- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-30
جريدة الراية: العراق أمام اختبار التسعين يوماً
في العراق، لا تبدو خطة علي الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة مجرد إجراء أمني جديد، ولا مهلة التسعين يوماً مجرد فترة تهدئة عابرة بين الفصائل المسلحة وأمريكا. فخلف هذه المهلة يقف سؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع الحكومة نقل العراق من مرحلة إدارة القوى المسلحة إلى مرحلة إخضاع السلاح لسلطة الدولة، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو تحويل البلاد مجدداً إلى ساحة للصراع الإقليمي؟
إن حصر السلاح ليس مسألة عسكرية فحسب، بل هو اختبار لطبيعة الدولة العراقية، ومستقبل الحشد الشعبي، والعلاقة مع إيران وأمريكا، وقدرة الحكومة على صياغة تسوية تحفظ مصالح العراق وسيادته.
وبحسب ما نقل عن علي الزيدي، تقوم الخطة على مرحلة أولى تمتد تسعين يوماً، تتوقف خلالها الفصائل عن شن الهجمات، مقابل عدم تعرضها لهجمات أمريكية، تمهيداً للانتقال إلى مراحل تتعلق بالسلاح ووضع المقاتلين والتشكيلات المسلحة، وصولاً إلى مرحلة نهائية قيل إنها تستهدف حزيران/يونيو 2027.
لكن هذه المواعيد لا ينبغي التعامل معها باعتبارها اتفاقاً نهائياً حظي بموافقة جميع الأطراف، في ظل استمرار التفاوض وتباين التصريحات بشأن تفاصيل الخطة ومراحلها.
ومع ذلك، فإن أهمية التسعين يوماً لا تكمن في الموعد وحده، بل فيما قد تتيحه من فرصة لكسر دورة الهجمات والضربات المتبادلة، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح ببحث مستقبل السلاح.
من وقف الهجمات إلى إعادة تنظيم السلاح
تكمن إحدى النقاط الجوهرية في الخطة في محاولة الانتقال من معالجة السلاح إلى وقف استخدامه أولاً. فإذا توقفت الهجمات، تراجعت احتمالات الرد العسكري، وأصبح التفاوض على مستقبل السلاح أكثر قابلية للتحقق. لكن التهدئة مهما طالت لا تعني بالضرورة حل المشكلة؛ فقد تكون مجرد تجميد مؤقت للصراع، ما لم تتحول إلى تفاهمات واضحة وآليات تنفيذ ملزمة.
وبغداد لا تتفاوض مع طرف واحد، فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران ليست كتلة متجانسة، إذ تختلف في امتداداتها السياسية، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها المؤسسية بالحشد الشعبي، ومدى استقلالية قرارها. ومن الخطأ افتراض أنها تتحرك جميعاً وفق غرفة عمليات واحدة، كما أن تجاهل نفوذ إيران في حساباتها سيكون خطأً مقابلاً. فإيران تمتلك علاقات عميقة مع قوى عراقية، ما قد يجعل موقفها عاملاً مؤثراً في نجاح التسوية من عدمه.
ومع ذلك، لا تختزل حسابات هذه الفصائل في موقف إيران وحده، فهي تمتلك أيضاً مصالح وحسابات داخلية تتصل بمواقعها السياسية ومستقبلها في الدولة العراقية. وهنا تكمن مهمة الزيدي في تحويل التخلي عن السلاح المستقل إلى مسار سياسي ومؤسسي قابل للحياة.
هل يمكن حصر السلاح من دون إراقة الدماء؟
إذا تراجعت احتمالات مواجهة أمريكا المباشرة، وضعفت المبررات التي تستند إليها بعض الفصائل في مهاجمة قوات ومصالح أمريكا، فقد تجد بعض القوى أن الانتقال إلى العمل السياسي والمؤسسي أكثر واقعية من استمرار المواجهة.
لكن الفصيل الذي امتلك السلاح سنوات طويلة لن يتعامل مع التخلي عنه بوصفه إجراءً إدارياً. فهو يريد معرفة مصير قياداته ومقاتليه، وموقعه السياسي، والضمانات التي تحول دون استهدافه بعد انتهاء دوره العسكري. ولا يعني ذلك منح حصانة فوق القانون، بل إنشاء مسار قانوني واضح يعالج أوضاع المقاتلين، ويفصل بين المسؤولية الفردية عن الانتهاكات وبين إعادة تنظيم المؤسسات والتشكيلات المسلحة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع الأطراف المستعدة للتفاوض، بل في التعامل مع من يرفض التخلي عن استقلالية قراره العسكري. وإذا انتهت المهلة وبقيت فصائل خارج التفاهم، فستجد الحكومة نفسها أمام الاختبار الأصعب وهو هل تلجأ إلى القوة لفرض القرار، أم تواصل التفاوض، أم تجمع بين الضغط السياسي والأمني؟
الحشد الشعبي... العقدة الأكثر حساسية
ثمة فرق جوهري بين تفكيك الفصائل وإعادة تنظيمها داخل مؤسسات الدولة. فالحشد الشعبي أصبح جزءاً من البنية الرسمية العراقية، وتراكمت حوله تشكيلات وقيادات وموازنات ومواقع سياسية. لذلك، فإن معالجة هذا الملف لا يمكن اختزالها في معادلة السلاح مقابل الحل. فالمسألة تتطلب إعادة تنظيم البنية العسكرية، وتعزيز خضوعها للمؤسسات الرسمية، والحد من قدرة أي تشكيل على العمل خارج التسلسل القيادي للدولة.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على تفاصيل حاسمة: من يملك سلطة إصدار الأوامر؟ كيف تُنظّم الوحدات؟ ما مصير القيادات؟ وكيف تُضمن حقوق المقاتلين ضمن إطار قانوني موحد؟
فحصر السلاح لا يتحقق بمجرد تغيير المسميات أو إعادة توزيع التشكيلات، بل بإنهاء استقلالية القرار العسكري، بحيث لا توجد قوة مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
واشنطن وطهران... بين الضغط والتسوية
من منظور أمريكا، يوفر وقف هجمات الفصائل مكسباً أمنياً مباشراً، يتمثل في خفض التهديد لقوات ومصالح أمريكا. لكن قبول التهدئة، إن تأكد رسمياً، لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن هدف الحد من القدرات العسكرية للفصائل المرتبطة بإيران. وقد تكون التهدئة، في هذا السياق، وسيلة لمنح المسار السياسي فرصة، بدل استمرار دورة الضربات المتبادلة.
أما إيران، فيمكن أن تكون عاملاً معرقلاً أو مساهماً في التسوية، بحسب تقديرها لتداعياتها على نفوذها داخل العراق. فإذا رأت أن إعادة تنظيم السلاح لا تعني إقصاء القوى السياسية المرتبطة بها، فقد تجد مصلحة في دعم انتقال تدريجي. أما إذا اعتبرت الخطة استهدافاً مباشراً لنفوذها، فقد تتشدد مواقف بعض الفصائل.
التسعون يوماً... بداية اختبار الدولة
قد تتيح الظروف الإقليمية والداخلية الراهنة فرصة لإعادة فتح ملف السلاح بصورة أكثر جدية. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز بمجرد إعلان التهدئة، بل بقدرة الحكومة على تحويلها إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، ثم إلى إعادة تنظيم مؤسسي حقيقي.
فإذا نجحت الحكومة في تثبيت الهدوء، وبناء ضمانات متبادلة، وإخضاع التشكيلات المسلحة لسلطة القانون، فقد تصبح عملية حصر السلاح مدخلاً لإعادة بناء الدولة. أما إذا انهارت التهدئة عند أول اختبار، أو تحولت الخطة إلى مواجهة مفتوحة بين الحكومة والفصائل، فقد يبقى العراق في دائرة الصراع التي يحاول الخروج منها منذ سنوات.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم
المصدر: جريدة الراية



