الأربعاء، 02 شعبان 1447هـ| 2026/01/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-01-21

 

جريدة الراية: عدالة انتقائية تعيد إنتاج الظلم من جديد!

 

 

كثر الحديث في سوريا، منذ سقوط نظام آل أسد، عن ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، أي بعبارة أخرى تحقيق عدالة تضمن الانتقال من نظام ظالم مستبد إلى نظام جديد يحقق الإنصاف لشعب عانى أشد أنواع القمع والبطش على مدى أربعة عشر عاماً.

 

لكن هنا يبرز السؤال الجوهري ألا وهو من هم المجرمون الذين يستحقون أن تطالهم يد العدالة؟ وهل نالوا فعلاً ما يستحقونه من محاسبة وعقوبة تشفي قلوب الأمهات الثكالى، وتُبرد جراح الشعب السوري المكلوم عموماً؟

 

لا شك أن أول من تجب محاسبتهم هم القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التابعة لنظام بشار. غير أن الواقع يُظهر عكس ذلك تماماً؛ إذ نرى أن كثيراً منهم شملهم العفو أو التغاضي عنهم. فمثلاً، محمد غازي الجلالي، رئيس الوزراء السابق، يتم اللقاء به في دمشق يوم التحرير، وتبادل الأحاديث الودية معه أثناء تسلم مقاليد الحكم في دمشق، بدل اعتقاله ومحاكمته، ثم نراه لاحقاً من المشاركين في احتفالات ذكرى التحرير السنوية!

 

أما فادي صقر، أحد رؤوس الإجرام العسكرية والأمنية التشبيحية، فقد أصبح أحد الأعضاء المؤسسين للجنة السلم الأهلي، ويتوسط لإخراج الشبيحة وعساكر النظام من السجون تحت عنوان ضبابي وعريض مفاده أن "أيديهم لم تتلطخ بالدماء"، مع أن فادي صقر نفسه ثابت تورطه وتَلطخُ يديه بالدماء، وهو أحد المسؤولين المباشرين عن مجازر حيّ التضامن، وعن جرائم قوات الدفاع الوطني التي كان يترأسها في دمشق.

 

وأما قضاة النظام السابق، الذين أصدروا أحكام الإعدام والسجن الطويل بحق آلاف الأبرياء، فقد بقي بعضهم يمارس عمله بشكل طبيعي في محاكم الإدارة السورية الجديدة، ويحكم بالقوانين نفسها التي وضعها النظام السابق، وهي ذاتها القوانين التي كانت سبباً رئيسياً في الشقاء والظلم الذي عانى منه الشعب السوري.

 

كذلك الحال مع أعمدة النظام الاقتصادية، كمحمد حمشو، حيث تم توقيع صك براءته، وطُويت جرائم الماضي بجرة قلم، ليستمر في ممارسة أعماله التجارية دون أي محاسبة، مع أنه يستحق المحاكمة على جرائمه ودعمه المالي غير المحدود لنظام بشار، وهو الدعم الذي استُخدم بشكل مباشر في قتل أهل الثورة.

 

حتى الشخصيات البارزة من نظام أسد ممن اعتقلوا، كوزير الداخلية محمد الشعار، الذي شغل أيضاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي، وعاطف نجيب، رئيس فرع الأمن العسكري في درعا وابن خالة بشار، والذي كان له دور محوري في تأجيج الاحتجاجات في درعا في بداية الثورة، إضافة إلى إبراهيم حويجة، رئيس إدارة المخابرات الجوية، ومفتي النظام أحمد حسون، جرى تصوير مقاطع فيديو تُظهر أنهم يخضعون لمحاكمات، لكن هل يُعقل أنه بعد مرور عام كامل لم تنتهِ محاكماتهم، ولم يثبت عليهم شيء حتى الآن يقتضي تطبيق حكم القصاص بحقهم، أو حتى مقاضاتهم وفق القانون الوضعي الذي تبنته الإدارة الجديدة؟!

 

الواقع أن أحداً منهم لم يُحاكم فعلياً، ولم يُحاسَب أيٌّ من أزلام النظام المجرم، بل نراهم يُفرج عنهم على دفعات، حتى كادت السجون أن تُفرغ منهم!

 

في المقابل، تزامنت هذه الإفراجات الواسعة لشبيحة نظام أسد وأزلامه مع محاكمة ما يقرب من ثلاثين شاباً من شباب حزب التحرير، حيث صدرت بحقهم أحكام جائرة تراوحت بين ثلاث وعشر سنوات، مع أن جميعهم معتقلون قبل التحرير، وجرمهم الوحيد عند من اعتقلهم أنهم معتقلو رأي، خالفوا هيئة تحرير الشام آنذاك في توجهها نحو تجميد الجبهات، والخضوع لنفوذ تركيا، وإملاءات الدول التي كانت تسعى لمصالحة النظام المجرم، وصولاً إلى الحل السياسي الأمريكي وتطبيق القرار 2254، القاضي بدمج المعارضة مع النظام وتشكيل حكومة مشتركة، ونسيان الماضي الإجرامي لنظام آل أسد.

 

ولم يقتصر الظلم على شباب حزب التحرير، بل طال معتقلي رأي آخرين، بعضهم اعتُقل قبل التحرير كالشيخ أبو شعيب المصري وأبو يحيى الجزائري، وبعضهم اعتقل منذ فترة قريبة بسبب رأي مخالف لحكومة الجولاني، أو فيديو أو تعليق كتبه على وسائل التواصل. ومن الأمثلة على ذلك اعتقال الصحفي الأمريكي بلال عبد الكريم في مدينة الباب، وكأنه مجرم حرب، بعد إغلاق الطرق ومحاصرته بعدد كبير من الآليات العسكرية، وكذلك اعتقال الإعلامي مراد محلي في مدينة جرابلس، بعد مداهمة منزله، وإهانة من فيه، وتكسير معداته الإعلامية.

 

ولم يسلم المهاجرون المناصرون للثورة من القمع والاعتقال، مثل المهاجر أبو دجانة التركستاني، وأبو إسلام الأوزبيكي، ناهيك عن الهجوم العسكري الذي شنته قوات أمن الإدارة الجديدة على مخيم المهاجرين الفرنسيين، قبل أن تتراجع عنه تحت الضغط الإعلامي.

 

بل إن من يطالب بفتح جبهات قتالية لإنهاء حالة التمرد الانفصالي يلقى المصير ذاته، كما حصل مع الناشط أبو شابوح الفراتي، الذي ظهر في بيان مصور مع عدد من المقاتلين ودعا إلى تحرير الجزيرة السورية من قوات قسد الانفصالية، فكان مصيره السجن.

 

إن ما نشهده اليوم، وبكل وضوح، هو إعلان للتسامح والعفو والصفح عن المجرمين والقتلة، في مخالفة صريحة لمعايير العدالة، في حين تتم ملاحقة وتجريم أصحاب الكلمة والرأي، في انتهاك واضح للقانون والإعلان الدستوري الذي تبنته الإدارة نفسها، إضافة إلى تجريم من جاء يوماً لنصرة الشعب الثائر من المهاجرين، إرضاءً للتوجيهات الخارجية، خاصة بعد انضمام الإدارة إلى الحلف الأمريكي لمحاربة (الإرهاب) وفق المفهوم الغربي، أي الإسلام.

 

وبعبارة أخرى، فإن الإدارة السورية لا تمارس عدالة انتقالية حقيقية، ولا حتى الحد الأدنى من معايير العدالة، بل تمارس عداوة سياسية انتقائية بحق أطياف واسعة من الشعب السوري، وبحق الحاضنة الثورية التي ترى نفسها اليوم مهمشة على جميع المستويات بل ملاحقة إذا طالبت بتحقيق أهداف الثورة التي خرجت من أجلها، في الوقت الذي يتم فيه تقريب حاضنة النظام البائد، ومحاولة استمالتها وكسبها كبديل عن حاضنة الثورة.

 

إن العدالة الانتقالية ليست شعاراً يُرفع، ولا مادة إعلامية تُستهلك، بل هي مسار حقيقي لا يستقيم إلا بمحاسبة المجرمين دون استثناء، وإنصاف الضحايا دون تمييز، وحماية الرأي والتعبير دون انتقائية. وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه القيم، أو يستبدل الصفقات بالعدالة، والمجاملات بالمحاسبة، لن يؤسس لدولة مستقرة، بل سيعيد إنتاج الظلم بثوب جديد، ويزرع بذور صراع قادم لا محالة. فإما عدالة حقيقية تُنصف الدماء والتضحيات ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق نظام الإسلام، أو أننا نسير في نفق مظلم يهدد آمال السوريين ويفرغ التحرير من معناه.

 

بقلم: الأستاذ أحمد الصوراني

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع