- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-09
جريدة الراية: المضائق المائية
مفاتيح التجارة العالمية بيد من؟
المضائق المائية ليست مجرد ممرات بحرية، بل هي شرايين التجارة والطاقة في العالم. ومن هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، تمر طرق حيوية تربط الشرق بالغرب، وأي اضطراب فيها لا يبقى محصوراً في المنطقة، بل ينعكس على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والاقتصاد العالمي.
لهذا تمتلك الولايات المتحدة، بحكم وجودها العسكري وتحالفاتها في الشرق الأوسط، قدرة كبيرة على التأثير في أمن هذه الممرات. وهي لا تحتاج إلى امتلاك المضائق قانونياً؛ إذ يكفي أن تكون القوة الأقدر على حماية الملاحة أو رفع مستوى المخاطر فيها.
وهنا تأتي أهمية مضيق هرمز؛ فهو ليس قضية إيرانية-أمريكية فحسب، بل ورقة ضغط تمس الصين وأوروبا قبل غيرهما. فالصين تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وأوروبا تتأثر مباشرة بأسعار النفط والغاز وتكاليف النقل. لذلك فإن أي اضطراب في هرمز يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية تتجاوز حدود الخليج.
أمريكا لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق؛ فإغلاقه سيضر بالاقتصاد العالمي، وربما بالاقتصاد الأمريكي أيضاً. والأهم هو امتلاك القدرة على التأثير في أمنه واستقراره وحرية الملاحة فيه، وهذا ما تعمل عليه أمريكا، وبالتالي استخدامه كورقة تفاوض في صراعها مع إيران ومع منافسيها.
ومن هنا يمكن فهم تحركات أمريكا تجاه نفوذ إيران في المنطقة، والعراق تحديداً. فالمسألة قد لا تكون مجرد قصقصة أذرع إيران، وإنما تجريدها من نفوذها، بحيث لا يتحول إلى تهديد لمصالح أمريكا أو لحركة الملاحة والطاقة.
وقد يكون السيناريو الأكثر واقعية أن تعود الملاحة إلى طبيعتها، لكن ضمن تفاهمات إقليمية أوسع، تكون واشنطن طرفاً أساسياً في صياغتها.
وهنا تكمن المفارقة: العالم يريد مضيق هرمز مفتوحاً للجميع، بينما تريد الولايات المتحدة أن تكون هي صاحبة الكلمة في أمنه. فالمعركة الحقيقية ليست على المضيق وحده، بل على من يملك مفتاح أمنه، ومن يستطيع التأثير في الطريق الذي تسلكه التجارة العالمية.
لذلك، قد يكون هرمز في النهاية ورقة تفاوض أمريكية-إيرانية تتجاوز حدود الخليج، لتصل آثارها إلى الصين وأوروبا والاقتصاد العالمي بأسره.
فالمعركة الحقيقية ليست على المضيق، بل على مفاتيحه.
وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى هرمز باعتباره قطعة جغرافية معزولة؛ إنه جزء من صراع أكبر على النفوذ والطاقة والتجارة والأمن.
إيران تريد الاحتفاظ بأوراق القوة التي تمنحها وزناً في مواجهة أمريكا. والصين تريد طريق تجارة وطاقة آمناً ومستقراً، وأوروبا تريد ألا تتحول الطاقة والممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز جيوسياسي. أما أمريكا فتريد الحفاظ على موقعها باعتبارها القوة التي لا يمكن تجاوزها في أمن الشرق الأوسط.
لذلك، فإن عودة مضيق هرمز إلى طبيعته قد لا تكون مجرد نهاية لأزمة عابرة، بل قد تكون جزءاً من صفقة أكبر؛ صفقة تعود فيها الملاحة إلى طبيعتها، وتبقى التجارة العالمية تتحرك، لكن ضمن ترتيبات أمنية جديدة تحدد من يملك القدرة على التأثير في هذا الشريان الحيوي.
وهنا تكمن المفارقة: التجارة العالمية تريد مضائق مفتوحة للجميع، لكن أمريكا تريد أن تكون هي من تملك مفتاحها.
وفي هذا الصراع، لا يصبح مضيق هرمز مجرد ممر مائي بين إيران والخليج، بل يتحول إلى إحدى أهم أوراق التفاوض في صراع دولي على مستقبل الطاقة والتجارة والنفوذ.
فمن يملك أمن المضائق، يملك القدرة على التأثير في الطريق الذي تسلكه التجارة العالمية.
وهذا في عالم تتشابك فيه الطاقة بالاقتصاد والسياسة والأمن. لذلك يبقى هرمز ورقة ليست صغيرة أبداً.
بقلم: الأستاذ مؤنس حميد – ولاية العراق
المصدر: جريدة الراية



