الإثنين، 11 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المشاركة في الانتخابات هي الخطوة الأولى في سياسة سلخ المسلمين عن هويتهم

 

تقترب الانتخابات البرلمانية في السويد، ولم يتبقَّ على موعدها سوى أقل من شهر. وفي هذه الأثناء، تُبذل جهودٌ كبيرة من جهاتٍ عدة بغية زيادة نسبة المشاركة في الانتخابات، ولا سيما في أوساط المسلمين. وقد انطلقت حملة مكثفة تشارك فيها الدولة ووسائل إعلامها وسياسيوها، بل وحتى المساجد والأئمة، لحثّ المسلمين ودفعهم للمشاركة في الانتخابات المقررة يوم 13 أيلول/سبتمبر.

 

لقد انتهجت الدولة السويدية وسياسيوها من مختلف الأحزاب على مدى أكثر من عقدٍ من الزمن سياسةً معاديةً للإسلام، استهدفت صهر المسلمين وطمس هويتهم الإسلامية. حيث أُحرقت نسخٌ من القرآن الكريم أيام الجمعة وفي الأعياد أمام المساجد، وكل ذلك في ظل سماح الدولة وحمايتها. كما شُنّت حملة ملاحقة واسعة ضد الجمعيات والمدارس الإسلامية، حيث أُغلقت تقريباً معظم المدارس الإسلامية في البلاد. وأقدمت المخابرات السويدية Säpo على احتجاز أئمة وإبعادهم دون محاكمة قضائية بالشكل القانوني المعتاد، فيما انتزعت أجهزة الخدمات الاجتماعية أطفالاً مسلمين من أسرهم. وسُنّت قوانين تحت عنوان مكافحة "ثقافة الشرف" بما أدى إلى تجريم جوانب من الحياة الأسرية لدى المسلمين. وفي الوقت نفسه، ساهمت وسائل الإعلام والأحزاب السياسية في تأجيج العداء ضد الإسلام والمسلمين والتحريض عليهم، وهو ما انعكس على شكل اعتداءات جسدية وجرائم كراهية استهدفت المسلمين والمساجد. وهذه ليست نتيجة لسياسة حزب ما، وإنما حصيلة نهجٍ ساهمت فيه مختلف الأحزاب، من اليمين إلى اليسار، سواء في ظل حكومة Tidö أو قبلها.

 

ورغم هذه السياسات المعادية للإسلام، لم يتخلَّ المسلمون عن دينهم، بل ازدادوا تمسكاً بهويتهم الإسلامية ورفضاً لهذه السياسات. ولهذا تُشنّ اليوم حملة شرسة لتخويف المسلمين ودفعهم إلى المشاركة في الانتخابات، بغية صهرهم في الحياة السياسية القائمة. ويُراد للمسلمين، تحت ضغط الخوف على مستقبلهم وما قد ينتظرهم، أن يتنازلوا عن هويتهم وأن يقبلوا بالقيم الغربية باعتبارها المرجعية التي ينبغي لهم الخضوع لها والاندماج فيها.

 

لقد استخدمت الدولة السويدية، على مدى سنوات، اليمين المتطرف بوصفها أداة سياسية وفزّاعة لتخويف المسلمين من صعود تياره وتمدد نفوذه، بحيث يُدفع المسلمون إلى الاحتماء بالدولة، ثم يُجرّون إلى الاندماج القسري عبر المشاركة في الانتخابات والقبول بالنظام القائم. وعملياً، يوضع المسلمون أمام إنذار حاسم: إما أن تنصهروا وتشاركوا في هذا النظام، وإما أن يُطلق العنان للوحش اليميني المتطرف ليفترسكم! وقبيل انتخابات عام 2022، تكررت عمليات إحراق نسخ من المصحف أمام المساجد. وفي خضم ذلك، صدرت عن سياسيين من أحزاب اليمين تصريحات من قبيل: "احرقوا مئة مصحف إضافي"، و"لماذا لا نرى مئة إسلامي مصاباً؟". وقد ساهم هذا المناخ في تعرّض مساجد للتهديد والاعتداءات، كما خرجت مجموعات يمينية متطرفة مرتبطة برياضات قتالية في مسيرات بشوارع ستوكهولم واعتدت جسدياً على مسلمين. وأصبح المسلمون أهدافاً لاعتداءات بدافع الكراهية في المدارس وغيرها من أماكن التجمع. ولعب حزب "ديمقراطيو السويد" كذلك دوراً بارزاً في سياسة التخويف هذه قبيل انتخابات 2026. فقد طرح الحزب مقترحات بهدم مساجد، وأتبع ذلك بنشر خريطة للمساجد قبل أشهر قليلة فقط من الانتخابات. كما طالب بفرض حظر على الحجاب. أما زعيم الحزب، جيمي أوكيسون، فقد صرّح بأنه لا يمكن للمرء أن يكون مسلماً وسويدياً في الوقت نفسه، وأن من لا يقدّم الديمقراطية والقيم السويدية على الإسلام فعليه مغادرة البلاد. وصرح اتحاد شباب الحزب: "اندمج أو عُد إلى بلدك". وفي السياق نفسه، ينشر النائب عن ديمقراطيي السويد ريتشارد يومسهوف، المعروف بخطابه العدائي تجاه الإسلام، كتابه المعادي للإسلام "Kafir" قبيل الانتخابات، في خطوة يراد منها بث الخوف في صفوف المسلمين، ثم يوجّه إليهم رسالته بالقول: "توقفوا عن كونكم مسلمين".

 

ونتيجةً لهذه السياسة، يشعر المسلمون بأنهم واقعون تحت ضغط يدفعهم إلى المشاركة في الانتخابات وإثبات ولائهم لـ"السويدية" والديمقراطية، في محاولة منهم للدفاع عن حقوقهم وحماية وجودهم. وهذا هو عين الهدف الذي ترمي إليه سياسة الصهر التي شاركت فيها مختلف الأحزاب. وسواء تعلق الأمر بديمقراطيي السويد، أو الاشتراكيين الديمقراطيين، أو غيرهم من الأحزاب، فالغاية في نهاية المطاف واحدة: دفع المسلمين إلى المشاركة في الانتخابات، وحصر بحثهم عن الحلول داخل إطار النظام القائم، حتى يتم صهرهم في المنظومة السياسية الغربية، ويصبحوا جزءاً من المشروع الغربي، وفي المقابل يُعرضوا عن المشروع الإسلامي متمثلا في الخلافة.

 

أيها المسلمون:

 

لقد استمر الصراع الحضاري مع الإسلام على مدى قرون طويلة، والغاية منه واحدة: إعادة صياغة الإسلام وتفريغه من مضمونه السياسي، حتى يُختزل في دين فردي روحي منزوع الصلة بشؤون المجتمع والحكم. ولن يرضى السياسيون في السويد عن المسلمين ما داموا متمسكين بالإسلام، حتى يتبنّوا القيم ونمط العيش الغربي. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، وسيستمر استهداف المسلمين في هويتهم لدفعهم إلى التخلي عن الإسلام أو تحريف رسالته. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فالتنازل عن الجوانب السياسية في الإسلام، كالخلافة والشريعة ووحدة الأمة وقضاياها العالمية، لا يختلف من حيث المبدأ عن التنازل عن الصلاة أو المساجد أو الحجاب؛ فكل ذلك من الإسلام وليس أجزاء منفصلة عنه. وهذا عينه ما واجهه الأنبياء حين حاولت أقوامهم تغيير الرسالة التي جاؤوا بها. قال تعالى على لسان الكافرين: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾، ومن هذا المنطلق جاء قرار الحكومة في وقت سابق من هذا العام بشأن تتبع ما تسميه "الإسلام السياسي"، مع التصريحات التي تفيد بأن من لا يقدّم القانون السويدي والقيم السويدية على الإسلام فلا مكان له في السويد. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.

 

أيها المسلمون:

 

تعاني المجتمعات الغربية من أزمة حضارية عميقة، يتصدع فيها مبدؤها وأنظمتها من الداخل، وقد فقدت شعوبها الثقة بالنظام وبممثليه السياسيين. وفي الوقت نفسه، يدوس قادة هذا النظام على قيمهم حين يتعلق الأمر بمحاربة الإسلام ومحاولة إبطاء تقدّمه. ولم تكن البشرية في يوم من الأيام أحوج إلى نظام راشد ينهض بالإنسان ويضمن له حياة كريمة كما هي بحاجة إليه اليوم. والإسلام، بوصفه مبدأً، بخلافته وشريعته، هو الحل الوحيد وطوق النجاة للبشرية. ومن واجبنا أن ندعو العالم إليه، لا أن نسعى إلى ترقيع النظام الرأسمالي الديمقراطي نيابة عنهم؛ فهذا النظام لم يجلب للإنسان إلا الشقاء، بل وأفرز أزمات أخلاقية واجتماعية واقتصادية وروحية وسياسية متلاحقة. وعلينا بدلاً من ذلك أن نثبت على الإسلام كاملاً؛ عقيدةً وشريعةً، متجسدا في نظام الخلافة، وأن نتمسك بالدفاع عن هويتنا الإسلامية بكل مكوّناتها، بما في ذلك جوانبها السياسية التي يريد السياسيون السويديون منا أن نتخلى عنها. مسؤولية المسلمين أن يكونوا عنصراً إيجابياً وفاعلاً في المجتمع، وذلك بالالتزام بقيم الإسلام والدعوة إليه بوصفه مبدأً كاملاً قادراً على معالجة مشاكل الإنسان والأزمات التي تعاني منها المجتمعات، وخاصة المجتمعات الغربية. كما أن من واجبنا أن نحمل الإسلام حملاً مبدئياً وفكرياً، وأن نملك الجرأة على مواجهة الرأي العام والسياسات المعادية للإسلام، من خلال المشاركة في النقاش العام وطرح الإسلام بقوته الفكرية. فهذه هي مسؤوليتنا، بدلاً من الاستسلام للضغوط والبحث عن حلول وهمية تحت مظلة نظام يتناقض في جوهره مع عقيدتنا.

 

التاريخ الهجري :7 من ربيع الاول 1448هـ
التاريخ الميلادي : الخميس, 20 آب/أغسطس 2026م

حزب التحرير
السويد

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع