فلسطين: خطبة جمعة بعنوان "فكيف إذا جاء نبينا علينا شهيدا؟" لفضيلة الشيخ عصام عميرة (أبو عبد الله) بيت المقدس، 21 جمادى الآخرة 1436هـ الموافق 10 نيسان/أبريل 2015م
- نشر في منبر رسول الله
- قيم الموضوع
- قراءة: 814 مرات
ينشغل المغرب، أو يُراد له أن ينشغل منذ فترة بموضوع الإجهاض، وقد تداولت الصحف والمواقع الإعلامية تقارير عن عدد حالات الإجهاض السري والتي تقدر بـ 600 عملية يوميًا حسب الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، وما بين 800 و1000 حالة يوميًا حسب الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري، وهذه أرقام لا شك أنها خطيرة ولعلها تفسر جزئيًا عدم ازدياد عدد سكان المغرب خلال العقد الماضي. وكعادتها، قفزت عدد من الجمعيات والجهات المشبوهة، وتبنت الأمر وجعلت منه ذريعة للدعوة إلى رفع كل القيود القانونية عن الإجهاض بدعوى أنه أمر واقع وأنه لا فائدة من دفن رؤوسنا في الرمال وتجاهل الموضوع. وزيادة في التلبيس على الناس ادّعوا أن الإجهاض يهدف إلى مساعدة النساء على التخلص من أجنتهن الناتجة عن الاغتصاب أو زنا المحارم، وأن القيود الحالية تدفع النساء إلى الإجهاض السري الذي يجرى في ظروف طبية مزرية مما يزيد مآسيهن ويجعلهن يتجرعن بالإضافة إلى مرارة النبذ من المجتمع خطورة التعرض للموت (كشف التقرير الثاني للجنة الخبراء الوطنية الخاص بالتدقيق السري لوفيات الأمهات لسنة 2010، أن مضاعفات الإجهاض تتسبب في حوالي 4،2 في المائة من مجموع وفيات الأمهات).
ويجرم القانون المغربي الإجهاض، ويعاقب بالسجن من سنة إلى 5 سنوات كل من قام بهذه العملية من الأطباء وغيرهم، ويشدد العقوبة في حال وفاة الحامل، لتصل إلى السجن من 10 إلى 20 سنة، كما يعاقب بالسجن من 6 أشهر إلى سنتين وأداء غرامة مالية كل امرأة أجهضت نفسها عمدًا، أو حاولت ذلك، أو قبلت أن يجهضها غيرها. بيد أن القانون أباح إجهاض الأم في حال وجود خطر على صحتها، لكن مع ضرورة الحصول على إذن الزوج.
وكعادتها أيضًا، قامت الجهات الإعلامية بالنفخ في حدة الخلاف حول هذا الموضوع وإيجاد انطباع عند الناس أن المجتمع على حافة الانقسام والاقتتال حول قضية الإجهاض بين الحداثيين العلمانيين العصريين من جهة، وبين المتزمتين المتطرفين أعداء التقدم من جهة أخرى، وهُيِّئت الأجواء لكي يأخذ القصر بزمام الأمور ويتدخل بوصفه الحَكَم. وهكذا كان، ففي 16 من شهر آذار/مارس الماضي، استقبل الملك وزير العدل والحريات، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وذكر بلاغ للديوان الملكي أن هذه الاستقبالات تندرج في إطار التفاعل والتجاوب الملكي الدائم مع انشغالات المواطنين ومختلف الفعاليات الوطنية، بخصوص القضايا المجتمعية الراهنة، ولا سيما منها إشكالية الإجهاض السري، وذلك في إطار احترام تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والتحلي بفضائل الاجتهاد، وبما يتماشى مع التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي وتطلعاته، وبما يراعي وحدته وتماسكه وخصوصياته. وأضاف البيان أن الملك أعطى توجيهاته لوزيري العدل والأوقاف، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان قصد الانكباب على تدارس هذا الموضوع، الذي صار قضيةً طبيةً بامتياز، وكذا إجراء لقاءات واستشارات موسعة مع جميع الفاعلين المعنيين، وتلقي آرائهم على اختلافها، بالإضافة إلى التنسيق والتعاون مع المجلس العلمي الأعلى بشأن التداول حول مختلف الآراء والتوجهات، ورفع اقتراحات للعاهل المغربي بهذا الشأن داخل أجل أقصاه شهر.
واضحٌ من لهجة البيان أن الأمور تُهيأ لتقنين الإجهاض وإن بشكلٍ مُبطَّنٍ، تمامًا كما فُعل في سنة 2002، حين مُرِّرت مدونة المرأة بمخالفاتها الشرعية تحت ستار التحكيم الملكي، ووقوف الملك في منتصف الطريق بين الطرفين المتصارعين العلماني والإسلامي.
ولو أن الدولة حريصة فعلًا كما تدَّعي على احترام تعاليم الدين الإسلامي في الموضوع، لكان واجبًا عليها أن تعرض الموضوع على الفقهاء فقط، وأن يكون دور الأطباء والمختصين محصورًا في فهم الواقع أو مناط الحكم كما هو معروفٌ في الفقه الإسلامي، أما أن يُشرَك "جميع الفاعلين المعنيين" وأن تُتلقَّى "الآراء على اختلافها" وأن "تُراعى التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي وتطلعاته" فهو توجيهٌ واضحٌ للّجنة المكلفة ألا تحصر نفسها في الاجتهاد الشرعي، بل هو إجبارٌ صريحٌ لها على أن تتجاوزه إلى ما سواه من آراء وأهواء البشر.
إن النقاش الدائر حول تقنين الإجهاض ليس اختلافًا حول الموضوع في جوانبه الفقهية أو الطبية، فمسألة الإجهاض ليست جديدةً على المسلمين، فقد أوسعها الفقهاء الأولون والمعاصرون بحثًا يغني السائلين، لكن حقيقة النقاش هي أنه سجالٌ بين تيارين فكريين مختلفي المرجعيات، يتبنى كل واحد منهما نظرة مختلفة للحياة. لذلك وقبل أن نعرض رأينا الفقهي في المسألة نذكر بما يلي:
1. الإجهاض مشكلة من مشاكل المجتمعات في العالم الغربي، دعا إليه فسادُ تلك المجتمعات وكثرة الولادات غير الشرعية الناتجة عن عمليات الزنا التي لا تحصى، وعن عمليات المعاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية حتى بلغت نسبة هذه الولادات 45% من مجموع الولادات حسب إحصاءات تنشرها صحف الغرب، بل و70% في بعض الدول.
2. وهذه الولادات غير الشرعية، وجدت نتيجة انطلاق سُعار الجنس في هذه المجتمعات الغربية لتبنيها عقيدة فصل الدين عن الحياة ولفكرة الحريات ومنها الحرية الشخصية التي تبيح للإنسان أن يتمتع في هذه الحياة بجميع متع الحياة، حتى أصبح الزنا والمعاشرة خارج نطاق الزوجية عاديًا وأمرًا مشروعًا قانونيًا، حتى أصبحت المجتمعات الغربية كقطعان الحيوانات نتيجة هذه الحرية ونتيجة هذا السعار الجنسي.
3. إن كثرة الولادات غير الشرعية، التي جعلت ما يقارب نصف أولاد المجتمعات الغربية أولاد زنا، قد دفعت كثيرًا من دول العالم الغربي إلى إصدار قوانين تبيح للمرأة أن تتخلص من حملها، خاصةً إذا كان من عمليات زنا أو عمليات معاشرةٍ خارج نطاق العلاقة الزوجية، بأن تُسقط حملها، لأن الأم في المجتمعات الغربية هي التي تتكفل بتربية أولادها الذين حملت بهم من عمليات الزنا أو عمليات المعاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية.
4. وقد أخذت الدول الكافرة في العالم الغربي وعلى رأسها أمريكا، تُسوِّق لنا إباحة الإجهاض، من ضمن ما تُسوِّقه لنا من حضارتها، لتشيع الفاحشة بين المسلمين، ولتُهدم الأسرة، ويُقضى على البقية الباقية من القيم والأخلاق الإسلامية في مجتمعات العالم الإسلامي.
أما واقع الإجهاض والحكم الشرعي فيه فهو كالتالي:
• الإجهاض في اللغة هو إسقاط الجنين من الرحم، يقال أَجْهَضَت الناقة: ألقت ولدها قبل تمام، وعرّفه الفقهاء "بأنه إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل".
• ويكون الإجهاض بعملٍ إرادي من المرأة، بشرب دواءٍ، أو بحمل شيءٍ ثقيلٍ، أو بحركاتٍ عنيفة، أو بطلبها من طبيب بأن يُجري لها عملية إجهاض، كما يكون الإجهاض بفعل تعدٍّ من الغير، كما يكون لا إراديًا.
• والإجهاض إما أن يكون بعد نفخ الروح في الجنين، وإما أن يكون قبل نفخ الروح في الجنين. فإن كان الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين، فإنه لا خلاف بين فقهاء المسلمين جميعًا في أنه حرام، سواء حصل من الأم، أو من الأب، أو من الطبيب، أو من مُتعَدٍّ لأنه تعدٍّ على نفسٍ إنسانيةٍ معصومة الدم، وهو جنايةٌ توجب الدية ومقدارها غُرَّةٌ "عبدٌ أو أمة" وقيمتها عشر دية الإنسان الكامل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، وروى البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة: عبدٍ أو أمة... » وأقل ما يكون السقط جنينًا فيه غرة، أن يتبين في خلقه شيء من خلق الآدمي، من إصبع، أو يد، أو رجل، أو ظفر، أو عين. وبذلك يكون إسقاط الجنين الذي نفخت فيه الروح حرامًا عند جميع فقهاء المسلمين دون خلاف.
• أما إن كان إسقاط الجنين قبل أن تُنفخ فيه الروح، فقد اختلف الفقهاء في حكمه، فمنهم من أباح الإسقاط ومنهم من حرَّمه على تفصيل بالنسبة لمراحل تخلق الجنين، والذي يغلب على ظننا أن الإسقاط إن حصل بعد أربعين يومًا أو اثنين وأربعين يومًا من الحمل عند بدء التخلق للجنين، فإنه يكون حرامًا ويأخذ حكم إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه من الحرمة ووجوب الدية والتي هي عشر دية الإنسان الكامل وذلك لأنه إذا ما بدأ تخلُّق الحمل وظهرت بعض الأعضاء فيه كاليد أو الرجل أو العين أو الظفر فإنه يتأكد عندها أنه صار جنينًا في طريقه أن يصبح إنسانًا سويًا وينطبق عليه حديث إسقاط الجنين السابق. روى مسلم عن ابن مسعود، قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ...»، وفي رواية «أربعين ليلةِ». فالحديث دل على أن بدء التخلُّق وظهور الأعضاء يكون بعد مرور أربعين أو اثنتين وأربعين ليلة، وبذلك يكون الاعتداء عليه اعتداءً على جنينٍ فيه حياةٌ إنسانيةٌ معصومة الدم ويكون وأدًا له، وقد حرم الله ذلك حيث قال: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9]، ولذلك يحرُم إسقاط الجنين بعد الأربعين يومًا على الأم وعلى الأب وعلى الطبيب، ومن يَقُمْ منهم بذلك، يَكُنْ مرتكبًا إثمًا، وقائمًا بجنايةٍ، وتلزمه دية الجنين المُسقط وهي عبدٌ أو أمةٌ، أو عشر دية الإنسان الكامل كما ورد في الحديث الصحيح.
• أما إسقاط ما في الرحم قبل مرور أربعين يومًا على الحمل فإنه جائز، ولا شيء فيه، لأنه لم يصبح جنينًا بعد، لأنه لا يزال في مرحلة النطفة ولا ينطبق عليه حديث إسقاط الجنين.
• يباح إسقاط الجنين سواء أكان في دور التخلق أو بعد نفخ الروح فيه إذا قرر الأطباء المهرة أن بقاء الجنين في بطن الأم سيؤدي إلى موت الأم وموت الجنين معها، ففي هذه الحالة يباح إسقاط الجنين وإنقاذ حياة الأم. وإنقاذ الحياة دعا إليه الإسلام وهذا الإسقاط هو من قبيل التداوي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالعلاج والتداوي.
هذا هو الحكم الشرعي في مسألة الإجهاض.
بقيت مسألة، وهي فرية كون الإجهاض المراد تقنينه هو لعلاج الحمل الناتج عن الاغتصاب وزنا المحارم، وهنا نشير إلى أن هذا الأمر فيه مغالطة كبيرة، فالغالبية العظمى لحالات الإجهاض التي نتحدث عنها هي ناتجة عن زنا وقع بالتراضي نتيجة فورة الشهوة أو نتيجة وعود كاذبة بالزواج،... وليس عن اغتصاب ولا زنا محارم. ولو كان الأمر يتعلق بعلاقة جنسية وقعت بالغصب فالأصل أن يتم إبلاغ الأجهزة الأمنية التي تحيل المعتدى عليها إلى المصالح الطبية المختصة لفحصها وإعطائها قرص منع الحمل أو ما يسمى قرص اليوم الموالي، وهكذا يمنع الحمل من أساسه، ولا يكون داعٍ للإجهاض أصلًا.
إن مسألة الإجهاض كمسألة الأمراض الجنسية وغيرها من مشاكل المجتمع الناتجة عن خلل في قواعد اجتماع الرجل بالمرأة، يجب أن تعالج بإرجاع الأمور إلى أصلها، وهي أن يُتقيَّد بالأحكام الشرعية المنظمة لاتصال الرجال بالنساء، والقائمة بالأساس على وجوب الفصل بين الرجال والنساء في الحياة الخاصة، وعلى الستر والتقيد باللباس الشرعي في الحياة العامة، ومنع التبرج وكل مثيرٍ للفتنة، وعلى التشجيع على الزواج والإحصان، وتشديد العقوبة على الزنا وهتك الأعراض.
بهذا وحده تنتفي الحاجة إلى الإجهاض، ويعيش المسلمون آمنين على أعراضهم، يتناسلون ويتكاثرون كما حضهم على ذلك رسولهم، قال صلى الله عليه وسلم: «النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَل بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ» [صحيح]، فأيهما خير أيها المسلمون؟ اتباع شرع ربكم، أم أن تظلوا على حالكم اليوم، يقع بعضكم على بعض كالبهائم، ثم تئدون أبناءكم خشية الفقر وخشية الفضيحة!؟
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله
لفضيلة الشيخ يوسف مخارزة (أبو الهمام)
الثلاثاء، 18 جمادى الآخرة 1436هـ الموافق 07 نيسان/أبريل 2015م
ماذا جرى ويجري، وما هي مآلات اﻷحداث، وما هو واجب الأمة؟
سؤال كبير وعام، وللإجابة عليه لا بد من ترتيب الأحداث بشكل موضوعي:
أولًا: لا بد أن ندرك أن ما يجري منذ بداية العام 2011م كان بداية للتأريخ السياسي والفكري في العالم عمومًا، والعالم العربي والإسلامي خصوصًا، وذلك لأن الصراع قد انتقل نقلةً نوعيةً إلى الأمام بمقدار لم يخطر على بال الغرب ولا على بال عملائه، وذلك عندما ثار الناس على ظلم الأنظمة العميلة للغرب، فعمد الغرب إلى استخدام جميع أسلحته، وأنزل لساحة المعركة جميع جنوده، وأخرج من جحوره جميع كهنته وسحرته، وعندما اشتد وطيس معركة الأمة مع الغرب الكافر وعملائه، ومالت كفة الأمة بالنصر، فما كان من الغرب إلا أن استخدم سلاحه السري الخطير، ألا وهو (اﻹسلام السياسي) فأوصل من أوصل إلى الحكم بطريقة مريبة ليشوه فكرة الحكم في أذهان المسلمين.
ولذلك كان كل ما جرى، وما سيجري بعد هذه الأحداث لا يعدو كونه فعلاً وردات فعل لجميع الأطراف الفاعلة في هذا الصراع الدموي. وعليه فإن الغرب وعبر عملائه سيمعن في التقتيل والتشريد والمبالغة في التضييق على المسلمين من خلال محاولة إخضاعهم لأنظمة الكفر وإرجاعهم لما قبل المربع الأول، عبيدًا يستعبدهم صغار الناس وفساقهم. «... وينطق فيهم الرويبضة»
ثانيًا: ولذلك كان حقيقة ما يجري يتمثل بالصراع السياسي والعسكري الذي يقوده الغرب الكافر للسيطرة على بلاد المسلمين ومحاولة إخضاعهم ونهب خيراتهم، وكذلك للحيلولة دون عودتهم كأمة واحدة يحكمون بنظام الخلافة اﻹسلامية الراشدة على منهاج النبوة، وكان من أهم أدوات الغرب في هذا الصراع الدموي، عملاؤهم من حكام العرب والمسلمين الذين أقروا ومكنوا لنفوذ الكافر، وأقروا قوانينه ودساتيره الغربية لتجذير أفكاره وقيمه، وبالتالي يسهل عليهم قيادة الأمة لما فيه مصلحة الأسياد.
وأما مآلات ما يجري: فهو ما جرى ويجري وسيستمر بإذن الله تعالى، وما سطرته الأمة من بطولات تصل لدرجة الابتعاث - نحن قوم ابتعثنا الله...، وسيسجلها التاريخ.
إن ما قامت به الأمة في تونس وليبيا واليمن ومصر وسوريا وغيرها من بلاد المسلمين من ثورات ضد الظلم والطغيان والفساد، كان عملًا يتجاوز مكر الغرب وعملائه، إلى إرادة الأمة وحيويتها.
نعم، إن الأمة لم تتحرك على أساس اﻹسلام، فلم يكن اﻹسلام هو المحرك والدافع لحركتها وثورتها، ولكن اﻹسلام لم يغب عن اﻷذهان، وخاصةً في ثورة الأمة في الشام، فقد أصبح للإسلام الصولة والجولة، مما أدى لقيام تنظيمات مسلحة تدعي قيام خلافة مزعومة.
نعم، إن الغرب وعملاءه يمتلكون أدوات القتل والتخريب والتدمير، ولكنهم لم ولن يستطيعوا أن يزيلوا أو يزيفوا الوعي الفكري والسياسي الذي اختلط بكل قطرة دم أراقها الغرب وعملاؤه. إن ما وقر في عقل وقلب ولحم وعصب ووتر ودم كل مسلم ومسلمة ليجذر لعقيدة المسلمين في النفوس، كما يجذر ويؤكد قول الله تعالى واصفًا حال الكفار وأذنابهم، بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 8]
نعم، لقد فقد الغرب صوابه واتزانه بإدخال الإسلام السياسي في لعبته القذرة، وها هو يحاول اليوم أن يستعمل الطائفية المجرمة لتأخير المحتوم.
وأما نصيحتنا للأمة وكيف تتصرف في هذه المرحلة: فإن تصرف الأمة يجب أن يكون بما أوجبه الله تعالى عليها، وذلك بالعمل الجاد وبالالتفاف والتفاعل واحتضان العاملين ﻻستئناف الحياة اﻹسلامية.
نعم إن حزب التحرير يقدّم نفسه قائدًا للأمة، فقد عمل الحزب لتحويل الرأي العام في العالم العربي الذي كان يسير باتجاه القومية العربية والقومية التركية وغيرها من القوميات التعيسة، إلى الولاء للإسلام وعقيدته.
وعمل على ضرب الأفكار السائدة في المجتمع من رأسمالية أو اشتراكية إلى أفكار اﻹسلإم وعقيدته.
وعمل على كشف خطط الكافر المستعمر وعملائه، فبين للناس وجوب إقامتهم لنظام الحكم على أساس اﻹسلام وعقيدته.
ولذلك كان من الواجب على الأمة جماعات وأفراداً العمل الجاد لتوحيد الصفوف على أساس هدف واحد، وفكرة واحدة، العمل ﻹعادة سلطان المسلمين المغصوب ممن اغتصبه وإعادة الحق لأهله، بإقامة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إبراهيم حجات
قال ابن تيمية رحمه الله: "الإحسان هو فعل المأمور به سواء كان إحساناً إلى الناس أو إلى نفسه, فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله تعالى والإقبال إليه والتوكل,
الخبر:
ذكر موقع (CNN بالعربية 2015/4/5) بعنوان "دعوى قضائية ضد مؤسسات أمريكية مرموقة متهمة بنقل أمراض جنسية للتجارب بغواتيمالا الفقيرة" أنَّ عدداً من المرضى المصابين بأمراض منقولة جنسياً قاموا برفع دعوى قضائية على جامعة جونز هوبكينز ومؤسسة روكيفيللير بتهمة تعمد هاتين الجهتين نقل هذه الأمراض إلى سكان من غواتيمالا منذ عام 1945 ولغاية عام 1956.
حيث ذكر الخبر أن هاتين المؤسستين تعمدتا حقن أيتام وسجناء ومرضى الأمراض العقلية وفتيات الهوى بالفيروسات المتسببة بالأمراض المنقولة جنسياً، لتحديد أي أدوية، من بينها البنسلين، يمكنها أن تعمل على إيقاف هذه الأمراض، مما أدى إلى موت بعضهم ونقل الآخرين الأمراض إلى أزواجهم وأقربائهم وأطفالهم، حسب الدعوى؛ كما ذكرت إنكار المؤسستين لما جاء في الدعوى المرفوعة.
التعليق:
يضرب المثل في الهندية: "يبكي الثعلب على الأغنام بالتبلل من الأمطار". وهذا حال أمريكا تغطي على جرائمها البشعة بحق الإنسانية عبر أكذوبة نشر السلام.
فالناظر لما تقوم به أمريكا والغرب كله من تحرك جدِّي، وعمل دؤوب لضرب الحوثيين في اليمن، وتنظيم الدولة في الشام والعراق، نظرةً عابرةً ساذجةً قد يظن بها خيراً ويصدق دعواها الخوف على اليمنيين والحرص على دماء أهل الشام ومقدرات هذه الأمة؛ إذ ما الذي يجبرها على تحريك أساطيلها وقواتها، بل وتكوين حلف من خمسين دولة لضرب تنظيم الدولة وأقل منها لحرب الحوثيين؟
لكن الناظر إلى تاريخ أمريكا يدرك أن الأمر ليس بالتأكيد - وقد خبرنا عداوة أمريكا للمسلمين من قبل، ورأينا حضارتهم في أبو غريب وغوانتانامو - حرصاً على أمة الإسلام ولا نشراً لقيم العدالة والسلم التي تتغنى بهما في بلادنا.
فأمريكا قد أفسدت بعنجهيتها الكون، فلم يسلم من وحشيتها بشر ولا حجر ولا حتى الشجر. تدَّعي الحرب على الإرهاب بينما أثبتت منذ نشأتها وإبادتها لأكثر من مليون من الهنود الحمر - على أقل تقدير حسب الإحصائيات - عبر حرقهم وحقنهم بأمراض الجدري والسل والتيفوئيد، وسلخ رؤوسهم والتباهي بها، حيث أنجبت للمعمورة أمثال السفاح لويس ويتزل Lewis Wetzel الذي اتُّهِم بقتل مئات الهنود عبر اصطيادهم كالحيوانات! وحقنها لمواطنين من أصول إفريقية في ألاباما بأمراض معدية لإجراء التجارب عليهم، وأخيراً وليس آخراً ما جاء به الخبر من حقنها بالأمراض المنقولة جنسياً لسجناء سابقين وأيتام ومصابين بالأمراض العقلية بين عامي 1945 - 1965.
بل لقد شهد العصر الحديث قيام جنودها في العراق وأفغانستان بقتل وحشي للرجال والشيوخ وانتهاك لأعراض النساء، ما يدل على عقلية استعمارية تقوم على القتل والتدمير والسلب، لأجل تحقيق المكاسب وإشباع الجشع الأمريكي.
فيا أيها المسلمون:
إن أمريكا هي أمّ الإرهاب ورأس الشرور، قد بان عوار مبدئها، وظهر للقاصي والداني ظلمها وعتوُّها، بل لقد ضاق أهلها بها ذرعا، ورفعوا شعاراً يقر بفشل الرأسمالية عن رعاية البشرية وحاجتها لمبدأ جديد ينظم العيش ويعمر الكون ليتحقق معنى الاستخلاف للإنسان في الأرض.
فهل دولةٌ تقوم بقتل البشر ونقل الأمراض لهم للتجارب، أهلٌ لنشر السلام في العالم؟ وهل يصبح الجلاد يوماً طبيباً لضحاياه؟ أليست أمريكا التي تحارب الحوثيين وتنظيم الدولة اليوم بحجة حمايتكم هي نفسها التي مكَّنت بشار وعلي صالح من قبل والحوثيين والائتلاف والتنظيم من بعد من قتلكم؟ أليست هي التي مكَّنت يهود من مسلمي فلسطين، والبوذيين من مسلمي بورما، والروس من مسلمي الشيشان؟
فكيف تصدِّقونها بكذبها وتعينونها على إجرامها؟
أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لتخرجهم من الظلمات إلى النور:
من غير مبدأ الإسلام ينقذ البشرية من ظلم الرأسمالية وظلامها؟ ومن غير الإسلام مبدأً يطبق في دولةٍ أهلٌ لقيادة البشرية نحو خلاصها وعمارتها للأرض؟
ومن غير الخلافة الراشدة على منهاج النبوة تنقذ البشرية من جشع الرأسمالية التي تنشر الداء وتحتكر الدواء لتربح الأموال؟
حيث يشترط في من يقدم الرعاية الصحية في دولة الخلافة، سواء أكان فردا أم شركة، أن يلتزم بقوانين الدولة ورقابتها، ويشترط أيضا أن يكون من يقدم أيا من الخدمات الصحية مؤهلا لذلك، سواء أعمل في القطاع الخاص أو العام، ومن يقدم أي خدمة صحية دون أن يكون مؤهلا لتقديمها يمنع من قبل الدولة ويعاقب، وأما إذا أدى إلى ضرر بعمله هذا فهو ضامن لما سبب من ضرر بإقدامه على ما ليس من اختصاصه.
يقول الماوردي في الأحكام السلطانية عند حديثه عمن يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع: "فأما من يراعي في عمله في الوفور والتقصير: فكالطبيب والمعلمين؛ لأن للطبيب إقداما على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم،... فيقر منهم (أي الأطباء والمعلمون) من توفر عمله وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به النفوس وتخبث به الآداب." وينقل القرافي في الذخيرة عن الإمام مالك قوله: "ينهى الإمام الأطباء عن الدواء إلا طبيبا معروفا، ولا يشرب من دوائهم إلا ما يعرف". وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ».
فدولة الإسلام دولة رعاية لا دولة جباية، تحمل الإسلام رحمةً للعالمين. يضع الخليفة فيها نصب عينيه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «الإمام راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّته».
فهلُّم أيها المسلمون لإعادة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تعيد للإنسان قيمته، وتعيد للكون أَلَقَه.
لنشر الخير في ربوع المعمورة ندعوكم.
﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أختكم: بيان جمال
الخبر:
ذكرت جريدة الوطن الصادرة في 2015/4/3م، أن شبكة بلومبرج الأمريكية هاجمت قرار أوباما باستئناف المساعدات العسكرية إلى مصر، قائلةً إن تسليح مصر بات شرًا لا بد منه، كما أشارت إلى أن وقف المساعدات لم يعد له معنًى في ظل التطورات المتعددة للأزمات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم ما يمارسه الرئيس المصري من صلاحيات دكتاتورية وتضييق على الحقوق المدنية والحريات، كما أوضحت أنه ليست هناك مبالغة في أهمية العلاقات المصرية - الأمريكية بالنسبة للأحداث في الشرق الأوسط، حيث إن مصر هي الدولة الثانية في العالم التي تحصل على أكبر كمية من المساعدات الأمريكية بعد إسرائيل، وفي الفترة الأخيرة، كانت حكومة السيسي قادرةً على أن تثبت أنها شريك قوي في محاربة الإرهاب وتنظيم داعش، خاصةً بعد مشاركتها في الحرب التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، والغارات التي نفذتها ضد داعش في ليبيا، وبينت أنه من خلال استعادة المساعدات، فإن الإدارة الأمريكية لا تكافئ السلطات المصرية على تلك التطورات فحسب، وإنما تقبل بأن تكون الديمقراطية الوليدة في مصر بعد الربيع العربي في طريقها إلى الموت.
التعليق:
هذه هي الديمقراطية وتلك هي المساعدات العسكرية، لن يسمحوا للأمة بأن تمتلك زمام أمرها، فهم يعلمون أن الأمة ستسارع عائدةً إلى دينها وشرع ربها، وها هي أسلحتهم يدعمون بها عملاءهم لقمع وقهر أبناء الأمة وبسط نفوذ الغرب وسلطانه عليهم، ديمقراطيتهم فوق كونها خيالية التطبيق ما هي إلا صنم من العجوة إذا جاعوا أكلوه، وإذا كانت الديمقراطية ستعطي للشعوب مساحةً من حرية الحركة تمكنهم من الانعتاق من التبعية فلا ضير من الانقلاب عليها وقهر تلك الشعوب وإجبارها على البقاء تابعةً منهوبة الخيرات والثروات.
يا أهل مصر الكنانة، يا أحفاد الأبطال العظام الذين أخرجوا الصليبيين من بلاد الإسلام ودحروا التتار وكسروا شوكتهم، لقد خلقكم الله أحرارًا، ووهبكم أرضًا عظيمةً ونيلًا يفيض بالخيرات وموقعًا مميزًا، مما جعل أباطرة العالم يقولون أن من يملك مصر يملك العالم، وثروات مصر وخيراتها الطبيعية الظاهرة والمدفونة لا تعد ولا تحصى، ولسنا في مجال حصرها، وإنما يكفينا أن نقرر أن مصر بها من المقومات ما يجعلها مؤهلةً لقيادة العالم الإسلامي، بدلًا من أن تظل دولةً تابعةً تنفذ مشاريع الغرب، كما أن بها من الخيرات ما يكفي للقضاء على الفقر بالكلية، وأن تلك المساعدات لا نفع يرجى منها بل هي وسيلة لاستعبادنا، وضمانة لاستمرار التبعية. ولعلنا رأينا هذا جليًا واضحًا في مصر وغيرها وما فض اعتصامي رابعة والنهضة وأحداث سيناء وعاصفة الحزم منكم ببعيد، وها هي جيوش الأمة تقاتل وتصارع لبسط نفوذ الغرب وتنفيذ مشروعه بدلًا من أن تقاتل للانعتاق من تبعيته وتنفيذ مشروع الأمة الخلافة على منهاج النبوة.
يا أهل الكنانة الكرام، إذا عرف الداء تيسر على الطبيب وصف الدواء، والداء يكمن في تلكم الديمقراطية التي أنتجها عقل بشري عاجز ناقص فلا ضمانة فيها لأي شيء، وفي الغرب الذي يحملها ويستعبد بها الشعوب، وما تلك المساعدات التي لا تسمن ولا تغني من جوع إلا وسيلةً من وسائل هذا الاستعباد، وإن الدواء الناجح يكمن في رد بضاعة الغرب إليه والانعتاق من تبعيته ولفظ مشروعه النتن، وكسر وإزالة تلك الحدود التي تفصل بين أوصال الأمة والكفر بها، ورفض الدعم الغربي بكل أشكاله وألوانه، وحمل مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها والقادر على علاج كل مشكلاتها.
وإنكم يا أهل الكنانة جيشًا وشعبًا أولى الناس بأن تقام بكم وفيكم الخلافة الثانية على منهاج النبوة، فيتحقق بكم وعد الله وبشرى نبيه، ويرى الناس عدل الإسلام وضماناته للرعية، وكيف أنه لا يفرق بين حاكم ومحكوم، فأروا الله منكم ما يحب ويرضى وانصروا الله ينصركم فترونها عِزًا وفخرًا في الدنيا وكرامةً في الآخرة، عِزًا وفخرًا بما سيفتح الله به عليكم من بركات السماوات والأرض، فلا تبقي السماء من قطرها إلا أنزلته ولا تبقي الأرض من خيراتها إلا أخرجته، وكرامةً في الآخرة برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فكونوا أنتم أهل الخير والبركة والكرامة ولا تتولوا فيسبقنكم إليها غيركم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سعيد فضل
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر