الأربعاء، 03 محرّم 1448هـ| 2026/06/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-06-17

 

جريدة الراية: احتجاجات شعبية في جنوب اليمن

نتيجة لسياسة حكام يمعنون في سحق الناس

 

 

تتفاقم الأحداث المأساوية في اليمن على جميع صعد الحياة دون استثناء، إلا أن غياب الخدمات هو الذي يؤثر في الناس تأثيراً مباشراً ويمس تفاصيل حياتهم اليومية ومعايشهم مساً قاسياً؛ فبسبب انقطاع الكهرباء اضطر الكثير من سكان مدينة عدن للبقاء في الأرصفة والشوارع المفتوحة بسبب لهيب الصيف، وقد تحولت المنازل لدى الكثير من الأسر إلى أماكن خانقة، فيما باتت مشاهد افتراش الناس الشوارع في مديريات المعلا وصيرة وكريتر مألوفة، وهي تجسد المعاناة اليومية المتفاقمة التي يعيشها السكان بشكل متواصل.

 

وفي ظل هذا الواقع، أغلق محتجون مساء 10/06/2026م الطريق المؤدي إلى قصر معاشيق بمدينة عدن، احتجاجاً على الانقطاعات المتواصلة للكهرباء وتردي الخدمات، حيث نفذ عشرات الناس وقفة احتجاجية تخللها قطع الطريق وإشعال الإطارات التالفة، تعبيراً عن غضبهم من ارتفاع ساعات الانطفاء إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع موجة الحر الشديدة، وهكذا الحال في بقية المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الرسمية.

 

أما مناطق سيطرة الحوثيين فهي كذلك تعيش أوضاعاً سيئة جراء تخليهم عن تقديم أي التزامات تجاه مناطق سيطرتهم باعتبارها سلطة غير ملزمة بتوفير الخدمات تحت ذريعة العدوان، فمعظم الناس يعتمدون في خدمة الكهرباء على مولدات مملوكة للقطاع خاص، وتقدَّم بتعرفة باهظة وأصبحت أحد مصادر تمويل الحكام على حساب معاناة الناس.

 

فمعاناة الناس في اليمن واحدة، وإن اختلفت الجهات المتسلطة عليهم، كما أن حرمانهم من حقوقهم واحد، وإن تعددت الشعارات والرايات.

 

لم تعد أزمة انهيار الخدمات والأمراض المتفشية والفقر المدقع في ربوع اليمن، وعجز قطاع الطاقة الكهربائية عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة وسط صيف لاهب، وخصخصة الخدمات الأساسية، مجرد فضلات إدارية أو أخطاء تقنية عابرة. إنها النتيجة الحتمية للجريمة المبدئية التي يمارسها النظام الرأسمالي العالمي الذي ينظر إلى حقوق الإنسان الأساسية بوصفها سلعاً تجارية خاضعة للمقايضة السياسية والخصخصة لنهب الشعوب.

 

تعد الكهرباء شريان الحياة الأساسي وركيزة للاستقرار الاقتصادي لأي بلد، ويقع على عاتق الدولة والمؤسسات الحاكمة واجب أصيل ومسؤولية حتمية لتأمينها واستدامتها لخدمة الناس وتسيير القطاعات الحيوية.

 

إن هذا المشهد المأساوي أضيف إلى مسلسل المآسي الطاغية على أهل اليمن في جميع صعد الحياة بلا استثناء، فتردي أوضاع الكهرباء، والتداعي لخروج الناس للمبيت في الشوارع هرباً من حرارة الصيف، وهو نداء استغاثة ينبغي أن تواجهه السلطات بسرعة توفير الكهرباء وإعادتها إلى حيز التشغيل مهما كلف الأمر، إلا أن استجابة السلطات في عدن كانت بنشر قواتها الأمنية لقمع الناس!

 

إن واقعة امتلاء الشوارع بالناس الفارين من لظى بيوتهم المظلمة، يرافقه الموقف المشين للحكومة المستنفرة أمنياً، يعريان بوضوح عجز الفكر الرأسمالي المتوحش عن رعاية شؤون الشعوب؛ حيث يترك الملايين للموت البطيء في المنازل والشوارع بينما يتنعم الحكام العملاء في غرفهم المكيفة.

 

هذا الواقع الفج الذي يشهده اليمن اليوم من غرق الحواضر والمدن في ظلام دامس وسط صيف لاهب، يثبت حجم الفساد المستشري لدى حكام اليمن المرتهنين للخارج، ممن قدموا مصالحهم الخاصة مقابل تنفيذ أجندات القوى الإقليمية والدولية، معتمدين سياسة الإمعان في تدمير ما تبقى من مقومات الحياة والمنشآت الحيوية في اليمن، وترك الملايين من أبناء الشعب يعانون الأمرّين دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاه توفير الخدمات الأساسية وحقوق الإنسان الفطرية كالماء والكهرباء فيعتبرونها سلعاً تجارية تخضع لمنطق الربح والخسارة والمقايضة السياسية، وليست واجبات رعاية ملزمة للدولة!

 

إن المشهد الخدمي البائس وسوء الخدمات المتعمد في اليمن لم يكن وليد الصدفة، بل هو سيناريو أخرج بعناية فائقة؛ يستخدمه المتصارعون كورقة ضغط لصالحهم وبالذات في مناطق سيطرة ما تسمى بالرسمية، فنرى خروج الناس للاحتجاجات تستغله الأطراف المتصارعة للكيد لبعضها، أما في مناطق سيطرة الحوثيين فلولا القبضة الأمنية الحديدية والمنع الصارم لخروج المحتجين، لامتلأت الساحات بهم غضباً من سوء الأوضاع.

 

إن الأعمال المقيتة بين الرياض وأبو ظبي في جنوب اليمن بإشعال الأزمات كلا ضد الآخر ليس إلا فصلاً من فصول خدمة أسيادهم في واشنطن ولندن. فنرى تدخل هذه الأدوات الإقليمية بحلول ترقيعيه وشراء ولاءات الحكام العملاء مع إبقاء أزمة الكهرباء سيفاً مصلتاً وأداة خبيثة في خدمة مشروعها الاستعماري لاستخدامها ورقة تستطيع من خلال توجيه الناس بما تريد.

 

ففي الوقت الذي تدفع فيه أمريكا بأدواتها لتمكين الحكام في شمال البلاد وتشديد الخناق على خصومهم هناك، تتجه للسيطرة على مقاليد القرار المالي والاقتصادي في عدن لتتمكن من سحق عملاء الإنجليز في عدن وحضرموت ومأرب والساحل الغربي، ويبرز هذا التغلغل الاستعماري الأمريكي بوضوح في إقحام برامج وكالة التنمية الأمريكية، وتمرير إملاءات وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي داخل أروقة بنك عدن المركزيّ! ولم تقف الغطرسة الأمريكية عند هذا الحد، بل سعت جاهدة لإقصاء وتحجيم نفوذ وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية البريطانية، عبر تقليص أدوار نظام أبو ظبي الوكيل الإقليمي التاريخي للإنجليز، وإحلال نظام الرياض الخادم النشط للمخططات أمريكا مستعينة في ذلك بقوات عسكرية محلية وأجنبية لإحكام القبضة على المناطق النفطية والمنافذ الحيوية الاستراتيجية في البلاد.

 

فمتى أنتجت هذه الأدوات الإقليمية الطيعة، ومعها الواجهات السياسية المحلية التابعة، خيراً لليمن وأهله؟! إن هذا الصراع الاستعماري الأمريكي البريطاني على اليمن، والذي تجاوز عقده السادس، قد دارت رحاه ومؤامراته على حساب مصالح البلاد الحيوية، طاحناً مقدراتها ومبدداً ثرواتها حتى لم يتبق لليمن اقتصاد يذكر، ولا تعليم يرتجى، ولا صحة ولا أمن!

 

إن النفط والغاز والثروات الطبيعية في اليمن هي ملكيات عامة أصيلة بحكم الشريعة الإسلامية، وقد جعلت في أصلها لترعى شؤون الأمة وتدار بها محطات الطاقة لتوفير العيش الكريم للرعية. غير أن الحكام المرتهنين، وبسبب ولائهم الأعمى للاستعمار آثروا تجميد الإنتاج المحلي، وتعطيل المنشآت الخدمية، وإغراق البلاد في وحل الديون والارتهان، منقسمين في عمالتهم المخزية بين وجهين؛ أحدهما يمم شطره نحو لندن، والآخر يستقبل واشنطن، دون أي اعتبار لمعاناة رعايا الدولة الذين يكتوون بنيران الصيف ويلتحفون الظلام.

 

 يا أهل اليمن: إن سبب البلاء قد عُرف وهو النظام الرأسمالي والقائمون عليه، فتجب إزالتهم وإقامة دولة ترعى شؤونكم بالإسلام، ورسول الله ﷺ يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فإزالة كل ما تعانون منه يكون في العودة إلى الرعاية الأصيلة في الإسلام في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي يعمل حزب التحرير على إقامتها تحقيقاً لوعد الله القائل سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾.

 

بقلم: الأستاذ أبو بكر الجَبلي – ولاية اليمن

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع