الخميس، 16 صَفر 1448هـ| 2026/07/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-29

 

جريدة الراية: 

المغرب في حسابات الأمن الأمريكي

هل يتحول إلى منصة أطلسية جديدة؟

 

 

لم يعد من الممكن قراءة التحول المتسارع في العلاقات العسكرية الأمريكية المغربية باعتباره مجرد شراكة تزاحم بريطانيا على النفوذ، وإنما نحن أمام تحرك جاد لسحب البساط من تحت أقدامها، يستغل ثغرة توتر العلاقة مع الجزائر.

 

فخلال فترة قصيرة، انتقلت العلاقة من مستوى التعاون الدفاعي الثنائي إلى مستوى أكثر تركيباً، عنوانه بناء شراكة طويلة الأمد تمتد لعقد كامل وتربط بين الجغرافيا المغربية والحسابات الأمنية الأمريكية في غرب المتوسط وأفريقيا.

 

ففي 16 نيسان/أبريل 2026، وقعت أمريكا والمغرب خارطة طريق للتعاون العسكري للفترة 2026-2036 في ختام أشغال الدورة الرابعة عشرة للجنة الاستشارية للدفاع الأمريكي المغربي. وجاء هذا الاتفاق باعتباره امتداداً لاتفاقية التعاون العسكري لمواجهة التهديدات المشتركة التي وقعت سنة 2020، والتي رسمت آنذاك إطاراً لعشر سنوات من التعاون الدفاعي بين البلدين.

 

لكن الفارق بين الاتفاقيتين يكمن في طبيعة المرحلة. فإذا كانت اتفاقية 2020 قد ركزت على تعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة التحديات الأمنية، فإن خارطة الطريق الجديدة تعكس انتقالاً نحو شراكة أكثر اتساعاً تشمل مجالات التكنولوجيا العسكرية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والتدريب، وتبادل الخبرات. وبذلك تصبح العلاقة أقل ارتباطاً بملفات ظرفية، وأكثر اتصالاً بتصور استراتيجي طويل المدى.

 

بعد ثلاثة أشهر تقريباً، جاءت الخطوة العملية الأبرز مع توقيع القوات المسلحة الملكية المغربية والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، يوم 13 تموز/يوليو 2026، مذكرة تفاهم لإنشاء المركز الأفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات (AMTEC)  بمدينة طانطان.

 

وقد جرى توقيع المذكرة بمقر قيادة "أفريكوم" في مدينة شتوتغارت الألمانية، من طرف الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا.

 

المشروع، الذي سيضم منطقة تدريب متعددة المجالات، وأكاديمية للطائرات المسيّرة، ومركزاً للابتكار والتجريب، يكشف أن الرهان لم يعد يقتصر على التدريبات العسكرية التقليدية، بل يتجه نحو مجالات أصبحت تحدد طبيعة الحروب الجديدة: الذكاء الاصطناعي، الحرب الإلكترونية، الأنظمة غير المأهولة، والقدرة على اختبار التكنولوجيا في بيئات عملياتية حقيقية.

 

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين خارطة الطريق والمركز المزمع إنشاؤه. فالمركز ليس مشروعاً منفصلاً، بل يبدو جزءاً من تصور أوسع يهدف إلى بناء قدرة عسكرية إقليمية مرتبطة بالمعايير والتكنولوجيا الأمريكية.

 

لفهم ذلك، يجب النظر إلى التحول الذي عرفته الاستراتيجية الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. فحلف شمال الأطلسي، الذي تأسس أصلاً لمواجهة الاتحاد السوفيتي والدفاع عن المجال الأطلسي، توسع دوره بعد انهيار الخصم التقليدي. ولم يعد نشاطه مقتصراً على الدفاع الجماعي داخل حدود أعضائه، بل انخرط في عمليات خارج مجاله الأصلي، كما حدث في البلقان ثم في ليبيا عام 2011.

 

هذا التطور لم يلغ أهمية الحلف، لكنه غيّر طبيعة عمله. فقد أصبحت أمريكا تعتمد بشكل متزايد على شبكة من الشركاء خارج العضوية الرسمية، دول تمتلك مواقع استراتيجية وقدرات إقليمية تسمح لها بلعب أدوار أمنية متقدمة. والمغرب يمثل إحدى هذه الحالات؛ فهو ليس عضواً في الناتو، لكنه حليف رئيسي لأمريكا من خارج الحلف، ويرتبط معها بعلاقات دفاعية متطورة، وهي تحاول من خلال هذه المحطات المتتالية تطويعه لرؤيتها الاستراتيجية التي تقوم على الحفاظ على النفوذ بأدوات أقل كلفة وأكثر اعتماداً على الحلفاء.

 

وتكمن أهمية المغرب في موقعه قبل أي شيء آخر. فهو يطل على المحيط الأطلسي، ويتحكم في مدخل غربي للبحر المتوسط، ويقع بالقرب من منطقة الساحل التي أصبحت إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً. لذلك فإن قيمته في الحسابات الأمريكية لا ترتبط فقط بقوته العسكرية، بل بجغرافيته التي تربط بين ثلاثة فضاءات استراتيجية: الأطلسي، والمتوسط، وأفريقيا الغربية.

 

وهنا تظهر أهمية البعد الأطلسي. فالمنافسة الدولية لم تعد تدور فقط حول القواعد العسكرية البرية، بل حول الموانئ، وطرق التجارة، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد. ومع تنامي حضور الصين اقتصادياً وروسيا أمنياً في أفريقيا، أصبحت أمريكا أكثر اهتماماً ببناء شبكة من الشركاء القادرين على حماية مصالحها في فضاء واسع يمتد من غرب أفريقيا إلى البحر المتوسط.

 

في هذا السياق، يكتسب المغرب أهمية إضافية بسبب علاقاته المتعددة: شراكة دفاعية مع أمريكا، علاقات اقتصادية مع أوروبا (يُراد إضعافها)، حضور اقتصادي متزايد في غرب أفريقيا، وانفتاح على مجالات تكنولوجية دفاعية جديدة بعد اتفاقات التطبيع مع كيان يهود.

 

لكن هذا التحول لا يمكن أن يمر دون تداعيات إقليمية، وخاصة بالنسبة للجزائر. فحتى لو لم يكن التعاون الأمريكي المغربي موجهاً ضدها بشكل معلن، فإن تغير موقع المغرب داخل الشبكات الأمنية الغربية سيؤثر بلا شك على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

 

فالجزائر تجد نفسها أمام واقع جديد: شريك غربي يعزز موقعه العسكري والتكنولوجي غرباً، ومنطقة الساحل التي كانت تشكل مجالاً حيوياً لها، تعرف إعادة ترتيب عميقة بعد تراجع النفوذ الفرنسي لصالح أمريكا، ومنافسة دولية متزايدة على أفريقيا.

 

غير أن هذه التحولات يمكن قراءتها أيضاً من زاوية مختلفة. فالجزائر تمتلك عناصر قوة كبيرة: موقعاً جغرافياً استراتيجياً، وموارد طاقية مهمة، وقدرات بشرية وعسكرية معتبرة. وقد تكون المرحلة الحالية فرصة لإعادة تعريف موقعها الدولي على أساس تنويع الشراكات، وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية محلية (وخاصة فيما يتعلق بالصناعات الثقيلة)، مع تقليل الاعتماد على الخارج.

 

فالتجربة الدولية تظهر أن الدول التي تحافظ على استقلال قرارها ليست بالضرورة تلك التي تبتعد عن الجميع، بل هي التي تمتلك القدرة على التعامل مع القوى الكبرى من موقع الندّية. وهذا الدرس قد يكون مهماً للجزائر ولكل من يريد التحرر من ربقة الاستعمار.

 

في النهاية، فإن خارطة الطريق العسكرية الأمريكية المغربية ومشروع AMTEC في طانطان يعكسان تحولاً في طبيعة بناء النفوذ في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد القوة تبنى فقط بالقواعد العسكرية، بل بشبكات الشراكة والتكنولوجيا ومراكز التأثير.

 

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول المغرب فعلاً إلى إحدى ركائز البنية الأمنية الأمريكية في الأطلسي وأفريقيا؟ لكن السؤال الأعمق: هل ستظل منطقة المغرب العربي مجالاً تتنافس فيه مشاريع الآخرين، أم أنها قادرة على استعادة دورها التاريخي عبر مشروع حضاري ذاتي يعيد للمنطقة مكانتها؟

 

فالخلافة الراشدة الموعودة، بما تحمله من قيم العلم والعمران والعدل، يمكن أن تشكل إطاراً لبناء نهضة حقيقية تجعل من شمال أفريقيا فاعلاً في صناعة المستقبل، لا مجرد ساحة تتشكل فيها خرائط النفوذ الدولي، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع