السبت، 25 ذو الحجة 1441هـ| 2020/08/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • 1 تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سربرينيتشا الجرح الحيّ

 

الواقع السياسي والمآسي

 

 

تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الـ25 لمذبحة سربرينيتشا التي وصفت بأنّها أسوأ المذابح الجماعية ضد المسلمين في التاريخ الحديث؛ ففي عام 1995م، وتحديداً خلال الفترة ما بين الحادي عشر إلى الثاني والعشرين من تموز/يوليو، قامت القوات الصربية بأوامر مباشرة من أعضاء هيئة الأركان الرئيسية للجيش الصربي بالقيام بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين البوسنيين في سربرينيتشا، مأساة بأتمّ معنى الكلمة رُسمت ملامحها بدماء غزيرة وبآهات وأرواح المسلمات المغتصبات، مأساة رُسمت برائحة الموت والمقابر الجماعية ورفات المفقودين؛ مأساة لا تزال جرحا حيّا نازفا إلى يومنا هذا، فمتى يضمّد هذا الجرح؟!!

 

بدأت الحرب البوسنية الصربية عام 1992م، بعد أن قامت القوات الصربية بمحاولة السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي في شرق البوسنة والهرسك، بهدف ضمها إلى جمهوريتهم إذ لم يعترف الصرب بالاستقلال الذي أعلنته جمهورية البوسنة والهرسك عن يوغوسلافيا بعد الاستفتاء الذي أجري في شباط/فبراير من عام 1992م، وظلت لديهم مطامع في السيطرة عليها.

 

لم يرض مسلمو البوسنة "البوشناق"، ضمّ إقليمهم إلى الصرب، فكانت النتيجة بدء المناوشات بينهم وبين الصربيين الذين كانوا يرونهم كعائق يجب إزالته من أجل استعادة الاتحاد اليوغوسلافي مهما كلفهم الثمن.

 

بعد معارك بين الطرفين؛ تدخلت الأمم المتحدة وأعلنت في نيسان/أبريل سنة 1993م أن سربرينيتشا منطقة آمنة تحت حمايتها؛ ثمّ أرسلت الأمم المتحدة عناصر من القوات الهولندية بلغ عددهم حوالي 400 عنصر وفي مقابل ذلك فرضت على المجاهدين البوسنيين الذين كانوا يحمون المدينة من المدّ الصربي نزع السلاح وتسليمه.

 

وعلى إثر ذلك وقعت المذبحة إذ لم تكن الإجراءات التي اتخذتها الأمم المتحدة سوى حيلة من أجل تأمين المدينة وتمهيد الطريق للقوات الصربية لشن حملتها التطهيرية على مسلمي البوسنة الذين لم يكن لديهم حينها دولة قوية تحمي بيضة الإسلام والمسلمين وتردّ أطماع المعتدين في وقت تكالب فيه العالم بقيادة أمريكا عليهم.

 

 لقد حدثت المجزرة على مرأى ومسمع من الفرقة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية وقتها؛ لكنها لم تحرك ساكنا ولم تقم بأي شيء لإنقاذ المدنيين ممّا يدل على تواطئها، فقد زحفت القوات الصربية واحتلت البلدة ذات الأغلبية المسلمة، فقامت بعزل الذكور بين 14 و50 عاماً عن النساء والشيوخ والأطفال، ثم تمت تصفيتهم ودفنهم في مقابر جماعية، كما تمت عمليات اغتصاب ممنهجة ضد النساء المسلمات، وإلى يومنا هذا لم يحاسب المجرمون!!

 

راح ضحية المجزرة حوالي 8 آلاف شخص من المسلمين البوشناق أغلبهم من الرجال والصبيان ونزح عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين من المنطقة. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة حينها هذه المجزرة بـ"أنها أسوأ جريمة على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية".

 

لقد فرض الصرب أيضا حصارا على المدينة بُغية القضاء على البقيّة الباقية من سكانها بالمجاعة حتى باتت كالسجن الكبير. ورغم محاولة الكثيرين الهروب إلى مدينة توزلا في شمال شرق البوسنة، إلا أنّ ذلك لم يكن ممكنا بسبب الكمائن والألغام التي وضعها الأوغاد على الطرق الجبلية وفي الغابات المحيطة بالمدينة؛ فتمّ قنص 12 ألف بوسني ممن حاولوا الفرار وكأنهم صيد يتم مطاردته، ولم يتمكن إلا 3 آلاف فقط من الوصول إلى مدينة توزلا، بينما قُتِلَ الباقون في غضون 10 أيام في الطريق الطويل المؤدي إلى توزلا.

 

تعتبر مجزرة سربرينيتشا جزءاً من الحرب في البوسنة والهرسك والتي استمرت لمدة ثلاث سنوات ونصف؛ والتي قُتِلَ فيها حوالي 312 ألف شخص، فيما اضطر 2 مليون شخص لمغادرة منازلهم، بينما اعتبر أكثر من 27 ألف شخص في عداد المفقودين حسب السجلات الرسمية، أما عمليات البحث عن المقابر الجماعية، فقد أسفرت بعد 17 عاما عن الوصول إلى حوالي 20 ألف جثة، تم تحديد هوية 18 ألفاً منهم، على الرغم من صعوبة تحديد الهويات، لأن معظمهم تم حرقه قبل إلقائه في المقابر الجماعية.

 

ورغم معاهدة دايتون للسلام التي أبرمت عقب الحرب لا تزال جراح حرب البوسنة والهرسك تُنكأ إلى يومنا هذا، ولا يزال الألم يعتصر قلوب الكثيرين مع كل اكتشاف جديد لمقابر جماعية غير معروفة، فعدد الشهداء حتى الآن ما زال في تزايد ولا زالت بعض العائلات تُطَالب بالتعرف على رفات وبقايا الجثث المكتشفة حديثا.

 

إنّ ما عاشه البوسنيون في الحقيقة فظيع بأتمّ معنى الكلمة، بل لعلّ الكلمات لا تحيط بالواقع خُبراً؛ فشهادات من عاش مذبحة سربرينيتشا والأدلة التي جمّعها جان رونيه مبعوث محكمة جرائم الحرب الدولية للمنطقة تعكس مأساة يشيب منها الولدان، فلم يخل بيت في المدينة من فقدان الأب والإخوة والأبناء والأقارب، وكما وصفت إحدى المعاصرات فقد تلونّت مياه الوادي بدماء الشهداء وتناثرت الجثث في كل الأرجاء وعايش الناس جرائم واعتداءات تقشعر منها الأبدان، ناهيك عن الاغتصابات والاعتقالات والتصفيات... فقد تفنّن الصرب في تعذيب الثكالى والأرامل واليتامى بكل الأساليب حتى إنّهم أجبروا أمّاً على شرب دماء ابنها ذي الاثني عشر ربيعا بعد أن ذبحوه أمامها، وكانوا يخيّرون الصبايا بين لقمة تنقذهنّ من الموت جوعا وبين هتك شرفهنّ...

 

والمرير اليوم أن مجرمي تلك الحرب لا زالوا أحرارا طلقاء كأنهم لم يفعلوا شيئا، بينما تواصل الثكالى حياتهنّ على أمل معرفة مصير الزوج والأبناء والأقرباء، فيضطررن في كل مرة لمعاينة الرفات والعظام التي عثر عليها حديثا لتتجدد الآلام والأحزان في صدورهنّ.

 

إنّ المأساة لتدّل حقا على غياب العدالة عن عالم اليوم الذي تحكمه أمريكا ومدى الانحطاط الذي يحمله المبدأ الاستعماري في أحشائه، وكم تحتاج الإنسانية إلى تغير موازين القوى لتنعم بالطمأنينة والعدل فتردّ الحقوق ويحاسب المجرمون. فاللهمّ عجل بقيام دولة الإسلام التي ستحمي وترعى بيضة المسلمين والتي ستقيم العدل بالقسط وتقود العالم إلى بر الأمان. اللّهمّ آمين، اللّهمّ آمين، اللّهمّ آمين.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هاجر اليعقوبي

 

 

وسائط

1 تعليق

  • Mauna belhaj
    Mauna belhaj الإثنين، 13 تموز/يوليو 2020م 19:26 تعليق

    فاللهمّ عجل بقيام دولة الإسلام التي ستحمي وترعى بيضة المسلمين والتي ستقيم العدل بالقسط وتقود العالم إلى بر الأمان. اللّهمّ آمين، اللّهمّ آمين، اللّهمّ آمين.

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع