الأربعاء، 30 محرّم 1448هـ| 2026/07/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-15

 

جريدة الراية:

هل إعادة الإعمار

وبناء الاقتصاد يبرّران حالة الانبطاح؟!

 

 

برزت زيارة رئيس فرنسا لدمشق حدثا مميزا ولافتا لاهتمام المتابعين والمعلقين السياسيين، من حيث كونها أول زيارة لحاكم دولة من الدول الكبرى. وكان شكل الاستقبال مدعاة لمزيد من التعليقات والانتقادات والجدل المتبادل، إذ شكّل تكريمه باستقباله في المسجد الأموي بما له من رمزيته الدينية والتاريخية والحضارية، صدمة لكثير من المسلمين داخل سوريا وخارجها، لا سيما أنه اشتهر بعداوته الوقحة لفظاً وممارسةً للإسلام والمسلمين.

 

وكالعادة حظي سلوك السلطة السورية هذا بسيل من التبريرات والتسويغات التي تنطلق من التسليم لأي قرار يتخذه ولأي تصرف يتصرفه، على قاعدة أنّ الحاكم أدرى بما يصلح لسياسة البلاد، وعلى قاعدة الانقياد الأعمى الذي هو من مظاهر انحطاط الأمم!

 

وكان من أبرز المبررات التي سيقت لتسويغ هذا الاستقبال المهين وغير اللائق بأمة القرآن أنّ علاقات سياسية متينة وودية مع الدول الكبرى من شأنها أن تسهم في النهوض الاقتصادي وإعادة إعمار سوريا، بخاصة وأنّ العنوان الأساسي لهذه الزيارة هو اتفاقات التعاون الاقتصادي والاستثمار الفرنسي. إذ إن أهم أهدافها كما بدا واضحا في برنامج الزيارة تعزيز التعاون الاقتصادي والمشاركة في إعادة إعمار البلاد، إذ تسعى فرنسا لأن تؤدي دوراً رئيساً في إعادة إعمار البنية التحتية والمؤسسات المدنية السورية المتضررة من الحرب. وقد اصطحب ماكرون وفدا يضم الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الفرنسية - منها توتال إنيرجي لقطاع الطاقة، وسي إم إيه سي جي إم للموانئ واللوجستيات - لاستكشاف فرص الاستثمار وإعادة تفعيل التبادل التجاري. كما شملت المباحثات عقد اتفاقيات في مجالات السياحة والزراعة والصناعة والنقل الجوي والبحري - منها توريد طائرات إيرباص - والخدمات المصرفية.

 

وعليه فإن هذه الزيارة عنوانها باختصار مسارَعة ماكرون ليحجز لبلاده وشركاتها الاستثمارية حصتها من ورشة الإعمار والاستثمار المتوقعة في سوريا والتي تهيمن أمريكا على قرارها الأعلى. إذ إن التوقعات السياسية ترسم في مستقبل منطقة شرق المتوسط، لا سيما في منطقة الشام، صورة ورشة استثمارية عملاقة تجعل منها منجما هائلا، بل مجموعة من المناجم المالية التي يسيل لها لعاب شركات الحيتان المتحكمة بالدول الرأسمالية الكبرى وسياساتها.

 

ورغم أن برنامج الزيارة لم يقتصر على الجانب الاقتصادي والاستثماري، فهذا المقال سيركز على الجانب الاقتصادي من حيث هو العنوان الأبرز للزيارة، وأيضا من حيث هو الذريعة الأبرز التي يتذرع بها المطبلون لهذه الزيارة والمسوغون والمهللون لها.

 

بداية، لا بد من التأكيد مجددا أن أمة تحمل رسالة الله لعباده لا يجوز مطلقا أن تجعل المنافع المادية الاقتصادية في أعلى سلم أولوياتها. إذ إنّ ما يتربع في أعلى هذا السلم هو المبدأ، أي هو الإسلام نفسه، وبتعبير آخر هي سيادة الشرع على الأمة ودولتها وسياستها، بحيث لا يجوز مطلقا أن يفرّط بشيء من سيادة الإسلام وشريعته في المجتمع والدولة من أجل مكاسب مادية مهما كان حجمها كبيرا، على الرغم من أهمية الاقتصاد الذي هو عصب الحياة كما يوصف. ومما تقتضيه سيادة الشرع ويأتي بعدها مباشرة في سلّم أولويات الأمة والدولة سلطان الأمة في دولتها وأرضها وممتلكاتها، بحيث يكون قرار البلاد السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي حكرا عليها، فلا يكون للأجنبي مدخل مطلقا إلى سيادة الدولة وسلطانها على أرضها وقراراتها السياسية، قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، والمعنى كما قال المفسرون أن الله تعالى يحرّم أن يكون للكافرين سلطان على المؤمنين.

 

ففضلا عن أن الأولوية في الإسلام هي لسيادة الشرع لا للاقتصاد ولا لغيره، فإن ما يهلل له كثير من الناس من أن هذه العلاقات التي تتجاوز حدود الشرع ستنعكس نهوضاً اقتصادياً في البلاد هو محض وهم، وينمّ عن جهل بالسياسة والاقتصاد والشرع معا. فالنهج الذي تسير عليه السلطة السورية في مجال الاقتصاد ليس هو النهج الذي يجلب لها الأمن الاقتصادي، بل هو النهج الذي يجعل اقتصاد سوريا، ومن ثم سوريا برمتها، رهنا للإرادة الأجنبية. ولفهم هذا الكلام لا بد من توضيح مفهومَين سياسيَين متقابلَين يغيبان مع الأسف عن معظم المسلمين، في سوريا وسائر البلاد الإسلامية، نتيجة ضعف الثقافة السياسية والاقتصادية، فضلا عن الضعف في الثقافة الإسلامية. هذان المفهومان هما: اقتصاد التبعية والاقتصاد السيادي.

 

أما اقتصاد التبعية، فهو يعتمد على الخارج وربط المصير الاقتصادي بدول أو مؤسسات أجنبية. ويجعل الدولة خاضعة لإملاءات القوى الكبرى أو المؤسسات المالية الدولية من مثل صندوق النقد الدولي، وشروطها للحصول على القروض أو المساعدات. وغالباً ما يكون اقتصاداً ريعياً أو أحادياً، يعتمد على تصدير الموادّ الخام، والأخطر هو سيطرة الشركات الأجنبية الكبرى على استخراج هذه الموارد وتصديرها، مع تحويل الأرباح للخارج وتهميش العمالة المحلية. واقتصاد التبعية هذا يستورد معظم الاحتياجات الأخرى، فيستورد أغلب احتياجاته الحيوية من الخارج، ما يجعله رهينة للتقلبات في الأسواق العالمية والضغوط السياسية للدول المصدرة. كما ترتبط عملته المحلية كلياً بعملة أجنبية كالربط التام بالدولار، أو يعاني من تضخم مفرط وانهيار مستمر في القيمة نتيجة الديون.

 

وأما الاقتصاد السيادي، فهو يعتمد على قرار الدولة المستقل وتحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث تملك الدولة القدرة الكاملة على رسم سياستها المالية والنقدية دون ضغوط أو إملاءات خارجية. ويتسم بالتنوع، من صناعة وزراعة وتكنولوجيا لتقليل الاعتماد على استيراد السلع الأساسية والمواد الغذائية. فيحرص على تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الاستراتيجية؛ من القمح والأدوية والطاقة وغيرها، لحماية أمن أمته من الحصار أو التقلبات السياسية. ويدير الموارد الطبيعية من الموادّ الخام والطاقة؛ النفط والغاز والمناجم بأيدٍ محلية ولصالح التنمية المحلية ولبناء بنية تحتية قوية. وإن احتاج مرحليا للاستعانة بخبرات أجنبية فإنه يتعاقد معها إلى أجل محدد لقاء أجرة تتقاضاها، وليس بأن يمنحها امتيازات الاستخراج والبيع فيجعل ثروات البلاد نهبا للأجنبي. إضافة إلى ذلك كله يمتلك الاقتصاد السيادي عملة مستقلة، هي في شرع الإسلام الذهب والفضة أو أوراق نائبة عنهما نيابة حقيقية بحيث تساوي وحدة العملة وزنا محددا ثابتا من الذهب أو الفضة، وتدعم بإنتاج حقيقي واحتياطيات متنوعة، ما يمنحه حصانة في مواجهة الأزمات.

 

وفضلا عن ضرورة اعتماد الاقتصاد السيادي ينبغي على الدول التي هي في حالة حرب، أو عرضة لحرب محتملة قريبا أن تعتمد ما يسمى باقتصاد الحرب، ولا تغامر بأهلها وبلادها وأموالها باعتماد اقتصاد السلم، وهذه ثنائية أخرى تتطلب مقالة مستقلة.

 

ويا للأسف، ما نراه اليوم من نهج اقتصادي في سوريا الجديدة هو اقتصاد تبعية أبعد ما يكون من الاقتصاد السيادي. وبينما نحن في حالة حرب مستمرة لا يجوز أن تتوقف مع كيان يهود الغاصب يمضي حاكم سوريا في خطط أبعد ما تكون من اقتصاد الحرب، ما يؤكد أنه ينظر إلى مستقبل قريب للمنطقة لا وجود فيه لحالة الحرب مع الكيان الغاصب، بل يكون جارا طبيعيا يتكامل اقتصاده مع اقتصاد سوريا وسائر المنطقة، وهذا ما تخطط له أمريكا، بل ما هي ماضية قدماً في تنفيذه.

 

بقلم: الأستاذ أحمد القصص

 عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع