- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-23
جريدة الراية:
سعيٌ حثيث من نظام أحمد الشرع
للتطبيع مع يهود
لا يخفى على كل متابع خبير بمجريات الأحداث ما آلت إليه العلاقات بين سوريا وكيان يهود في الآونة الأخيرة، حيث شهدت الساحة الميدانية تصعيداً لافتاً قامت فيه قوات الكيان الغاصب باستهداف مطار أبو الظهور العسكري، متذرعة بوجود قوات تركية في الموقع.
وجاءت تصريحات ساسة هذا الكيان لتؤكد خطاً أحمر مفاده أنه لن يسمح بتأسيس قواعد أو نقاط ارتكاز تركية في أراضي سوريا، حتى وإن كانت في الشمال كما هو الحال في مطار أبو الظهور.
وفي المقابل، جاءت تصريحات الشيباني لتنفي وجود أي قوات أجنبية حسب كلامه، مقترنة بإدانة لفظية باهتة لهذه الاستهدافات، في موقف متكرر وممجوج يحاكي تماماً ردود نظام آل أسد على مر عقود طويلة تجاه كيان يهود واعتداءاته المتكررة دون أفعال حقيقية تردع عدوانه بل تزيله من البلاد.
وبدل الرد العسكري القاصم على هذا الخرق والعدوان، سرعان ما تم الإعلان عن لقاء احتضنه الأردن، جمع وزير خارجية سوريا مع رئيس الموساد في كيان يهود. وتمحورت المباحثات في هذا اللقاء الاستخباراتي رفيع المستوى حول دفع عجلة التطبيع نحو الأمام تحت مسميات براقة ومخادعة من قبيل "الاتفاق الأمني وتهدئة الحدود". ورغم التكتم الشديد والسرية المطلقة التي تحيط بالبنود التي يتفق عليها الطرفان خلف الأبواب المغلقة، إلا أن ما يرشح منها عبر التسريبات والمؤشرات السياسية كفيل بأن يرسم معالم الاتفاق العريضة؛ والتي تهدف بالأساس إلى تأسيس غرفة عمليات أمنية مشتركة تضم كيان يهود وسوريا وتركيا، تحت إشراف ورعاية أمريكية مباشرة ومكشوفة.
وبعد أسبوعين فقط من لقاء الأردن، التقى وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني، خلال زيارة غير معلنة مسبقاً إلى تركيا، نظيره التركي حقان فيدان ومبعوث أمريكا الخاص إلى سوريا والعراق، السفير في أنقرة توم برّاك. وأشارت مصادر مطلعة للعربي الجديد إلى أن المسائل الأمنية وإعادة ترتيب الملفات الإقليمية تصدّرت جدول المحادثات. ورغم العتمة الإعلامية وغياب التصريحات الرسمية التفصيلية عن فحوى هذه اللقاءات، إلا أن المؤشرات تؤكد أنها تأتي في سياق العمل الحثيث على إتمام صيغة الاتفاق النهائي مع كيان يهود. ولعل التعليق الصريح من برّاك على اللقاء بمدح الشيباني عبر تغريدة على منصة إكس، يختصر المشهد كاملاً، إذ يعكس رضا أمريكا عن المسار والانضباط الذي تسير فيه سوريا في رسم علاقاتها الإقليمية والدولية وفق الرؤية الأمريكية.
وهنا، وأمام هذا المنزلق الخطير والمرحلة المفصلية، لا بد لنا من الوقوف عند عدة وقفات أساسية، لعلها تعيد للأذهان التضحيات الجسام وما أريقت لأجله الدماء الزكية، وتذكر بالأهداف والغايات الأصيلة التي خرج الناس لتحقيقها:
أولاً: وهم الرعاية الأمريكية وخديعة الحليف المتوازن. إن أمريكا، التي تمثل الداعم الرئيسي والسند المباشر لكيان يهود في حربه الضروس وإبادته لأهل غزة، لن تكون بحال من الأحوال صديقاً أو حريصاً على مسلمي الشام في الوقت نفسه. إن عداء أمريكا للأمة الإسلامية ثابت وواضح كالشمس لكل ذي بصر وبصيرة. بل إن الشواهد التاريخية القريبة تؤكد أنها كانت الداعم الضمني والمحرك الأساسي لضبط إيقاع الصراع لصالح النظام البائد في حربه على شعبه، وإن ادعت في العلن خلاف ذلك عبر تصريحات الخداع السياسي. لقد تركت أمريكا المجرم يقتل الناس ويهدم المدن فوق رؤوس ساكنيها، واكتفت ببعض عقوبات شكلية لا تسقط نظاماً مجرماً ولا تمنع جريمة نكراء، لتأتي اليوم وتنصب نفسها عرّاباً للحلول والأمن في المنطقة!
ثانياً: خطورة رضا أمريكا، حيث إن مدح العدو لسياسة البلاد الخارجية وإشادته العلنية بالدبلوماسية المتبعة يضعنا جميعاً أمام سؤال جوهري ومحوري هو: ما الذي جعل هذا العدو الحاقد يرضى كل هذا الرضا؟ ألا ينبئ هذا الإطراء الأمريكي الصريح عن حجم التنازلات الخطيرة والجريمة العظمى التي تُرتكب اليوم في حق البلاد والعباد؟ إن رضا أمريكا الصليبية والكيان الغاصب لا يحصل أبداً إلا بعد تقديم خدمات جليلة تنفذ مخططاتهم وتضمن أمن يهود وتكرّس هيمنتهم السياسية والعسكرية على المنطقة، وتبطل أهداف التضحيات التي قدمها أهل سوريا طوال سنين الثورة.
ثالثاً: حصاد التطبيع المهانة وإهدار الثوابت، ماذا ستحصد سوريا أو أي بلد إسلامي من الخضوع لسياقات التطبيع ورغبات القوى الاستعمارية سوى الذل والهوان والارتهان الدائم لإرادة الأعداء؟ أليس الواجب الشرعي في إدارة الصراع والعلاقة مع العدو المحتل أن يكون المنطلق هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والاعتماد على الأمة وقواها الذاتية؟ كيف يُسمح بأن تكون موجهات السياسة الخارجية مبنية على ما يمليه توم برّاك وما يرضي واشنطن وربيبها كيان يهود، متناسين واجب النصرة والتحرير والرفض القاطع لشرعنة وجود الاحتلال؟
رابعاً: لا بد من التأكيد على الواجب الملقى على عاتق الأمة. إن المسار الحالي يمثل خطراً يهدد هوية البلاد وثوابت أهل الشام، وإن السكوت عن تمرير هذه الاتفاقيات الأمنية تحت دعاوى "المصلحة الوطنية" أو "الواقعية السياسية" هو التردي بعينه. إن الأمة والفعاليات الثورية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى برفع الصوت وإعلان الرفض القاطع لكافة أشكال التطبيع المباشر وغير المباشر، والتأكيد على أن دماء الشهداء وتضحيات المهجرين والمستضعفين لم تكن لتكون ثمناً لغرفة عمليات أمنية مشتركة مع من يحتلون الأرض المباركة ويدنسون أقصاها ويبيدون غزتها.
إن التاريخ لا يرحم المساومين، وإن الأمة التي ترتضي رؤى أعدائها وتستبدل بعهودها ودماء شهدائها صفقات أمنية مشبوهة، إنما تكتب على نفسها التبعية والضياع. والواجب اليوم هو العودة إلى الجذور والثوابت، وتصحيح البوصلة قبل فوات الأوان.
بقلم: الأستاذ منير ناصر
المصدر: جريدة الراية



