- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-15
جريدة الراية:
استكمال تشكيل مجلس الشعب السوري بالتعيينات الرئاسية
مخالفات شرعية وأخطار سياسية
تم في سوريا بتاريخ 1/7/2026م استكمال تشكيل مجلس الشعب بصدور التعيينات الرئاسية التي شملت تعيين سبعين عضواً من أصل مائتين وعشرة أعضاء، حيث تم انتخاب ثلثي الأعضاء عبر هيئات انتخابية محلية عينتها الحكومة الانتقالية وليس عبر الانتخاب المباشر، وذلك استنادا إلى الإعلان الدستوري لعام 2025م الذي نظّم السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية. وقد أثارت آلية الانتخاب وكذلك تعيين بعض الأعضاء، حالة من السخط، وخاصة على المستوى الشعبي.
ولكنّ القضية الأخطر التي يجب الوقوف عندها هي أن مجلس الشعب هذا وأمثاله إنما هو ثمرة من ثمرات النظام الديمقراطي، حيث يجعل حق التشريع للشعب، وأعضاء مجالس الشعب يصادقون على الدستور والقوانين التي تعرض عليهم، وفي ذلك معارضة لحكم الله وشرعه، باختيار قوانين من وضع البشر، أو المصادقة على القوانين المقدمة للمجلس. وكل المزاعم التي تساق لتبرير ذلك من المصلحة وأخف الضررين وغيرها، لا قيمة لها في ميزان الشرع، فهل قدمت التضحيات العظيمة، وبذلت الدماء الزكية، من أجل ترسيخ حكم وضعي، يوجب سخط الله، أم أن كل ذلك بذل في سبيل الله، ومن أجل إقامة حكمه سبحانه في الأرض؟!
فضلا عن أن هذه المجالس في البلاد الإسلامية هي في حقيقتها مجالس صوريّة لديمقراطية مزيفة، وظيفتها تمرير سياسات الحكام الذين وضعوا أنفسهم في خدمة الدول الاستعمارية لتحقيق مصالحها، فهي مجالس صورية لتجميل صورة الحكام، وإظهارِ أنّهم يستمدون شرعيتهم من رضا الشعب.
ولا يغير في حقيقة هذه المجالس وجود كتل أو شخصيات تعرف بين الناس بصبغتها الإسلامية، حتى ولو عارضت القوانين أو المعاهدات والاتفاقات المقدمة للمصادقة عليها، لأن القوانين والمعاهدات والاتفاقات إنما تقر بالأكثرية.
والأخطر من ذلك هو أن هؤلاء الأعضاء رضوا بأن يجعلوا أنفسهم قيّمين على أحكام الله، يقررون ما يصلح منها وما لا يصلح!
إن من أخطر السياسات التوجه للحصول على الدعم الخارجي، ورضا الدول الكبرى، وإدارة الظهر للحاضنة الثورية التي أثبتت فاعليتها في أوقات الأزمات والشدائد. وأولى ثمار هذه السياسة هي الانقلاب على الشعارات والتنكر للأهداف والثوابت، التي كانت تطرح قبل سقوط نظام الإجرام البائد، والنتيجة المؤلمة الحفاظ على شكل النظام البائد، في الوقت الذي كان يجب أن يتم تغييره جذريا، وتطبيق النظام الذي يرضي الله، بدستوره وقوانينه المنبثقة عن العقيدة الإسلامية وحدها، دون الالتفات إلى أي اعتبار آخر.
إن الطامات السياسية الكبرى لسياسة الخضوع لأمريكا الحاقدة على الإسلام والمسلمين قادمة، وقد بدأت في الظهور جليا في موافقة الإدارة الحالية للمرحلة الانتقالية في دمشق بتاريخ 10/11/2025م على الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة "الإرهاب"، والرضا بإجراء مفاوضات أمنية مع كيان يهود برعاية أمريكية، لإنشاء آلية أو قناة اتصال معه لتجنب الاحتكاك العسكري على الحدود، وخفض التصعيد، وتجاهل اعتداءاته وتوغلاته في الأراضي السورية، وعدم الرد على كل ذلك، بذريعة عدم الانجرار إلى حرب خاسرة كما يزعمون!
وبانتظار مجلس الشعب القادم قضايا خطيرة للمصادقة عليها، ولن يتعدى دور أعضاء مجلس الشعب فيه إلا أن يكونوا شهود زور أمام الناس، يتم خداع الناس والرأي العام من خلالهم بأن ما حصل هو "إرادة الشعب" وليس مطالب دولة وحكام بضغط أمريكي.
ومن هذه القضايا السياسية الخطيرة، التي يراد لمجلس الشعب المصادقة عليها، الإعلان الدستوري وترسيخ الدستور الوضعي وشكل الدولة الجمهوري، خلافاً لما كان يطالب به أهل الشام في ثورتهم من إقامة حكم إسلامي خالص.
إضافة لقضية أخرى خطيرة جداً، وهي مسألة عقد الاتفاقيات مع كيان يهود، والاعتراف به، وباغتصابه لأرضنا ومقدساتنا، وهذا ما ندعو كل الصادقين للوقوف في وجهه ورفضه رفضاً تاماً، والاستعداد لمنع حدوثه قبل وقوعه، فيهود يحتلون بلادنا، والمواجهة معهم هي مواجهة حتمية، يجب أن نستعد لها استعداداً تاماً، دون أن ننخدع بوعود تخديرية يتم تسويقها لنا.
صحيح أن إدارة المرحلة الانتقالية خففت من توجهها للموافقة على توقيع الاتفاقات مع كيان يهود، إلا أن ذلك أمر مؤقت. فاختيار سياسة التبعية وإرضاء أمريكا، يعيق اتخاذ قرارات مستقلة، بناء على مصالح البلاد.
كما أن توقيع اتفاق بين لبنان وكيان يهود بتاريخ 26 حزيران 2026م، والذي يعتبر إطاراً سياسياً وأمنياً، الهدف منه إنهاء المواجهة بين لبنان وكيان يهود والاعتراف به، ووضع مسار لتسوية أوسع، يعتبر سابقة سيتم العمل على استنساخها في سوريا، بدفع أمريكي وتواطؤ إقليمي.
وتعتبر ثروات البلاد مطمعاً وهدفاً لأمريكا وشركاتها للسيطرة عليها، بالحصول على الامتيازات ودفع البلاد لسياسة السوق الحرة والخصخصة، وهذا يتطلب من مجلس الشعب، بوصفه السلطة التشريعية، سن القوانين التي تسمح بذلك، وتصادق على الاتفاقيات التي تتعلق بهذا الجانب، ما يجعل مقدراتنا وثرواتنا بأيدي أعدائنا، فضلاً عن أن ذلك مدخل لفرض هيمنة أمريكا على كل المجالات، ما يمهد لترسيخ التبعية المطلقة، ويجعل الانعتاق منها أكثر صعوبة.
إن الأخطار والصعوبات التي تواجهنا وتنتظرنا كبيرة، ولا يكون علاجها بترسيخ التبعية وأشكال الحكم الوضعية، بل بإقامة الحكم الذي ارتضاه الله لنا، حكم الإسلام، الذي به وحده تحل كل مشاكلنا، ونحقق عزّنا ونصرنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة.
بقلم: الأستاذ علي مصطفى البكري
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
المصدر: جريدة الراية



