية فأُجبر للعودة إلى نظام الأسرة وفضّل أن يبقي الطفل في كفالة عائلة وقتيا عوض انتظار التبني في مراكز الرعاية، ولكنهم تأخروا بعد أن أفسدوا الفطرة السوية وتركوا النظام الرباني بإطلاق القيم والحريات الليبرالية المتمثلة أساسا في العلاقات خارج الزواج ولكنهم لم ينسوا أن ينشروا أمراضهم الاجتماعية بتقنينها في اتفاقيات دولية مثل (سيداو) التي ستحول المجتمعات البشرية لمجتمعات غرائزية تنحدر لدرك الحيوانات، هذه الاتفاقيات التي قررت حكومة الفترة الانتقالية المصادقة عليها!

 

إن حكامنا يسارعون لمرضاة الغرب باتباع سننه وترك سنة النبي ﷺ مدبرين عن حلول الإسلام ومقبلين على حلول العلمانية الزائفة، فكل ما يقومون به من مصادقة على القوانين الدولية العلمانية وتقديم الحلول لمعالجة بيئة دور الرعاية هو إعانة وتشجيع للزناة على التمادي دون أي رادع يستأصل مشكلة الزنا وينظف المجتمع من تبعاتها، وهو اعتراف بالعلاقات خارج إطار الزواج، فالمجتمع مهيأ لارتكاب الفواحش بتفشي الظواهر الخليعة والتبرج بل التعري والاختلاط، وللبعد عن الإسلام وأحكامه، بحجة العصرنة والحداثة، ما يفتح الباب على مصراعيه للفساد الذي تضخه الهواتف والفضائيات، مع وجود العطالة المتفشية بين الشباب الذين أصبحوا بلا هدف وبلا قيم ولا مستقبل يشجعهم، وانتشار واسع للمسكرات والمخدرات في أوساط الشباب، ومنظمات غربية تعمل ضد الإسلام، تستهدفهم فتقنع الشباب والفتيات بأن ممارسة العلاقات حق لهم، وأن الزواج المبكر خطر على صحة الفتاة، بينما غضوا الطرف عن خطورة وضع الفتاة في أنظمة رأسمالية تجعلها فريسة لكل مفترس.

 

لن تجف منابع الأطفال فاقدي السند إلا إذا طبقت أحكام الله سبحانه في التدابير التي تمنع وجودهم في المجتمع؛ مثل منع التبرج وكذا الفصل بين الجنسين إلا لحاجة يقرها الشرع، ومعاقبة كل من انتهك حرمة لله، ففي هذه الحالة فقط نتخلص من دار المايقوما بأوضاعها المأساوية، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإن دولة الخلافة التي أظل زمانها ستحل القضايا حلاً جذريا بأحكام رب العالمين، فهلمَّ إلى إعادتها خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب)

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع