الخميس، 26 جمادى الثانية 1441هـ| 2020/02/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مؤتمر وستفاليا ونشأة القانون الدولي وتطوره

وطريقة فهم النصوص والمجريات السياسية

 

تختلف قراءة النصوص السياسية عن غيرها من النصوص الأخرى بطابع المراوغة والمناورة وإخفاء المضامين والأهداف الحقيقية للسياسات المتبعة والمنتهجة من الدول. وكلما كانت الدول رأسمالية استعمارية زادت زركشة المضامين الحقيقية وإخفاء الحيل وتغليفها من أجل إخفاء النوايا الخبيثة وراء أعمال وسياسات هذه الدول. ولذا فعلى القارئ للنصوص السياسية أن يكون على قدر من الاطلاع على المفاهيم السياسية لأنه بدون ذلك ستختلط الأفهام وتدق المعاني وسينتج عن ذلك الكوارث والمصائب المحدقة والأكيدة والنهايات غير محمودة العواقب، وما حال المسلمين اليوم إلا دليل صارخ ناطق بصحة ذلك.

 

ومن هنا جاءت أهمية الأفكار والمفاهيم السياسية لأنها هي التي تمكن الإنسان من فهم الحياة بصدق، وفهم الدول وأنواعها وسياساتها ودوافعها، بناء على مبدأ هذه الدول إذا كانت تمتلك مبدأ، أو فهم سياساتها عن طريق الخطط والأساليب التي تتبعها إن لم تكن تملك مبدأ معينا. كما أن مراقبة الدول الفاعلة والمتصارعة فيما بينها على مركز الدولة الأولى في العالم يمكّن السياسي من فهم الموقف الدولي، لأن الموقف الدولي مهم لفهم السياسات العالمية وحتى الإقليمية والمحلية بالنسبة للقضايا السياسية في العالم. وعدم فهم الموقف الدولي سيؤدي لخلل في الأفهام وبالتالي خلل في فهم النصوص السياسية واضطراب في قراءة الوقائع والأحداث السياسية كذلك. ومن هنا جاءت أهمية العناية بدراسة المفاهيم السياسية وخصوصا من الأمم والشعوب المغلوبة على أمرها. لأن هذه المفاهيم من شأنها أن تغير حال الناس للأفضل لأنها هي التي ترفع مستوى الوعي لدى الأمم والشعوب وتجعلها تتغلب على الجهل وبالتالي على المخاوف التي تربطها وتحجمها وتحدّ من تقدمها وتطورها.

 

ويبقى أمر أصيل غاية في الأهمية في موضوع ثبات الأفهام السياسية وترسخها وصقلها وسبكها في معدن متجانس يلمع كالذهب، وهي الزاوية التي ينظر السياسي منها للأحداث. وعادة ما تكون عقيدة ما يعتنقها السياسي فتشكل له قاعدة وتصورا واضحا عن الحياة والإنسان والكون بشكل عام، وتنبثق منها المفاهيم السياسية وغيرها لتنظيم شؤونه ليسير بطريق واع ومتبصر، ويستطيع تلمس الواقع بدقة وعناية ويستطيع نتيجة فهم النصوص السياسية قراءة الأحداث والوقائع بوضوح فيدرك المغزى منها والمضامين في طياتها ويقرأ ما بين السطور ويحاول كشف الخطط والأساليب والأهداف المبطنة لما يقوله أو يفعله السياسيون والدول الفاعلة في العالم اليوم. والمسلم زاويته وعقيدته وركنه الحصين هو الإسلام، والإسلام قد هدمت دولته، وأما الدول الفاعلة اليوم فهي دول تعتنق الرأسمالية وطريقها استعمار واستعباد الشعوب، فهي ليست بدول خيّرة ولا يوجد هكذا دول في عالمنا اليوم - وخصوصا في ظل غياب دول الإسلام - وإنما هي دول مصالح ومنافع وأهداف ونزعات استعمارية بسبب انتشار المبدأ الرأسمالي عالميا وهيمنته على سياسات الدول الفاعلة التي تشكل الموقف الدولي اليوم. ولذا تبدأ أركان الفهم السياسي الأصيل اليوم بفهم هذه الحقيقة أولا بأن الإسلام هو زاوية الفهم الصحيح للأمور عند السياسي المسلم وأن العقيدة الرأسمالية - فصل الدين عن الدولة - هي الأساس الذي يقف وراء تصرفات وأفعال وسياسات الدول الاستعمارية الفاعلة في العالم اليوم.

 

وعند إدراك هذه الحقيقة يفهم المسلم اليوم أنه لا توجد قوانين لإرساء عدالة، ولا توجد منظمات تسير وتعمل من أجل مصلحة البشرية. بل إن القوانين العالمية مهما تنوعت ومهما تجملت فإن المنظمات الدولية المختلفة وعلى رأسها هيئة الأمم ومجلس الأمن والثالوث (منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي) قد وضعت وأسست على أيدي الدول الرأسمالية الكبرى لحماية مصالحها الاستعمارية في العالم. لأنه وببساطة وضعت هذه القوانين من هذه الدول الاستعمارية وبناء على مبدئها النفعي المصلحي الذي لا ينظر بعين الرحمة والشفقة والرعاية للشعوب والدول الضعيفة والفقيرة والمنكوبة وأنما تأخذ فقط بعين الاعتبار مصالح الدول الكبرى وهي موجودة لترسيخ سيطرة الدول الكبرى على العالم كسيطرة الأسياد على العبيد.

 

إن الأصل في القانون الدولي المعمول به - في هيئة الأمم ومجلس أمنها وأذرعها الاستعمارية الثلاث - أنه تطور للاتفاقيات التي نشأت عن موتمر وستفاليا عام 1648م بعد حرب الثلاثين عاما في أوروبا بين دولها، تلك الحروب التي كادت أن تفني أوروبا وتبيدها، علاوة على الفقر والجهل وفترة العصور الوسطى التي كانت تحياها الشعوب في أوروبا. وبعد هذه الحروب وفي هذا المؤتمر وستفاليا وضعت اتفاقيات أو قوانين عامة للحد من طمع الملوك والأمراء وعبّدت الطريق لبعض الحريات الدينية والحدود الوطنية للدول في أوروبا واتفق مبدئياً على محاولة الحيلولة دون اندلاع الحروب من جديد بين الدول والشعوب الأوروبية والممالك والإمارات. وعبدت الطريق بعد هذا المؤتمر بقرابة مئة عام للثورة الفرنسية والفكرية والصناعية في أوروبا. وبدأ التطبيق العملي وبلورة هذا القانون الدولي المتمثل بمؤتمرات الدول الكبرى وفكرة إعادة التوازن بين القوى الكبرى في أوروبا بعد الحروب النابليونية وبعد هزيمة نابليون في معركة ووترلوا بعد سبعة تحالفات من دول أوروبا لإعادة التوازن في القارة. وبعد ذلك تطور القانون الدولي في قانون العائلة أو الأسرة النصرانية للوقوف في وجه دولة الخلافة ونقل الصراع معها لهدمها فتجمعت هذه الدول وحدّت من الحروب فيما بينها ووجهت الحروب والصراعات مع دولة الإسلام العثمانية آنذاك.

 

وبعد نجاحهم في هدم دولة الخلافة العثمانية وتقطيعهم للبلاد الإسلامية لدول وخرق هزيلة متفرقة، ومن أجل ترسيخ وتثبيت استعمارهم للبلاد الإسلامية في آسيا وأفريقيا طوروا قوانينهم على شكل هيئة ومنظمة دولية ذات قوانين مفصلة ودقيقة؛ أولا سموها عصبة الأمم التي فشلت وذهبت مع قيام الحرب العالمية الثانية ولكن تبلورت بشكل جديد ومتين بعد هذه الحرب في شكل هيئة الأمم المتحدة، وبذلك يكون القانون الدولي قد طور على شكل أن تصبح الدول الكبرى شرطي العالم وصاحب الحق بالتدخل في شؤون الدول والعالم متى وكيف شاءت.

 

وبهذا كان القانون الدولي منذ نشأته (بعد مؤتمر وستفاليا 1648) وحتى آخر شكل فيه هيئة الأمم المتحدة: ما هو إلا قانون لخدمة مصالح الدول الاستعمارية الكبرى ولترسيخ مصالحها في العالم وليس لحفظ الأمن والأمان لدول العالم، ولا لمساعدة الدول كما يدعون، ولا لإحقاق الحق ودفع المظالم كما يروجون، ولا للحيلولة دون الأزمات الاقتصادية كما يدعون زورا وبهتانا. وتكفي نظرة دقيقة لنشأة وتطور القانون الدولي ليعلم المسلمون والدول الفقيرة في العالم أن هذا القانون الدولي هو أس البلاء وأداة الدول الكبرى لنهب ثروات الشعوب في العالم. وتكفي نظرة بسيطة لحال الدول الفقيرة في العالم وحالة الاقتصاد العالمي والأمن والسلام في العالم لرؤية النتائج المدمرة لهذا القانون الدولي.

 

ولذا فمن الصفاقة والسذاجة والجهل الانخداع بالأهداف المعلنة لهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها وقوانينها، فما هي إلا قوانين الذئب التي ارتضاها بنفسه للقطيع وللفريسة!

 

وخير مثال على هذا القانون هي أقدس وأقدم قضية للمسلمين بعد هدم دولة الخلافة العثمانية: قضية فلسطين.

 

فالذي احتل فلسطين هم الإنجليز، والذي أعطى يهود حقا فيها هم الإنجليز، والذي كان قائد الجيوش العربية التي خسرت سنة 1948 هو الإنجليزي كلوب باشا، والذي أسس جيش يهود الذي هزم الجيوش السبعة هو إنجلترا وهي نفسها التي أسست قوانين هيئة الأمم المتحدة مع فرنسا، تلك القوانين التي تبنتها من بعدُ أمريكا وشاركت في صياغتها وبلورتها وتطويرها. وها نحن إلى الآن نرى كيف يحمي القانون الدولي ومؤسساته كيان يهود بكل ما أوتي من دعم وقوة وتشريعات ومؤتمرات هوان (سلام!) كلها بواسطة القانون الدولي وعلى يد الدول الكبرى.

 

وإذا دققنا قليلا في المثال، قضية فلسطين منذ نشأتها 1917م وحتى الآن، نجد أنه لم يوجد أي مشروع لحلها إلا أحد حلين اثنين: الأول: المشروع الإنجليزي: مشروع الدولة الواحدة العلمانية على غرار لبنان (الذي توقف العمل به بعد ضعف بريطانيا عالميا). والمشروع الآخر هو المشروع الأمريكي لقضية فلسطين (مشروع الدولتين) المتبنى عالميا الآن.

 

والسؤال: من أعطى الحق لبريطانيا أن تضع مشروعا لفلسطين؟ ومن أعطى الحق لأمريكا أن تضع مشروعا لفلسطين تفرضه على العرب والمسلمين؟ الجواب الوحيد هو القانون الدولي (قانون الدول الاستعمارية الكبرى وعلى رأسها أمريكا اليوم).

 

أسئلة أخرى في القضية نفسها: منذ بدء قضية فلسطين، هل هناك مشروع معمول به يدعى بالمشروع الفلسطيني لقضية فلسطين، أو المشروع المصري، أو السوري، أو العربي، أو الإسلامي لقضية فلسطين؟ الجواب لا. لماذا؟ لأنه لا يوجد في قوانين الأمم المتحدة شيء من كل هذا، بل المشروع المعمول به عالميا الآن فقط هو المشروع الأمريكي لقضية فلسطين المسمى بحل الدولتين. وقس على ذلك باقي قضايا العالم والنزاعات يحكمها القانون الدولي الذي تقف وراءه وتصوغه وتطوره الدول الكبرى الرأسمالية المستعمرة.

 

هذا هو القانون الدولي نشأة وتطوراً وتبلوراً في حلته الأخيرة في شكل هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها وثالوثها السام القاتل. وهو بذلك شرطي العالم وبوليس يحكم ويرسم في الشعوب ومصائرها. يختلق المشكلة ويحلها وفق قانون الذئب للنعاج! إن هذا الفهم لواقع القانون الدولي وكيفية النظرة إليه من زاوية معينة يجعل المسلم يقرأ النصوص السياسية والخطابات الرنانة المزركشة وإفادات سياسيي الدول الكبرى ورجالاتهم في المنطقة من حكام وسياسيين ومفكرين وحتى مشايخهم الذين يعملون معهم، بشيء من الريبة بل بكل الريبة والحذر آخذاً بعين الاعتبار أسس الفهم السياسي المذكورة آنفا، وإلا صار المسلم إمعة ومطيّة يمتطيها المستعمرون ورجالاتهم، وهذا منكر عظيم لأن المؤمن كيس فطن. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.

ولذا فإن كل دولة من الدول القائمة في البلاد الإسلامية تحتكم للقانون الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها هي جزء من معاناة الشعوب الإسلامية. فكل هذه الدول تدار بحبل موثوق هو القانون الدولي الذي يربط مصائر شعوب المنطقة بيد الدول الاستعمارية الكبرى التي تحرك بلداننا وحكامنا ترشيحاً وتنصيباً وخلعا وتغييرا. ولذا كانت أول نقطة مهمة لثورات الشعوب المسلمة هي قطع هذه الحبال مع الدول الكبرى عن طريق إزالة الأنظمة برمتها وتأسيس نظام جديد لا يكون أساسه القانون الدولي (قانون الذئاب) بل قانوناً مبنياً في أصله وفروعه على الإسلام، وبهذا يصبح الاستقلال في الهوية والقرار السياسي والتطور والرقي، وبذلك فقط يُقضى بحق على الفساد والتخلف ونمضي برقي في طريق النهضة والفلاح والعز في الدارين الدنيا والآخرة.

 

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور فرج ممدوح

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع