- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-15
جريدة الراية:
مغزى تجدد الهجمات
بين أمريكا وإيران
جددت أمريكا هجماتها على إيران يوم 12/7/2026، وأعلنت قيادتها المركزية أن هذه الجولة الثالثة من الهجمات خلال أسبوع جاءت بعد أن شنت قوات الحرس الثوري الإيراني هجوما سافرا على سفينة حاويات أثناء عبورها مضيق هرمز، وأعلنت أنها "أصابت 140 هدفا عسكريا إيرانيا".
بينما أعلن الحرس الثوري أنه "أصاب سفينتين، وأغلق المضيق إلى إشعار آخر، وحتى انتهاء التدخلات الأمريكية في المنطقة، وأنه قصف قاعدة عسكرية أمريكية في قطر".
وقد شنت أمريكا هجمات طالت 170 موقعا إيرانيا يومي 7 و8/7/2026. وأعلنت قيادتها أن الهجمات جاءت ردا على هجمات إيرانية على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز. بينما أعلنت إيران ردها بهجمات على القواعد والمصالح الأمريكية في دول عربية.
ورغم ذلك، ورغم تصريحات رئيس أمريكا ترامب بأن وقف إطلاق النار قد انتهى، إلا أنه صرح "أنه منفتح على استمرار المفاوضات". وقال يوم 11/7/2026: "طلبت منا إيران أن نواصل المباحثات، وافقنا على القيام بذلك، لكن أبلغتهم أن وقف إطلاق النار انتهى". فمثل أمريكا كالذي يضع المسدس على رأس الطرف الآخر حتى يوقّع!
بينما قال رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين قاليباف: "مضيق هرمز لن يفتح إلا بترتيبات إيرانية وليس بتهديدات أمريكية"، حيث تريد إيران فرض رسوم جمركية على السفن أو رسوم مقابل خدمات. ويبدو أن أمريكا تريد من إيران فتح مضيق هرمز بدون شروط، حيث لم ترد تفصيلات تتعلق بهذا الأمر في مذكرة التفاهم.
ومن هنا يفهم أن المفاوضات على البنود الـ14 من مذكرة التفاهم، ستكون طويلة وشاقة، وخلافات على تفاصيلها وكيفية تطبيقها، فهي مليئة بالألغام وسرعان ما يقع انفجار في كل نقطة. لأن هدف أمريكا من توقيعها هو جعل إيران دولة تابعة بعدما عجزت عن تحقيق ذلك بالحرب التي شنتها يوم 28/2/2026 مدة أربعين يوما وقتلت 40 من قادتها الكبار على رأسهم مرشدها. ولهذا أعلنت وقفها يوم 8/4/2026 واستعدادها لاستئناف المفاوضات حتى وقعت مذكرة التفاهم يوم 18/6/2026 إلكترونيا بين رئيسيهما ترامب وبزشكيان.
إن توقيع إيران على المذكرة وسيرها في المفاوضات بهدف توقيع اتفاق نهائي يعيد إيران للسير في فلك أمريكا بعد حصول قطيعة بينهما مدة أربعة أشهر، ويعد تنازلا كبيرا بعد صمودها هذه المدة ولم تنل أمريكا خيرا.
ويظهر أن أمريكا لن ترضى عن ذلك، لأن هدفها جعل إيران دولة تابعة، وسوف تمارس الضغوطات، من هجمات عسكرية، وفرض عقوبات كما فعلت مجددا، والمماطلة في الإفراج عن الأموال المجمدة، والمراوغة في تنفيذ كافة البنود. ولكنها من المستبعد أن تتخلى عن مذكرة التفاهم، فهذا إنجاز مهم لها، ولا عن المفاوضات. ولهذا تشير وراء كل عدوان إلى رغبتها باستئناف المفاوضات، وتحرك الوسطاء (الأدوات) من أجل ذلك. فقد تحركت قطر وأرسلت وفدا يوم 10/6/2026 إلى إيران. وتحركت باكستان واتصل وزير خارجيتها بنظيره الإيراني، وطالب إيران "بخفض التصعيد وضبط النفس" أي عدم الرد على هجمات أمريكا وعدم التعرض للسفن الماخرة في مضيق هرمز. وشدد على أن "الحوار والدبلوماسية هما السبيل الوحيد لحل النزاعات وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة". وقام وزير خارجية إيران بزيارة لسلطنة عُمان، وكتب على منصة إكس يوم 11/7/2026 "إيران أوفت بكلمتها حتى الآن، على عكس ما يسمى بوزير الخزانة الأمريكي الذي ينتهك الفقرة التاسعة من مذكرة التفاهم" التي تنص على أن "أمريكا تمتنع عن فرض عقوبات جديدة على إيران"، حيث فرضت عقوبات جديدة على 14 فردا وعلى كيان واحد.
كشفت صحيفة وول ستريت يوم 11/7/2026 أن "إيران أبلغت أمريكا أن إطلاق النار على سفن تجارية في مضيق هرمز كان خطأ"، ودعتها إلى "مواصلة المفاوضات". فكأن السياسيين الإيرانيين يبلغون أمريكا شيئا؛ لأن هدفهم الاستمرار في المفاوضات والسير في ركاب أمريكا، ولكن قادة الحرس الثوري يبلغون شيئا آخر، فيتعمدون ضرب السفن حتى يعرقلوا كل ذلك وهم يعملون للاستقلال عن أمريكا؛ لأنه بعد هذا الكشف قام الحرس الثوري بضرب سفينتين مجددا.
وقد أعلن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي موافقته السياسيين في موضوع مذكرة التفاهم وفي الاستمرار بالمفاوضات. ولكن الحرس الثوري سكت على مضض ولا يريد ذلك ويسعى للاستقلال.
وكأن المرشد يمسك العصا من منتصفها ليوازن بين الطرفين، ولهذا تعهد في رسالة خطية نشرت يوم 11/7/2026 "بالثأر لدماء القائد الشهيد، وجميع شهداء الحربين الأخيرتين من الجناة المجرمين المدانين"، وادّعى أن "أحرار العالم سيبدؤون قريبا جزءا من مهمة الانتقام". وجاء ذلك وسط مظاهر التشييع والدفن للمرشد في مدينة مشهد. ومثل ذلك ذكر والده المرشد السابق عندما قتلت أمريكا قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020 وغيره من القادة الإيرانيين.
فهذه الرسالة لا تظهر توجها لرفض مذكرة التفاهم والتخلي عن المفاوضات، وإنما هي للتنفيس عن المشاعر الغاضبة والمطالبة بالانتقام، ولطمأنة الداخل، والتأكيد على استمرار ثوابت النظام.
وقابله ترامب يوم 11/7/2026 بالقول "هناك ألف صاروخ جاهز للإطلاق وموجه نحو إيران تليها آلاف الصواريخ.. إذا نفذت تهديداتها التي أعلنت عنها في شتى أنحاء العالم باغتيال أو محاول اغتيال الرئيس الحالي لأمريكا وهو أنا. أعطيت الأوامر، والجيش الأمريكي مستعد وقادر لمدة عام واحد قابل للتمديد على إبادة وتدمير جميع مناطق إيران كليا". واعتبر "التهديدات الإيرانية ليست جديدة، وإن إسرائيل لم تقدم معلومات جديدة". وذلك بعد تقارير عن معلومات استخباراتية قدمها كيان يهود لأمريكا. علما أن ترامب هدد إيران في نيسان الماضي "بإبادة حضارتها كليا إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق".
إن الوضع السياسي الحالي يشير إلى رغبة إيران وأمريكا في الحفاظ على مذكرة التفاهم والاستمرار في المفاوضات حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، بجانب استمرار أمريكا في ممارسة كافة الضغوطات حتى يتم ذلك. وفي المقابل فإن الحرس الثوري يحاول العرقلة، ويتصرف كأنه صاحب القرار، فيطلق النار على السفن ويغلق المضيق، وفي الوقت نفسه لا يظهر مخالفته لقرار المرشد. وكأنه يريد أن يفرض واقعا جديدا بتعطيل المفاوضات بشكل نهائي حتى يضطر المرشد إلى قبول هذا الواقع ومن ثم العمل على الاستقلال.
ولا يكفي العمل على الاستقلال، ولكن يجب على إيران أن تعلن التخلي عن التعصب المذهبي المقيت الذي يفقدها الكثير والكثير، وأن تعدل دستورها وتجعله مستندا إلى القرآن والسنة وتجعل البلد نقطة ارتكاز لدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ أسعد منصور
المصدر: جريدة الراية



