الخميس، 16 صَفر 1448هـ| 2026/07/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-29

 

جريدة الراية: أزمة صواريخ S-400 الروسية

بين أمريكا وتركيا

 

 

تعود بنا هذه الأزمة إلى ثورة الشام؛ حيث دخلت روسيا إلى سوريا لتأمين مصالح أمريكا، ظانة أنها ستقدم لها مكافآت وامتيازات وترفع عنها العقوبات، ولعلها تغض الطرف أيضاً عن استيلائها على شبه جزيرة القرم.

 

ولما طالت الثورة وتبين لروسيا أنها دخلت مستنقعاً، أدركت أمريكا أن روسيا باتت تعي هذا الخطر، فخشيت منها أن تستعجل القيام بأعمال غير محسوبة أمريكياً. فأوعزت إلى تركيا أن تشترك مع روسيا فيما يشبه التحالف؛ لكي تضبط إيقاع هجماتها بحيث لا تتجاوز الحدود المرسومة، وهي: عدم القضاء على المعارضة المجمّعة في إدلب قبل انتهاء مشروع أمريكا للحل النهائي للأزمة السورية؛ لأن أمريكا تريد بقاء المعارضة لتتفاوض مع النظام عند صياغة الحل النهائي. وفي الظاهر، كانت تركيا تبدو صديقة للثورة، بينما تبدو روسيا صديقة للنظام.

 

وقد تأزمت العلاقات بين روسيا وتركيا بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية. ولأن أمريكا كانت مهتمة بتوافق الطرفين، فقد رأت أن تعتذر تركيا وتتقارب مع روسيا، وهذا ما حدث بالفعل. فبعد أن كانت تركيا تؤكد أن الطائرة الروسية اخترقت أجواءها وأنها لا تستحق الاعتذار، تراجعت وقدمت الاعتذار في 27 حزيران/يونيو 2016.

 

وصرح الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف حينها قائلاً: "إن الرئيس التركي عبر عن تعاطفه وتعازيه الحارة لعائلة الطيار الروسي الذي قُتل، كما قدم اعتذاره"، مضيفاً أن أردوغان أكد أنه "سيبذل كل ما بوسعه لإصلاح العلاقات الودية التقليدية بين تركيا وروسيا" (العربية، 2016/6/27).

 

عقب ذلك، أصبحت العلاقات جيدة جداً، ودخل أردوغان مع بوتين في اتفاقات ولقاءات مستمرة؛ حيث اتصل به تلفونياً في 2016/6/29، وبحسب مصادر في الرئاسة التركية: (تمت المكالمة في أجواء ودية للغاية). ثم ظهرت تركيا وروسيا في مظهر الأصدقاء، فصار أردوغان يخاطب بوتين بالصديق، وأصبح التعاون بينهما في الشام والمكر على أشده، ممن يُظن أنه صديق مقرب مع عدو ظاهر يقتل المسلمين ويقصف البيوت بالصواريخ.

 

واستمر هذا الوضع حتى أواخر عام 2017، عندما تأزم موقف روسيا وأخذت تلوّح بالقضاء على المعارضة في إدلب. وكان هذا الأمر بالغ الحساسية لدرجة خشيت معها أمريكا من أن تركب روسيا رأسها وتخرج عن طوعها، فتعمد إلى شن هجوم نهائي على إدلب قبل نضوج حل أمريكا السياسي للأزمة السورية. في هذه المرحلة، كان من الضروري أن تتقارب تركيا مع روسيا بقوة فيما يشبه التحالف، ومن ثم لا يقع هجوم كاسح على إدلب إلا بموافقة الطرفين.

وهكذا ولدت صفقة منظومة S-400 بمبلغ 2.5 مليار دولار، وهي صفقة مغرية لروسيا، خاصة في ظل أزمتها الاقتصادية والعقوبات الغربية عليها. وقد بررها أردوغان بأن الطيارين الأتراك قد اعتقل أكثر من نصفهم بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة منتصف تموز/يوليو 2016، ومن ثم فإن القوات الجوية التركية لم تعد تملك عدداً كافياً من الطيارين المؤهلين لاستخدام جميع مقاتلات F-16 التي بحوزتها؛ وإذن، فهي بحاجة إلى منظومة S-400 الروسية المتطورة لتعويض هذا النقص من الطيارين الذين يقودون الطائرات الحربية، وتأمين الدفاع الجوي للبلاد.

 

فرحت روسيا بهذه الصفقة، ولكن تركيا اشترطت بدايةً التعاون في الإنتاج المشترك للمنظومة، وهو ما رفضته روسيا، فعادت تركيا لتقبل بالصفقة دون هذا الشرط، لكنها استطاعت من خلالها وقف هجوم روسيا على إدلب آنذاك. وكانت أمريكا تعلم بشأن الصفقة ولم تتخذ في البداية موقفاً متشدداً منها، بل تركت الأمور تسير بهدوء؛ حتى إذا تحقق لها ما أرادت، عادت وفتحت الملف ومارست الضغوط مجدداً. ولأن تركيا تدرك مخاطر هذه الأزمة، أبقت تلك المنظومة مخزنة ولم تستخدمها أو تنشرها، خاصة بعد عقوبات أمريكا بموجب قانون "كاتسا"، وهو تشريع أمريكي صدر عام 2017 لفرض عقوبات على الدول التي تعقد صفقات عسكرية كبرى مع روسيا، وكان من أبرز نتائجه استبعاد تركيا بالكامل من برنامج مقاتلات الجيل الخامس F-35.

 

وبعد لقاء ترامب وأردوغان في قمة الناتو التي انعقدت مؤخراً في تركيا، تم الاتفاق على الكثير من القضايا، ومنها رفع العقوبات عن تركيا مقابل التخلي عن منظومة S-400، وكان المقترح يتضمن بيعها لدولة خليجية. وبمعنى أدق: فإن شراء المنظومة كان لاعتبارات سياسية بضوء أخضر أمريكي تتعلق بثورة الشام، والتخلي عنها وبيعها جاء أيضاً بضوء أخضر أمريكي يرتبط بالحرب الأمريكية-الإيرانية. وفي كلتا الحالتين، قامت تركيا أردوغان بذلك خدمة لمصالح أمريكا.

 

وهذا يعني موافقة أردوغان على المشاركة في الحرب بدور ما، وهنا قد لا تكون المشاركة عبر هجوم مباشر على إيران أو انخراط فعلي في القتال، وإنما بفتح القواعد العسكرية، واستخدام الأراضي التركية، وتفعيل الاتفاقيات الدفاعية بين تركيا ودول الخليج.

 

ويؤكد هذا الأمر صلابة العلاقة بين ترامب وأردوغان، وحجم المدح الكبير الذي يطري به ترامب على أردوغان، وحديثه عن أن أردوغان امتنع عن المشاركة في الحرب ضد كيان يهود لأجل علاقته بترامب؛ تلك العلاقة التي قامت على حساب المقدسات والدماء والأعراض وغزة. ولكن هناك عقولاً زُيّن لها الباطل فلم تعد ترى الحق، وأخذت تمجد الباطل لمجرد مقارنته بغيره.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

بقلم: الأستاذ حسن حمدان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع