الأربعاء، 09 شعبان 1447هـ| 2026/01/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

البيان الختامي لمؤتمر حزب التحرير في ولاية لبنان

"التطبيع والاستسلام أم وعد الله ودولة الإسلام؟!"

في الذكرى الأليمة الخامسة بعد المائة لهدم الخلافة!

 

 

الحمد لله رب العالمين، حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه، الحمد لله ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة سيدنا محمد وآله الأطهار، لما أذن الله عز وجل بنصرته، دانت له العرب، وهدم عرش هرقل، وأُطفئت نار كسرى، في عقد أو يزيد قليلا من الزمن!... ورضي الله عن صحابته الغر الميامين، التزموا حكم الله في أحلك الظروف فمنّ عليهم وجعل منهم الخلفاء والأئمة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.

 

واستمر حال المسلمين في عز وسؤدد ما يزيد على ألف وثلاثمائة عام، حتى هدمت خلافتهم في مثل هذا اليوم، في الثامن والعشرين من رجب سنة 1342ه، الموافق للثالث من آذار سنة 1924م، وصارت الأمة منذ ذلك الحين "كالأيتام على مآدب اللئام"، تتقاذفها الدول العظمى والكبرى، فصارت البلاد على ما ترون اليوم؛ حكام رويبضات عملاء للغرب، باعوا فلسطين بثمن بخس وكانوا فيها من الزاهدين! ثم سالموا عليها أعداء الله وأعداءهم، تاركين أهلها يذبحون جهارا نهارا على مذبح يهود ومن ورائهم أمريكا.

 

أما أمريكا التي انتفخ رأسها وتولت كبرها، فقد رأت أنها في رئاسة ترامب الأولى والثانية قادرة على فرض السلام على المنطقة فيما يسمى بـ(اتفاقيات أبراهام)؛ لتجعل كما تدعي بين أديان المنطقة (الإسلام دين الحق، واليهودية والنصرانية المحرّفتين) قواسم مشتركة تتلاقى ولا تتعادى، وخليطا محرفاً من شرائعها، ومن ثم راحت تمارس البلطجة على العالم، فتعتقل رئيس دولة هنا، وتهدد بأخذ أرض دولة أخرى هناك، وتريد أن تطفئ النار في جنوب لبنان وفي غزة لأنها تريدها مناطق اقتصادية وسياحية لمواطنيها ولجنودها وممارسة الفحش على شواطئها، وتعيد إذكاء نار الحرب في اليمن، عبر أتباعها، لأنها تريد ثروات حضرموت المعدنية النادرة.. وقائمة أمريكا المخزية تطول!

 

هذه هي أمريكا التي تقود ركب التطبيع والاستسلام في المنطقة، ويخنع لها الحكام ليحافظوا على عروشهم وقروشهم، وقبل ذلك رؤوسهم.. وتصمت الأصوات إلا القليل القليل من الذين ما زالوا يتعلقون بأوهام الوطنية وفتات القومية والشيوعية المندثرة! لكن صرختهم في واد هو غير وادي الأمة الإسلامية، بعد أن انكشف عوار هذه الأفكار والمذاهب كلها!

 

لذا، كان لزاما وواجبا فرضه شرع الله عز وجل، ويفرضه واقع التنكب عن مواجهة هذه الحملة الأمريكية من الحركات والجماعات والتجمعات، أن يقوم لهذا الأمر آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، مدركون لواقع الحراك السياسي الإقليمي والدولي، عاملون للتغيير، ساعون لمنافحة ومكافحة مسار التطبيع والاستسلام، مسجلين موقفهم هذا في صحائف الله عز وجل قبل صحف الناس، فيرضى عن نصرتهم له سبحانه، فينصرهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

فكان هذا المؤتمر تحت عنوان "التطبيع والاستسلام أم وعد الله ودولة الإسلام؟!" في مواجهة الخطة الأمريكية للشرق الأوسط الجديد.

 

ولقد بين المؤتمر في كلماته موقفه الجلي الواضح من هذه القضية المفصلية، فانتظمت الكلمات في عقدها تبين نظرة الحزب وموقفه على لسان من مثلوه من لبنان وسوريا وتركيا وغزة، وأن أعماله هذه هي خطوات على طريق تحقيق الغاية، وأن الإمكانيات والمقدرات موجودة عند الأمة عموما، وفي بلاد الشام خصوصا، وهي صالحة للتغيير على أساس الإسلام، وأن من صبر على لأواء وجراحات نظام أسد البائد، لقادر إن شاء الله على إكمال المسيرة، مع استمرار الحكم الجبري ولو إلى حين، مدركا قول ربنا عز وجل: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ وها هي تركيا تقدم المثال الحي على قدرة العاملين على تجاوز العلمانية إلى الخلافة، لأنهم أدركوا مركزية دورهم في الوقوف في وجه مشروع الهيمنة الأمريكية، إن أوكل أمرهم إلى من يمثل دينهم؛ وها هو لبنان بكل مآسيه وتجاذباته، يُسمع العالم حقيقة أن وعد الله عز وجل ودولته هما الأعلى، وسيفرضان نفسيهما على مشروع أمريكا وغطرستها؛ ثم رسالة غزة الجريحة المكلومة التي رسمت بخطوط الدم والشهادة، أن الإمكانيات وإن قلّت يمكنها مواجهة أعتى القوى، فالمسألة بالرجال خلف السلاح لا بالسلاح نفسه. لقد اختصرت الكلمات هذا المشهد: إنه مشروع الإسلام ودولته في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية التي يسير معها حكام الضرار في بلاد المسلمين.

 

وفي الختام فإن حزب التحرير/ ولاية لبنان يؤكد على الآتي:

 

أولا: إن الخطة الأمريكية للمنطقة ليست عملية تراكبية لسياسات ظرفية أو استجابات آنية للأزمات، بل مشروع استراتيجي متكامل للهيمنة، تتكامل فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية، ويدار بعقلية طويلة الأمد تهدف إلى ضبط المنطقة ومنع أي تحول جذري في بنيتها السياسية.

 

ثانيا: يحدد الحزب المرتكزات الأساسية لهذه الخطة في الآتي:

 

1- تثبيت كيان يهود بوصفه قاعدة متقدمة للمصالح الغربية، وضمان تفوقه النوعي عسكريا وسياسيا، واعتبار أمنه معيارا حاكما لكل السياسات الإقليمية.

 

2- منع قيام وحدة سياسية للأمة الإسلامية، سواء عبر إبقاء الحدود القطرية، أم عبر إدارة الانقسامات الطائفية والإثنية، أم من خلال إفراغ أي خطاب وحدوي من مضمونه السياسي.

 

3- إدامة التبعية عبر ربط الاقتصادات المحلية بالمؤسسات المالية الدولية، وربط القرار السياسي بالمساعدات والعقوبات، وتحويل الجيوش والمؤسسات إلى أدوات ضبط داخلي تحت عنوان "الاستقرار".

 

4- محاربة الإسلام السياسي واعتباره إرهاباً، واتخاذ قرارات تسعى لأن تكون أممية ضد من يقوم عليه، والعمل على فرض ما تسميه (الديانة الإبراهيمية) بوصفه بديلا عن الإسلام وفكرته.

 

ثالثا: يؤكد حزب التحرير/ ولاية لبنان أن الانخراط في المسارات التي ترعاها الولايات المتحدة، سواء سميت تسوية أم إصلاحا أم حيادا أم استقرارا، لا يخرج عن كونه إدارة للأزمة ضمن سقف المشروع الأمريكي، ولا يفضي إلى تحرر حقيقي أو استعادة للسيادة. ولذلك، فإن تحسين الشروط داخل هذه المسارات لا يغير من جوهرها، بل يمنحها شرعية إضافية.

 

رابعا: ومن هذا المنطلق، يعرض حزب التحرير/ ولاية لبنان مشروع الخلافة على منهاج النبوة باعتبارها البديل السياسي الشامل، لا بوصفها رد فعل عاطفيا أو حنينا تاريخيا، بل بوصفها نظام حكم متكاملا.

 

خامسا: يؤكد الحزب أن إقامة الخلافة على منهاج النبوة ليست مهمة نخب معزولة، بل مشروع أمة، يبدأ ببناء الوعي السياسي العام، وكشف طبيعة الصراع، وتحرير المفاهيم من التضليل، والعمل السياسي المنظم مع الأمة وأهل القوة فيها لإقامة الحكم بما أنزل الله.

 

سادسا: يؤكد حزب التحرير أن بلاد الشام - وبالأخص فلسطين ولبنان وسوريا - تحتل موقعا محوريا في الحسابات الأمريكية، ليس فقط لأهميتها الجغرافية، بل لارتباطها المباشر بأمن كيان يهود، ولما تمثله من عمق حضاري وسياسي للأمة الإسلامية.

 

من هنا، فإن أي خطة أمريكية للمنطقة تبدأ بفلسطين، وتنعكس على لبنان، وتستكمل في سوريا، وتضبط عبر الأنظمة المحيطة، وعليه، يرى حزب التحرير/ ولاية لبنان أن تفكيك هذه الوحدة في العمل والتحليل يخدم الرؤية الأمريكية، بينما المطلوب هو إدراك ترابط الحال ووحدة الاستهداف.

 

سابعا وأخيرا: يؤكد حزب التحرير أن تغيير الأدوات لا يعني تغيير الغايات، وأن إعادة دمج أي دولة فيما يسمى "النظام الدولي" وفق الشروط الأمريكية إنما يعني تكريس التبعية، لا استعادة السيادة.

 

أيها الجمع الكريم:

 

لوددنا أن يحضر هذا المؤتمر ممثلو الحزب على امتداده في قرابة خمس وأربعين دولة، وعلى رأسهم أمير الحزب العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، لترى أمريكا أنها ستقف أمام جبال شامخات تواجه سيرها ومشروعها، لكنها الحدود والبلاد التي باعدت بيننا، والإجراءات الأمنية! وعسى أن يكون اللقاء القادم القريب - بإذن الله - في دار عز ودار خلافة ثانية على منهاج النبوة، لتصبح هذه الآلام والصعوبات، وهذه المؤتمرات وهذه المواقف ذكريات وقصصا تروونها لأبنائكم، فتكونون حينئذ كخباب بن الأرت والصحابة، رضي الله عنهم، إذ اجتمعوا في ظل دولة الإسلام الأولى يتذاكرون عذاباتهم على يد المشركين، ومن كان أكثرهم عذابا ليكون أكثرهم أجرا، ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

 

طبتم وطاب ممشاكم ومسعاكم، وكتبه الله الوهاب في صحائفكم نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، وفردوسا أعلى بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

التاريخ الهجري :28 من رجب 1447هـ
التاريخ الميلادي : السبت, 17 كانون الثاني/يناير 2026م

حزب التحرير
ولاية لبنان

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع