الأربعاء، 30 محرّم 1448هـ| 2026/07/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-15

 

جريدة الراية: من النفط مقابل الغذاء إلى النقد مقابل التغذية!

أداة الكفار لصناعة الفقر الممنهج في اليمن

 

 

قالت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي ومحافظ اليمن لدى مجموعة البنك الدولي، أفراح الزوبة في بيان رسمي إن البنك الدولي وافق على تمويل مشروع النقد مقابل التغذية وسبل العيش في اليمن بمنحة تبلغ 100 مليون دولار إضافة إلى 1.8 مليون دولار مخصصة لدعم صمود البلاد وتعزيز التعافي وإعادة الإعمار (روسيا اليوم).

 

خلف هذه العبارات الدبلوماسية الأنيقة والمنح المالية المزعومة يختبئ وجه حقيقي مغاير تماماً لواقع الحال. إن الإعلان عن هذا المشروع ليس بادرة إنسانية لتخفيف المعاناة بل هو حلقة جديدة من حلقات تكريس التبعية وإحكام القبضة الاستعمارية على مقدرات الشعوب المنكوبة بالصراعات والحروب، واليمن ليست استثناءً من هذه السياسة الخبيثة التي يتقنها البنك الدولي كأداة مطيعة في يد القوى الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها أمريكا التي تسيطر على توجيه السياسات النقدية الدولية وتستخدمها كسلاح ناعم لتركيع الشعوب وإخضاع القرار السياسي للدول النامية خلف ستار من الشعارات البراقة التي تزعم التنمية والإعمار بينما الحقيقة هي هندسة الفقر وتأبيد العجز الاقتصادي.

 

فلا يمكن قراءة مشروع النقد مقابل التغذية وسبل العيش بمعزل عن الإرث الاستعماري الطويل للمؤسسات الدولية. إن هذا المفهوم يعيد إلى الأذهان فوراً برنامج النفط مقابل الغذاء سيئ السمعة الذي فرض على العراق في تسعينات القرن الماضي، فالفكرة الجوهرية واحدة وإن تلونت الأساليب والأسماء، فالهدف الأساسي هو تحويل الشعوب الحرة والبلاد ذات المقدرات إلى مجتمعات رعوية مستهلكة تنتظر فتات المساعدات لتقتات عليها يوماً بيوم بدل تمكينها من بناء اقتصاد حقيقي مستقل يمتلك سيادته وقراره الإنتاجي.

 

إن مفهوم النقد مقابل التغذية يعني باختصار شديد ربط لقمة عيش الإنسان وبقائه على قيد الحياة بمدى تدفق الأموال من الغرب عبر قنوات البنك الدولي والمؤسسات التابعة له. هذا الأسلوب الملتوي لا يبني اقتصاداً ولا يعزز صموداً كما يزعمون بل يرسخ حالة العجز البنيوي ويجعل الجوع سلاحاً سياسياً مسلطاً على الرقاب لتمرير مخططات سياسية وتنازلات سيادية لا يمكن للشعوب أن تقبل بها وهي في عافيتها الاقتصادية والسياسية.

 

وفي تفاصيل هذا المفهوم وآلياته الإغاثية الممنهجة يظهر قناع الإنسانية جلياً حيث يُسوق البرنامج ظاهرياً كبديل مرن للمساعدات العينية التقليدية ويهدف إلى الحد من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية من خلال تقديم مساعدات نقدية مباشرة تتيح للمستفيدين شراء أغذية طازجة ومناسبة لاحتياجاتهم وفقاً لأسواقهم المحلية. ويركز هذا التوجه على فئات مستهدفة بعينها كالأمهات الحوامل والمرضعات لضمان حصولهن على التغذية السليمة، والأطفال دون سن الثانية للوقاية من التقزم وسوء التغذية في هذه الفترة الحرجة، إضافة إلى الأسر المعالة نسائياً واللاتي يواجهن تحديات أكبر في توفير الغذاء الكافي. وتعتمد آليات الدعم فيه على التحويلات النقدية المشروطة بتقديم مبالغ مالية للأمهات مقابل التزامهن بحضور جلسات التوعية الصحية والتغذوية أو المتابعة في المراكز الصحية أو استخدام قسائم الغذاء كبديل يتم استبدالها بمواد غذائية أساسية من متاجر متعاقدة مع المنظمات الإنسانية. لكن هذا التفصيل التقني يمثل في عمقه السياسي هندسة ناعمة لإدارة الجوع لا القضاء عليه ووسيلة لربط مفاصل الحياة اليومية للمجتمع بإملاءات المانحين.

 

البنك الدولي ذراع النهب وتدمير الاقتصادات

 

إن الدور الأساسي الذي أنشئ لأجله البنك وصندوق النقد الدوليان عقب الحرب العالمية الثانية لم يكن يوماً تنمية الدول النامية أو إنقاذ الفقراء، بل كان وما زال دوره هندسة النظام الدولي بما يخدم مصالح الدول الكبرى. حيث يركز البنك الدولي في استراتيجيته على خطة ممنهجة لتدمير البنى التحتية الاقتصادية للدول عبر ما يسمى برامج الإصلاح الهيكلي والمنح المشروطة التي تفرض إملاءات مدمرة تنهي أي فرصة للاعتماد على الذات.

 

وتتلخص أعمال المنظمات النقدية الدولية التدميرية في بضع نقاط أساسية تظهر جلياً في تجاربها مع مختلف دول العالم وهي:

 

* حرية التجارة وحرية صرف العملات، وهذا يعني رفع كافة القيود عن الاستيراد ما يؤدي إلى إغراق الأسواق المحلية بالبضائع الأجنبية فتفقد الصناعات والمنتجات المحلية قدرتها على المنافسة وتدفع نحو الإفلاس السريع وتصبح خزانة الدولة خاوية من النقد الأجنبي والذهب.

 

* تخفيض قيمة العملة المحلية، وهذا الإجراء الممنهج لا يخدم سوى الدول الصناعية الكبرى التي تشتري ثروات ومواد خام البلد النامي بأرخص الأثمان، بينما يؤدي محلياً إلى انهيار القوة الشرائية للناس والوقوع في فخ التضخم المخيف الناجم عن الإسراف في إصدار النقد دون غطاء إنتاجي حقيقي.

 

* برامج التقشف الصارمة وتجميد الأجور، وتشمل وضع قيود على الإقراض المحلي ورفع أسعار الربا وتقليص الإنفاق الحكومي على الخدمات الأساسية وزيادة الضرائب ورسوم المرافق العامة كالكهرباء والصحة والتعليم وتجميد أجور موظفي الدولة وإيقاف دعم السلع الاستهلاكية ما يدفع نحو الركود الاقتصادي وتأجيج الثورات الداخلية.

 

* الوقوع في مصيدة الديون الممنهجة، حيث تغري الدول الصناعية دول العالم الثالث بطلب القروض وتستعملها إما لتمويل مستورداتها الاستهلاكية أو لتوجيهها نحو مشاريع وهمية وترفيهية غير إنتاجية، وعندما يحين موعد السداد وتعجز الدولة يتدخل الصندوق والبنك لفرض جدولة جديدة تزيد من الأعباء والربا المركب حتى يصبح الدين ذريعة للاستيلاء المباشر على مقدرات البلاد السيادية وبيع موجوداتها وإعلان إفلاسها.

 

إن هذا الفشل التنموي ليس عرضياً بل هو غاية النظام الدولي الرأسمالي إذ تشير دراسة رسمية أجراها البنك الدولي نفسه عام 1991، شملت خمسين دولة نامية، فكانت النتيجة الصادمة هي أن الدول التي لم تتبن برامج الصندوق والبنك حققت نمواً اقتصادياً، بينما لم تحقق أي من الدول التي تبنت برامجهما شيئاً؛ ما يؤكد أن هذه البرامج هي وصفات جاهزة لصناعة التدمير والفقر.

 

اليمن في عين العاصفة الممنهجة

 

في الحالة اليمنية يأتي هذا المشروع بقيمة 101.8 مليون دولار كذر للرماد في العيون ومحاولة لتخدير الشعب المنكوب. إن بلداً يمتلك ثروات هائلة وموقعاً استراتيجياً فريداً قادر على تحقيق كفايته الذاتية الكاملة لو أتيح له المبدأ الصحيح لرعاية الشؤون، ولكن يراد له اليوم هو أن يظل أسيراً لهذا الفتات الممنوح له من الغرب الكافر المستعمر.

 

إن البنك الدولي لا يتحرك لإنقاذ الوضع الإنساني بدافع الأخلاق، بل لضمان بقاء اليمن تحت مظلة النظام الدولي الرأسمالي ولمنع أي توجه حقيقي نحو التحرر الاقتصادي من الهيمنة الغربية. وإن ربط التعافي وإعادة الإعمار بإشراف وتدبير هذه المؤسسات الدولية يعني رهن مستقبل البلاد لسنوات طويلة قادمة، واشتراط هذا الإعمار بالقبول بالحلول السياسية الاستعمارية وبقاء البلاد في حالة ضعف دائم لتقسيم الغنائم والمنافع بين القوى الدولية الكبرى تماماً كما يوزع الثعلب الغنيمة في حكاية الأسد والذئب والثعلب الشهيرة حيث لا ينال الضعيف شيئاً سوى الخسران.

 

وفي الختام نقول: إن الواجب الشرعي على شباب الأمة كشف هذه الحقائق الدقيقة وتعرية السياسات الاستعمارية الخبيثة المغلفة بالدعم الإنساني الرأسمالي وقطع يد الكافر المستعمر وأدواته، وإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية، ليعلموا أن مشروع النقد مقابل التغذية وسبل العيش ليس إلا أداة لترسيخ الفقر والتبعية ونهب غير مباشر لإرادة الشعوب ومستقبل الأجيال. ونؤكد مرة أخرى أن الخلاص الحقيقي والنهائي لا يأتي أبداً عبر منح وقروض البنك الدولي المسمومة بل بقطع يد التدخل الأجنبي بجميع أشكاله السياسية والاقتصادية واستعادة الأمة لقرارها وسيادتها الكاملة وتطبيق نظام الإسلام النظام الرباني العادل، فهو يضمن رعاية الشؤون الحقيقية للبشر ويوزع الثروات بالعدل وينهي عقوداً طويلة من التبعية والإذلال الرأسمالي الاستعماري الغاشم.

 

بقلم: الأستاذ عبود الفقيه – ولاية اليمن

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع