تفسير القرآن الكريم
- نشر في من القرآن الكريم
- قيم الموضوع
- قراءة: 846 مرات
عن يزيد بن الأخنس وكانت له صحبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تنافس بينكم إلا في اثنتين رجل أعطاه الله قرآنا فهو يقوم به آناء الليل والنهار ويبع ما فيه فيقول رجل لو أن الله أعطاني ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق منه ويتصدق فيقول رجل مثل ذلكرواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات مشهورون
وعن فضالة بن عبيد وتميم الداري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطار والقنطار خير من الدنيا وما فيها فإذا كان يوم القيامة يقول ربك عز وجل اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينتهي إلى آخر آية معه يقول الله عز وجل للعبد اقبض فيقول العبد بيده يا رب أنت أعلم يقول بهذه الخلد وبهذه النعيم
رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد حسن وفيه إسماعيل بن عياش عن الشاميين وروايته عنهم مقبولة عند الأكثرين
صحيح الترغيب والترهيب للالباني
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين : (إلا تنصروه فقد نصره الله, إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن أن الله معنا, فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها, وجعل كلمة الذين كفروا السفلى, وكلمة الله هي العليا, والله عزيز حكيم ). ( التوبة 40).
لقد كانت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين منعطفاً تاريخياً حاسماً بل كانت حادثة مهمة غيرت مجرى التاريخ, مما جعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يحدد بداية لتاريخ الدولة الإسلامية يؤرخ بتاريخ الهجرة النبوية لما لها من أهمية, ولما فيها من الدروس والعبر التي يجدر بالمسلمين أن يعوها ويفهموها ويجعلوها في موضع التطبيق من حياتهم ليسعدوا بها ويفوزوا برضا الله تبارك وتعالى. وفي هذه الحلقة ستعرض على أسماعكم بعضاً منها, ونكمل الحديث عنها في الحلقة القادمة أن شاء الله تعالى.
بادئ ذي بدء, وفي مقدمة حديثنا عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم نقول وبالله التوفيق: إنه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا إلا في عيدين اثنين هما: عيد الأضحى, وعيد الفطر, فقد نهانا الحبيب صاحب هذه الذكرى عن اتباع اليهود والنصارى, وتقليدهم في أعيادهم.
إذًا ما هي الدروس والعبر المستفادة من حادثة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أهي خطب مملولة تلقى على المنابر؟ أهي مراسم واحتفالات وأعياد؟ أتحولت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عيد؟ أيرضى الحبيب المصطفى منا ذلك؟
حديثنا عن الهجرة ليس تأريخا لهذا الحدث العظيم في تاريخ الدعوة الإسلامية, وليس سرداً لأحداث قصة الهجرة النبوية, نسوقها لأجل التسلية واللهو والترفيه عن النفس. حديثنا عن الهجرة إنما هو تذكير بما يستفاد منها من دروس وعبر, فالإسلام بعيد كل البعد عن أن يكون مجرد مراسم واحتفالات في أيام محددة.
الإسلام إيمان وعمل, والرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة, وهجرته طور من أطوار الدعوة ومرحلة من مراحل التبليغ , وهي فوق ذلك أمر من الله تعالى, فقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذاً لأمر الله جل في علاه, ولم يهاجر صلى الله عليه وسلم خوفاً من أذى قريش كما يقال أو فراراً بدينه كما تعلمنا في المناهج المدرسية, فالله سبحانه وتعالى قد عصمه من الناس , قال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك, وإن لم تفعل فما بلغت رسالته, والله يعصمك من الناس, إن الله لا يهدي القوم الكافرين). (المائدة 67) هذا بالإضافة إلى أنه لا يجوز في حق الأنبياء والمرسلين، ونبينا صلى الله عليه وسلم واحد منهم أن يخافوا في الله لومة لائم. قال الله تعالى: (إني لا يخاف لدي المرسلون). ( النمل10)
فقد كان عليه الصلاة والسلام أعزل من كل شيء إلاَّ من الإيمان بالله تعالى، نزلت عليه آيات الله فكان نبياً, وأمر بتبليغها فصار رسولاً، بلغ الناس كل الناس , وأول ما بدأ بقريش , أهله وعشيرته تنفيذاً لأمر الله القائل: ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ). ( الشعراء 216)
ومن استجاب منهم ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كتلته وصحابته حتى يكتمل بناؤه ويقوى إيمانه, ويعده لطور جديد, ومرحلة أخرى من مراحل الدعوة.
فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يبلغ سراً, بل كان يصدع بأمر الله تعالى جهاراً نهاراً لا يخشى من ا لبشر أحداً. قال الله تعالى: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المسهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون). ( الحجر96 )
حتى قيل عنه: إن ابن أبي طالب يتنبأ, يزعم أنه يأتيه الأمر من السماء. وعندما أحس الرسول صلى الله عليه وسلم بسلامة بناء من اتبعه, وبقدرتهم على هدم العقائد الزائفة والآراء الفاسدة, وثبات العقيدة في قلوبهم, جاءه أمر ربه بأن اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. الأمر لكتلته بأن يخرج بها من طور السرية إلى طور العلن. وخرج بهم صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم بن أبي الأرقم في صفين اثنين:
الصف الأول على رأسه حمزة بن عبد المطلب. رضي الله عنه.
الصف الثاني على رأسه عمر بن الخطاب. رضي الله عنه.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وصدم المجتمع. وكانوا أقوياء في الله وبالله!لم يهنوا ولم يحزنوا! تحملوا التجويع والتقتيل والتشريد والدعاية الداخلية والخارجية والحصار النفسي! تحملوا كل ذلك, وتحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم كي يرضوا الله ربهم!
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرب قبائل العرب, ويعرض عليهم الأمر بأن يحتضنوا دعوته, ويحموا دينه ليقيم صرح دولته! جرب مكة ولكنها صدته وآذته. وجرب قبيلة عامر بن صعصعة, وجرب قبائل نجد وبعض قبائل اليمن, وعرض الأمر على قبائل الحجاز ولكنهم ردوه جميعا! فذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعرض أمره فلاقى بها أسوأ ما لاقى, ضربوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين, وخرج منها كسيفاً حزينا مهموما, لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة الطريق, ولم يَفتَّ في عضده, ولم يُضعف صلابة إيمانه, واسمعوا قوله وهو يناجي ربه بعد خروجه من الطائف:
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي, وهواني على الناس, يا أرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتحهمني أم إلى عدو ملكته أمري, إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, من أن تنزل بي غضبك, أو يحل علي سخطك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك)!
ورجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة في جوار سيد من ساداتها, وهو مطعم بن عدي, وعرض في موسم الحج أمره على أهل المدينة فآمن منهم اثنا عشر نقيبا وامرأة , فبعث رسول الله معهم مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلمهم ويعلم من يدخل في الإسلام الإسلام, فعاد مصعب في العام القابل وقال لحبيبه: يا رسول الله, لم يبق بيت في المدينة إلا وفيه ذكر للإسلام, وهاهم نقباء المدينة جاءوا يبايعونك!
وهنا نتساءل: على أي شيء جاءوا ليبايعوا؟ أجاءوا مبايعين بالنبوة أم بالرسالة؟ وهما لا بيعة فيهما من أحد لأنهما تكليف من الله تبارك وتعالى, أم جاءوا يبايعونه على الحكم والسلطان؟ أن هاجر إلينا يا رسول الله, وحكم شريعتك في علاقاتنا, ونحن نحميك كما نحمي أبناءنا ونساءنا!
والمتصفح لنص بيعة العقبة الثانية يرى هذا واضحاً كل الوضوح, إذ قالوا له: يا رسول الله: ابسط يدك نبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره, نمنعك ما دمت فينا مما نمنع منه نساءنا وأطفالنا, فقام فتى منهم قائلاً: على رسلكم أتدرون علام تبايعون؟
إنكم والله تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس, فإن كنتم تاركيه إن نهبت الأموال, ونهكت الأعراض, وقتلت الأشراف فدعوه من الآن, فإنه والله خزي الدنيا والآخرة! وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك! فقالوا: أفرغت؟ قال: نعم, قالوا: يا رسول الله, ما لنا إن نحن وفينا؟ قال: لكم الجنة! قالوا: ابسط يدك نبايعك! فبايعهم. وأمره ربه بالهجرة, فأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأن يهاجروا إلى المدينة, ثم انتظر هو وحي السماء!
وأراد أبو بكر أن يهاجر فقال له عليه السلام: لا تعجل, فلعل الله يجعل لك صاحبا! وهاجر صلى الله عليه وسلم ولن نقف طويلاً على تفصيل رحلة هجرته حتى وصل المدينة , فذاك كلام محفوظ! كان يسير ليلاً ويختبئ نهاراً, نسجت العنكبوت على باب الغار نسيجاً, قال لصاحبه: «لا تحزن, إن الله معنا» لحق به سراقة بن مالك, ساخت أقدام فرسه في التراب, دخل الرسول المدينة, قابله أهلها بالأناشيد:
طلع البدر علينا
طلـع البدر علينا من ثنيات الـوداع
وجب الشكر علينا ما دعــا لله داع
أيها المبعوث فينـا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة وخطوة من خطوات بناء الدولة وهي أيضا تكليف لنا بإيجاد الدولة والحفاظ عليها. إن هجرته صلى الله عليه وسلم تكليف لنا من الله تعالى بالحفاظ على الذي هاجر من أجله وإليه. فلقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم دولة الإسلام , هاجر ليقيم حكم الله في الأرض , هاجر لتكون كلمة الله هي العليا, وكلمة الذين كفروا السفلى! من أجل كل هذا هاجر صلى الله عليه وسلم وكانت هجرته مرحلة من مراحل الدعوة. فلأي شيء نخطب إذاً؟ أفعلنا كما فعل الحبيب؟ هل شرع الله يتحكم في علاقاتنا؟ هل القرآن دستورنا المطبق في حياتنا؟ هل لنا نحن المسلمين في شتى بقاع العالم دولة واحدة موحدة تحكم بشرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله؟
الجواب معروف دونما إشارة, فنحن المسلمون نهب مقسم موزع على القوى, يتحكم نظام الكفر في حياتنا, وشرع الله منفي عن أرضنا, ونتمحك في المناسبات بآيات الله وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام!
وقبل أن نودعكم على أمل اللقاء بكم في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى نستكمل بها الحديث عن الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية, أذكركم بأهم الدروس والعبر المستفادة في هذه الحلقة:
وفي الختام أن ينفعنا بما نقول ونسمع ونعمل وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه! اللّهم عجل لنا بالخلاص, وابعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته, يقودنا لطاعتك وإقامة حكمك. اللهم أكرمنا بقيام دولة الخلافة واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
والتي نصها: (لا يجوز أن تتولى المرأة الحكم، فلا تكون خليفة ولا معاونا ولا واليا ولا عاملا، ولا تباشر أي عمل يعتبر من الحكم، وكذلك لا تكون قاضي قضاة، ولا قاضيا في محكمة المظالم، ولا أمير جهاد).
جاء الإسلام بأحكام متنوعة، منها ما هو عام يشمل المرأة والرجل، ومنها ما خص بها الرجال دون النساء، ومنها ما خص بها النساء دون الرجال، وميز بين الرجال والنساء في قسم منها، وأمر أن يرضى كل منهما بما خصه به، ونهاهم عن التحاسد وعدم الرضى، يقول تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا).
لقد أوجب الإسلام على الرجل أعمالا وخصه بها دون المرأة، مثل الحكم والسلطان ومثل القوامة ، والعمل للإنفاق على الأسرة ، والصداق أي المهر فقد جعله على الرجل للمرأة، وغير ذلك من الأحكام، وأوجب على المرأة أحكاما وخصها بها دون الرجل، مثل حضانة الأولاد أبناء كانوا أم بنات ، وأحكام تتعلق بالحمل ، وأحكام تتعلق بالولادة والرضاع والحضانة وغيرها.
فالإسلام جعل السلطان أي الحكم للرجال دون النساء، بالدليل الذي أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة قال: لما بلغ رسول صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة)، وهذا صريح في النهي عن تولي المرأة الحكم في ذم الذين يولون أمرهم النساء.
وولي الأمر هو الحاكم، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فولاية الحكم لاتجوز للنساء، يعني أن تكون خليفة أو ما دونها من المناصب التي تعتبر من الحكم، فمن شروط انعقاد الخلافة أن يكون الخليفة ذكرا، لأن إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بنفي الفلاح عمن يولون أمرهم امرأة، هو نهي عن توليتها، إذ هو من صيغ الطلب، وكون هذا الإخبار جاء إخبارا بالذم لمن يولون أمرهم امرأة بنفي الفلاح عنهم، فإنه يكون قرينة عن النهي الجازم. فكانت تولية الأمر للمرأة حراما.
ولا يجوز أن تكون المرأة واليا، لأن الوالي هو الشخص الذي يعينه الخليفة حاكما على ولاية من ولايات دولة الخلافة وأميرا عليها، وهو نائب عن الخليفة، ويقوم بما ينيبه الخليفة من الأعمال، فكل من ينيبه الخليفة عنه في عمل من أعمال الحكم يعتبر واليا أو حاكما في ذلك العمل.
ولا يجوز أن تكون المرأة معاونا، لأن المعاون هو الوزير الذي يعينه الخليفة ليتحمل معه مسؤو لية الحكم والسلطان، فيفوض أليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائها حسب اجتهاده وفق أحكام الشرع .
كذلك لا يجوز أن تكون المرأة عاملا، لأن العامل يعتبر حاكما على ما أسنده إليه الخليفة، فالولاية تقسم الى وحدات، تسمى كل وحدة منها عمالة، ويسمى كل من يتولى العمالة عاملا أو حاكما.
ولا يجوز للمرأة أن تكون أمير جهاد، لأن أمير الجهاد هو الشخص الذي يعينه الخليفة أميرا على النواحي الخارجية، والحربية، والأمن الداخلي، والصناعة للإشراف عليها وإدارتها. وأمير الجهاد ليس بحاكم ولكنه بمثابة الحاكم لكثرة ما يصدر عنه من أوامر لسعة دائرة أعماله التي تحتاج الى أوامر كثيرة. ولذلك سمي أمير على وزن فعيل مبالغة لأسم الفاعل {آمر} لكثرة ما يصدر عنه من أوامر.
أما القضاء، فيجوز للمرأة أن تتولاه، لأنه ليس من الحكم، فعمل القاضي هو فصل الخصومات بين الناس، وإخبار المتخاصمين بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام.
فالقاضي موظف وليس بحاكم، فهو أجير عند الدولة كسائر الأجراء.
وقد روي عن عمر رضي الله عنه، أنه ولًّى الشفاء- وهي امرأة من قومه- ولاها السوق، أي قاضي الحسبة الذي يحكم على المخالفات جميعها.
وكان هذا على مرأى من الصحابة رضوان الله عليهم ولم ينكر أحد منهم عليه فكان إجماعا.
هذا بالنسبة للقاضي والمحتسب، أما بالنسبة لقاضي القضاة وقاضي المظالم، فإنه لا يجوز أن تتولاهما امرأة، لأنهما من الحكم، وواقعهما واقع الحكم، وينطبق عليهما الحديث الذي رواه أبو بكرة قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: ( لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة)، أخرجه البخاري.
وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاجتماعي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق
(( مع بدايةِ هذا القرن بدأ العدّ التنازليّ للقوةِ العظمى ))
وصل حدّ الغرور في عهد إدارة الرئيس بوش الأب أواخر القرن الماضي أن اعتبر أنّ القرن الواحد و العشرين سيكون قرناً أمريكياً بامتياز ، و استند هذا الوهم إلى عدة عوامل منها زوال الإتحاد السوفياتي و عدم وجود قوة دولية أو مبدأية تنازع الولايات المتحدة ، إلا أنّه و مع بداية هذا القرن و استمراراً لسياسة نهب ثروات الشعوب و للنهج الاستعماري الذي يعتمد على غطرسة القوة و الغرور القاتل من جهة و العداء للإسلام و المسلمين من جهة أخرى ، فقد شنّ بوش الابن مطلع هذا القرن حربين بفاصل زمني قصير ، متوهماً تحقيق نصر سريع و حاسم و ذلك باحتلاله لبلدين مسلمين هما أفغانستان و العراق ، و جاء احتلال أفغانستان البلد الضعيف بكلّ سهولة ، و لم يخطر على بال أركان إدارة بوش الابن أنّ شعب هذا البلد غنيٌّ و قويٌّ بعقيدته الجهادية ، و أنّه يستطيع و استطاع بالفعل أن ينهض كالمارد من تحت الرماد ، و أن يحوّل ضعفه قوة ، و أن يوجّه للجيش الأمريكي و حلف الأطلسي ضرباتٍ موجعة بمختلف الوسائل و الأساليب القتالية ، و أن يوقع به خسائر مادية و بشرية و عسكرية و معنوية ، بحيث جعله عاجزاً و حائراً عن كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي أوقع نفسه به ، و لم يعد يحلم بتحقيق نصرٍ أو مجدٍ أو حتى انسحابٍ مشرّف .
و ليس العراق بعيداً عن أفغانستان ، ففي سجن أبو غريب سقطت الأقنعة الزائفة عن وجوه مدّعي الحضارة الغربية و عن القيم التي تدّعيها الولايات المتحدة ، و في حرب الفلوجة سقط الجبروت الأمريكي و الآلة العسكرية المدمّرة أمام فئةٍ قليلةٍ مقاتلةٍ مؤمنةٍ ، و هذا هو حال الاحتلال الأمريكي في بقية مناطق العراق ، و لولا دعم القوى الإقليمية المجاورة للعراق و الموالية لأمريكا لما استطاعت أمريكا البقاء في العراق طيلة هذه المدّة ، و لما استطاعت الحكومة العراقية التي تتمتع بدعم الولايات المتحدة من البقاء و الاستمرار ، و هي - أي أمريكا - و إن استطاعت أن توجد جيشاً و مؤسساتٍ و أحزاباً إلا أنّها خسرت و فقدت الكثير من هيبتها و سمعتها و جنودها و دمّرت هذا البلد المسلم و قتلت أبنائه و نهبت ثروته .
و يبدو أنّ أمريكا خرجت من حربها و تورطها في أفغانستان و العراق بدروس و عبر ، ألَا تتورط مرّة أخرى في أي منطقة من العالم و خاصة العالم الإسلامي ، فتجنبت احتلال الصومال و الدخول في مواجهة مع الحركات الإسلامية المجاهدة فيه ، و حاولت أن تعتمد على أثيوبيا لتقوم مقامها في تصديها للمجاهدين ، إلا أنّ الأخيرة لم تستطع الثبات فانسحبت و بقيت الحكومة الصومالية الموالية لأمريكا تدعمها بعض الجماعات الصومالية وجهاً لوجه أمام الحركات الصومالية المجاهدة.
و لقد عادت هذه السياسات الهوجاء و الاحتلالات العسكرية لأكثر من بلدٍ بالضرر البليغ على الولايات المتحدة ، و أثارت مشاعر العداء لأمريكا في كلّ أنحاء العالم ، و قد أدرك قادة الحزب الديمقراطي و بعض سياسي الحزب الجمهوري ضرورة الخروج من هذا المأزق و إخراج السفينة الأمريكية من هذه الأمواج العاتية قبل أن تغرق ، فجاؤوا بالرئيس اوباما كاول رئيسٍ أسود يحكم الولايات المتحدة و جاؤوا بفكرة التغيير و بعض الشعارات البراقة أملاً في الخلاص من هذه الأزمات و الخروج من مستنقعات الحروب و الاحتلالات العسكرية ، و محاولة تبييض وجه أمريكا بعد أن اسود وجهها ، متوهمين إن هم فعلوا ذلك عادت أمريكا إلى ما كانت عليه قبل إدارة بوش الابن و أنّهم سائرون في طريق الخلاص و النجاة ، إلا أنّ هذا الأمل الذي راود أذهان إدارة اوباما و أذهان البعض سرعان ما اصطدم بالواقع المؤلم ، فما زال وضع أمريكا في العراق و الصومال حرجاً ، و يزداد تورطها في المستنقع الأفغاني و تزداد خسائرها أكثر فأكثر ، و تقف حائرة و عاجزة عن كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي أوقعت نفسها به و أوقعها في أزمة أخرى مع البلد المجاور لأفغانستان و نعني بذلك باكستان ، و بدا للمراقب و حتى من السنة الأولى من رئاسة اوباما كأنّ هذا الأخير يعيد انتاج ما صنعته و انتجته إدارة سلفه بوش الابن .
و جاءت الأزمة المالية و الاقتصادية التي حدثت أواخر عهد بوش الابن و مع بداية ولاية اوباما لتعصف بالولايات المتحدة مالياً و اقتصادياً و معنوياً و هي القوة الاقتصادية الغاشمة التي تتربع على عرش العالم الاقتصادي بلطجة ، و كانت هذه الأزمة المالية و الاقتصادية نتاجاً طبيعياً للمبدأ الرأسمالي الذي يقوم على النهم الاستعماري و الجشع و الربا و الاحتكار ، و لا تزال امريكا و دول العالم تعاني من أثر هذه الأزمة حتى الآن .
و لم يقتصر الأمر على هذه الصدمات و الأزمات المتلاحقة بل هنالك صدمة أخرى تلقتها الإدارة الأمريكية الجديدة من حكومة كيان يهود ، تجلّى ذلك في ضعف الولايات المتحدة و إدارة الرئيس اوباما في عدم قدرتها أو رغبتها بفرض سياستها و رؤيتها للحل على هذا الكيان الغاصب ، و هذا العجز أو الضعف هو نتاج سياسات الإدارات الأمريكية السابقة الخاطئة و المدافعة عن هذا الكيان المحتل و امداده بالمال و السلاح ، بحيث لم تستطع أيّ من الإدارات السابقة أو الحالية من فرض رؤيتها للحل و إقامة دولتين في فلسطين إحداهما يهودية و أخرى فلسطينية ، يقابل هذا العجز و الضعف الأمريكي صلفٌ ما بعده صلف من حكومة كيان يهود ضاربةً عرض الحائط كلّ الحلول و متجاهلة بل و مستهترة بكل الجهود و الهيئات و القوى المحلية و الإقليمية و الدولية .
إنّ هذه الأحداث المتسارعة و ما شكلته من أزماتٍ متلاحقة قد حدثت خلال فترةٍ زمنيةٍ وجيزةٍ خلال هذا العقد الأول من القرن الذي نعيش فيه ، و هي من صنع أيديهم و فساد مبدئهم و جشعهم و غرورهم ، و هي نتاجٌ طبيعي لسياسات الاستعباد و إشعال الحروب و الفتن و نهب خيرات الشعوب ، و مهما تراءى للناظر من ازدهارٍ و قوة و نصرٍ في بعض الأحيان و الحالات ، ما هو إلا وهمٌ و حالات مؤقتة سرعان ما تزول مع الزمن ، و لولا ما تتمتع به أمريكا من قوة اقتصادية ذاتية و هيمنة خارجية لكانت هذه الأزمات و عوامل الضعف أكثر فتكاً و تأثيراً في جسم الولايات المتحدة ، و عودة الإسلام إلى الساحة الدولية متمثلاً بدولة الخلافة إن شاء الله و المكلفين بحمله إلى العالم هداية و نوراً و عدلاً كفيلٌ بأن يضع حداً لهذا الظلم و الطغيان الأمريكي و شتّى أنواع الجبروت و الاستكبار .
و صدقَ الله العظيم حيث يقول في كتابه العزيز (( استكباراً في الأرضِ و مكرَ السيّءِ و لا يحيقُ المكرُ السيّءُ إلّا بأهلهِ فهل ينظرون إلّا سُنّتَ الأوّلينَ فلن تَجِدَ لسُنّتِ اللهِ تبديلاً و لَن تَجِدَ لسُنّتِ اللهِ تحويلاً )) سورة فاطر آية 43 .