الجمعة، 19 صَفر 1441هـ| 2019/10/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

دولار الكرامة أم تكريم العقل؟!

 


تفاعل رواد مواقع التواصل مع تصريحات رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، خلال حواره الذي بثته العديد من القنوات السودانية يوم السبت، واقترح البعض "إسفيرياً" الإعلان عن دولار الكرامة لدعم الاقتصاد السوداني خلال الفترة الانتقالية.


وكان رئيس الوزراء السوداني قال في الحوار "إن السودان يحتاج إلى 8 مليارات دولار من المساعدات الأجنبية في العامين المقبلين لتغطية الواردات، وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد بعد الاضطرابات السياسية المستمرة منذ أشهر. ومعلوم أن الاقتصاد السوداني يعاني من أزمات مركبة أبرزها شُح السيولة وانهيار النظام المصرفي وتضعضع قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، وارتفاع أسعار السلع وغلاء المعيشة وحزمة من المشكلات الاقتصادية المتراكمة التي تنتظر الحكومة المقبلة.


وتبارى المتداخلون على مواقع التواصل في الدفع بمبادرة للإعلان عن دولار الكرامة خاصة للمغتربين، وطالب بعض المغردين من حمدوك إعلان مبادرة دولار الكرامة على شاكلة "جنيه الكرامة" الذي طرح في عهد الرئيس الأسبق الراحل جعفر نميري، ودفع المغردون بحزمة من المقترحات لدعم الاقتصاد السوداني، مشيرين إلى أن السودانيين المنتشرين في كافة أصقاع العالم قادرون على دعم دولتهم وثورتهم الشعبية.


أغلب المؤيدين والداعمين للحكومة الجديدة في السودان ينطلقون من أنهم مستعدون لفعل أي شيء يساندون به الحكومة باعتبارها المخلص من الوضع الاقتصادي الذي أوجده النظام البائد في السودان الذي أتى على أخضر البلد ويابسه، بسبب سياسات حمقاء ورعناء جرت على البلاد حروباً طاحنة وحصاراً اقتصادياً وجوعاً وعزلة عن العالم، وأقل ما يمكن أن يقال في أهل هذا الرأي إنهم يتبعون لرأي عام أوجدته نخبة ممن يسمون قوى الحرية والتغيير، الذين غنموا على حين غرة ما لم يحلموا به وفتح الباب لهم كي يتسلموا مناصب لم يمنوا أنفسهم بها في ظل النظام السابق، ومكنهم من مفاصل الدولة، إضافة إلى الذين كانت بينهم وبين رأس النظام السابق أو أركان حكمه أو حزبه ثارات، استطاعوا تصفيتها عن طريق طرح البديل العلماني الصريح الذي كانوا يتبنونه على استحياء في الماضى القريب باعتباره طريق النهوض مما جر إلى حكم من يسمونهم "الإسلاميين" الذين رفعوا شعارات العداء للغرب والشرق.


لا شك أن ثمة ضريبة كبيرة دفعتها الأمة الإسلامية عامة، جراء عدم وعيها على الممارسات السياسية التي يقودها الوسط السياسي المتحجر والذي جُبل على إرضاء الكفار والسير في ركابهم، وهم يعتقدون جازمين أن لا وجود لهم إن لم يفعلوا ذلك! وما زالت الأمة تدفع وستدفع بدعوى النهضة المزعومة واللحاق بركب الحضارة والتطور بغض النظر عن حقيقة هذا التطور، والأصل أن إخفاقها في تحقيق أي إنجاز ذي شأن في أي من تلك المجالات على مدى عقود، أمر كافٍ لرفع وعي الأمة وانصرافها عن تأييد الحكومات القائمة التي لا تغير في طريقتها شيئا، لكنها تستطيع فقط التلون وخداع الناس حتى تجرهم جرا لتأييد برامجه المطروحة دون تفكير في مدى صلاحيتها أو صوابها أو خطئها!


والسؤال الملح هو كيف يكون المخلص للسودان من عمل في مؤسسات الربا الدولية، وهي معروف عنها القرصنة الاقتصادية والعمل الأصلي لها هو إفقار الدول؟! كيف لا يعي الناس على هذه الأمور وهي واضحة كما الشمس؟! وكيف تطرح مبادرات تدعم بالدولارات بدلا عن دعم وعي الأمة للتخلص من هذا التخبط؟!


قد يكون ما يحدث في السودان حدث ما هو أكبر منه في دول أخرى، وأغلب الناس يمشون مكبين على وجوههم، والحقائق ظاهرة صريحة لكنهم يغضون الطرف عنها! ففي العراق وأفغانستان مثلا أيد الناس الاحتلال الأجنبي وإلى الآن يوجد عدد منظور من ذوي الرأي سواء أكانوا صحفيين أو نخبة مثقفة تنظر إلى ما جرى بوصفه تحريراً تُشكر الولايات المتحدة عليه، بعد أن جاءت بنحو نصف مليون مقاتل إلى العراق بالتحديد وأسقطت نظام البعث الدكتاتوري، ولكن بعد مضى فترة بعد أن ذاق العراقيون ثمرة "التحرير" أصبح تأييدهم نقمة ولعنة وسبة الدهر...


ميّز الله تعالى الإنسان بالعقل، وجعل عنده القدرة على التفكير. فكان العقل في الإسلام مناط التكليف الشرعي، بوجوده يكون الإنسان مكلّفاً، وبفقدانه يسقط عنه التكليف. وقد ورد في القرآن الكريم أن الإنسان أفضل مخلوقات الله تعالى على الإطلاق، وكان فضله في عقله. لذلك يجب أن يكون التفكير أساس حياة هذا الإنسان بأن يكون مفكراً عاقلاً. والإنسان ينهض بما لديه من فكر عن الوجود. فإذا كان هذا الفكر عن الوجود مستنيراً كان مؤثراً وأصبحت الحياة رهناً له. وإذا علمنا أن الإنسان يسير في حياته وفقاً لما لديه من مفاهيم عن الأشياء، لأدركنا كيف ينهض الإنسان بعقله. فمثل ذلك الفكر عن الوجود هو الذي يوجد المفاهيم عن الأشياء في الحياة، وهذه المفاهيم تحدد السلوك الإنساني.


فإن كانت مفاهيم الناس غرائزية لإشباع الغرائز والحاجات العضوية أصبحوا تنطلي عليهم الحيل السياسية الخادعة ويؤيدون أيا كان رأسماليا أو علمانيا أو ليبراليا أو لا دينيا ما دام سيوفر لهم النهضة المادية المرجوة ويحدث في البلد نهضة تلحقهم بركب العالم! هذا حال من يتصور الحياة الأولى والأخيرة وأنه موجود في الحياة فقط للعيش من أجل العيش. فإذا كانت هذه الحياة هي الأولى والأخيرة، فلا محل للقيم والمبادئ ولو ظهر على هذه السياسة العوار لبحث هذا الشخص عن شجرة توت واقتلعها بأشواكها ليغطي هذا العوار ولو سببت له الأذى الجسيم وربما قادت لنهاية حياته! على عكس من ينظر إلى الوجود على أنه مخلوق لله تعالى، وأنه محطة اختبار للوصول إلى الحياة الآخرة ليُكوِّن مفاهيمه في الحياة على هذا الأساس. فمثل هذا الإنسان يفهم الاقتصاد أحكاماً شرعية منزلة من عند رب العالمين وليس براغماتية، إلى غير ذلك من المفاهيم عن الأشياء. ومثل هذه المفاهيم تحدد سلوك الإنسان، تجاه السياسة بالاقتصادية المثلى وتجاه الحكم الممارس نفسه، وتجاه كل شيء، ويصبح ناهضاً وراقياً لأنه عمل العمل بناء على إدراك صلته بالله.


وأما اليوم فقد انحطت أمتنا الإسلامية، وانخفض معها سلوكنا، وانحطت عقولنا، حتى صرنا نرى، في وضح النهار، الحق باطلاً والباطل هو الحق! لقد بلغ بنا الانحطاط درجة صرنا نرى معها أن استعمار دول الغرب لنا وتحكّمه في أراضينا يمتص دماءنا ويسلب خيراتنا، ويذيقنا ألوان الهوان والذلّ طعناً وتفريقاً، صرنا نرى فيه غاية المنى. وكيف لا، ونحن نتمنى أن نكون في حمى الغرب المتقدم، وأن ندور معه حيث دار ولو تسلط علينا وأعمل فينا حكم الكفر الرأسمالي المتأزم. ثم تجدنا نسعى إلى دول الشرق والغرب مستجْدين طالبين منهم أن يحلّوا لنا مشاكلنا التي صنعوها بأيديهم مكراً بنا وإذلالاً لعزتنا، فصرنا نرى أن الاستعمار يقربنا من الغرب، وصرنا نرى في الغرب قبلة أنظارنا ومدار تفكيرنا ومحل احترامنا وتقديرنا، حتى صرنا نتمنى أن تأتي قوى الغرب لحمايتنا وحل مشاكلنا، مع علمنا بأن الغرب هو الذي صنع لنا هذه المشاكل ليتمكن من العودة إلى بلادنا حينما يرى فينا بشائر نهضة أو معالم صحوة، ومع سماعنا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]


وتتعدد أسباب عدم الوعي كما تتنوع، إلا أن خللا أساسيا ملموسا يسبق كافة ما يمكن حصره من أسباب يتمثل بغياب الطريقة السليمة في التفكير، تلك العملية المجردة التي تحاكم الأشياء وتتعامل معها كما هي، لا كما تشتهيه النفس وترغب... هذا غيض قليل نطل من خلاله على تلك العقلية السائدة التي تعتمد الهشاشة في التفكير، وتحاكم الأحداث بشكل سطحي، جراء أزمات متراكمة ومصادفات متوقعة وآمال عريضة مكذوبة، بدل بنائها أفعالها على أسس وقواعد سليمة في الفهم والتحليل لتحقيق أهدافها، فضلا عن تأصيل التفكير السطحي والنفعي الآني. من جهة أخرى فإن هذا الواقع المقزز، مع تعطل آلية سليمة في التفكير بالانعتاق منه، يستفز بدوره فئات أخرى للقيام بأعمال غير مبررة، ارتجالا وردة فعل وتمردا على واقع مفجع ثائرين عليه متوقعين أن أفعالهم تلك ستكون بمثابة صاعق متفجر يؤدي إلى تغيرات في حركة التاريخ، أو أنها ستتسبب بفتح أبواب السماء لتهبط المعجزات تباعا، معولين على أفهام مجملة متجاهلين قوانين الله في الطبيعة وكأنها بحكم الملغاة من حساباتهم!


وخلاصة المقصود هنا يكمن في ضرورة ربط أسباب التغيير بمسبباته الحقيقية، وأن السعي للتحرير والنهضة والارتقاء يجب أن يأخذ مجراه وفق قوانين الطبيعة وسنن الحياة، أي ضمن المقاييس المادية التي فرضها الخالق سبحانه على المادة لتُفهم وتحلل ويبنى عليها. وإن الإسلام جاء ليعزز التفكير الجاد الآخذ بأسباب الحياة محذرا من التعامي عنها وعن حقائقها. وهو ما أدى بالمسلمين الأوائل إلى اكتساح العالم ورسم سياساته ردحا طويلا من الزمان، وهو ما لم يكن ليتحقق بالدجل والترهات أو بالارتجال وردات الأفعال، بل بالأخذ بأسباب الحياة وعقل الأشياء على النحو الذي خلقها الله عليه، ليستحق هؤلاء نصر الله وتأييده بعد أن عضدت القوة المادية قوة روحية هائلة أنجزت تلك المهام العظام، حيث كانت مفاهيم العقيدة عامل قوة لا عامل ضعف، وعامل شحذ للهمم لا عاملا للتقاعس والخمول والركون إلى الواقع والغرق فيه.

 


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذة غادة عبد الجبار – أم أواب

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع