الأربعاء، 25 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/10/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-10-07

 

جريدة الراية: حين يشتد المخاض

أيُّ مولود ينتظره العالم؟

 

 

كشفت المواجهة مع إيران أن ميزان القوة في العالم لم يعد يُقرأ بالأرقام وحدها، فالدولة التي تملك أضخم الجيوش وأحدث الأسلحة وأكبر القواعد العسكرية وأوسع شبكات التحالف قد تبلغ سقفاً لا تستطيع تجاوزه، وقد اكتشفت أمريكا في هذه المواجهة حدود قدرتها على تحويل تفوقها العسكري والتقني إلى حسم عسكري أو سياسي كامل.

 

في المقابل، لم تعد القوة محصورة في الجيوش والاقتصادات، بل أصبحت تمتد إلى التكنولوجيا والرقائق والذكاء الاصطناعي والطاقة والبيانات وسلاسل الإمداد والقدرة على التأثير في القواعد والمعايير التي تحكم هذا العالم المترنح. ولذلك فإن ما يجري يتجاوز انتقال النفوذ من قوة إلى أخرى، كما يظن البعض، إنما هو اضطراب يصيب بنية النظام الدولي برمتها، حيث تتراجع قدرة القديم على ضبط المشهد وتتوالى دعوات إنقاذه من داخل هذه الفوضى، بينما لم تتشكل بعد ملامح البديل. ومن هنا تكتسب كلمة المخاض معناها الحقيقي: مرحلة يتداعى فيها واقع مُشوّه، وتتخلق في أحشائه ملامح واقع آخر، دون أن يكون المولود قد ظهر بعد.

 

في الأمم المتحدة تجتمع الدول داخل مؤسسة أنشئت لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، بينما تواجه المؤسسة نفسها أسئلة حول قدرتها على التعامل مع أزمات عالم أكثر تعقيداً ومع أنشطة تقع دون عتبة النزاع المسلح. وفي واشنطن وبكين يتواصل التنافس على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والرقائق والذكاء الاصطناعي، في صراع يتجاوز الأسواق إلى قواعد المستقبل. وهنا يقول رئيس الصين من واشنطن إن أمريكا والصين ينبغي أن تكونا شريكتين لا متنافستين.

وفي أوروبا تتزايد المخاوف والأسئلة حول الأمن والطاقة والاستقلال الاستراتيجي وموقع القارة بين القوى الكبرى وخاصة أمام موجة تهديدات روسيا الهجينة. أما التكنولوجيا، فقد خرجت من كونها قطاعاً اقتصادياً إلى أن أصبحت جزءاً من الأمن والسيادة والنفوذ الدولي. أما حكام المسلمين، فأمثلهم طريقة من يتباكى على فلسطين وينتقد صمت النظام الدولي، وهو شريك في الجريمة، وإلا فهل يمر تحرير الأقصى عبر التمسح بأعتاب الأمم المتحدة؟

 

هذه المشاهد كلها تبدو منفصلة، لكنها في مجموعها تكشف أن النظام الدولي لم يعد كافياً لضبط النزاعات أو حصرها، وأن مؤسساته لم تعد قادرة على حماية القواعد التي قام عليها، بعدما كشفت الحروب والانتهاكات، ولا سيما في غزة، اتساع الفجوة بين ما تنص عليه مواثيقه وما تستطيع مؤسساته فعله على الأرض. ومن داخل هذه الفجوة العميقة تتعالى أصوات الإنقاذ والمراجعة، وقد اتسع الخرق على الراقع، فيما تشرئب أعناق الشعوب انتظاراً لمولود جديد، ولنظام دولي بديل لم تتشكل ملامحه بعد، لكن المؤكد أن البشرية جمعاء باتت أشد حاجة إلى نظام أكثر أمناً وعدلاً، وأقدر على مواجهة الظلم والطغيان وما أفرزه النظام الرأسمالي من أزمات وكوارث لم تعد آثارها مقصورة على مجتمع أو دولة، بل غدت عبئاً يثقل كاهل الكوكب بأسره.

 

وما دامت الدول تقوم أساسا على الأفكار، فإن القوة تبدأ من القدرة على وضع القواعد والمعايير التي تتحرك وفقها الدول والمعاملات الدولية، ومن القدرة على التأثير في السياسة الدولية انطلاقا من فكرة مبدئية تهتم بإنسانية الإنسان.

 

وهنا نجد القوى الكبرى، تعيش حالة إفلاس فكري وتيه حضاري جعلتها تتخندق في مربع التعادل السياسي، حتى صار الكل يحاول أن يستمد قوته من تراجع قوة الآخرين. وهكذا، فإن التنافس بين القوى الكبرى اليوم ليس تنافساً على النفوذ فقط، بل على من يملك القدرة على تشكيل البيئة التي سيعمل العالم داخلها غداً.

 

لكن المخاض لا يحدث بين الدول الكبرى وحدها. إنه يحدث في بنية العالم نفسها. فالدول ما زالت الفاعل الأساسي، لكن الشركات التكنولوجية أصبحت تمتلك قدرات عابرة للحدود، تستمد قوتها من رأس المال والشبكات المالية العالمية، ومن احتكار المعرفة والبيانات والبنية الرقمية، ومن تحالفاتها مع مراكز القوة السياسية والأمنية، بما فيها شبكات النفوذ المرتبطة بكيان يهود والحركة الصهيونية، وهو ما يمنح بعضها قدرة على تجاوز الحدود والإفلات من كثير من أدوات الرقابة التي تملكها الدول الأضعف.

والاقتصاد العالمي ما زال مترابطاً، لكن سلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من الحسابات الاستراتيجية. والتكنولوجيا تتقدم بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات السياسية على تنظيمها. أما المؤسسات الدولية، فما زالت قائمة، لكن القواعد التي قامت عليها لم تعد تستوعب وحدها كل التحولات الجديدة.

 

وهكذا يتعايش القديم والجديد في لحظة واحدة: مؤسسات القرن العشرين مع أدوات القرن الحادي والعشرين، ودول ذات سيادة مع قوى اقتصادية وتكنولوجية عابرة للحدود، وقواعد قديمة مع حروب هجينة وموازين قوة تتغير باستمرار. لكن إذا كان هذا هو المخاض الذي يمر به العالم، بكل ما يحمله من وحشية وانهيار للقيم الإنسانية، فأيّ مولود يمكن أن يخرج من رحم هذا الألم؟

 

هنا لا يصبح الأمر متعلقا فقط بإعادة توزيع القوة بين أمريكا والصين أو أوروبا أو غيرها داخل المبدأ الرأسمالي نفسه، بل تصبح المسألة أعمق: هل سيولد نظام جديد يمحو كل صور الاستغلال البشري وكل أشكال التدمير الممنهج للمجتمعات والقيم الإنسانية، فيؤسس لصور مختلفة جذريا للقوة والسيادة والوحدة؟

 

في هذا المشهد القاتم، نرى الأمة الإسلامية جزءاً أصيلاً في عملية تشكل البديل الحضاري الذي تنتظره البشرية، وهذا ما تمليه عقيدتها، أمة تتألم تحت وطأة واقعها الممزق، وتعيش آثار فقدان دورها القيادي وموقعها الريادي ومكانتها الحضارية، لكنها موعودة بالنصر وتحمل في أعماقها مقومات النهوض واستعادة ذلك الدور الذي ملأ جنبات التاريخ.

 

فالأمة التي فقدت كيانها السياسي الجامع قبل قرن، وتوزعت بعد ذلك بين كيانات كرتونية وحدود وهمية ومشاريع سياسية متعددة ومتنافرة، لم تفقد وجودها الحضاري ولا الرابط العقدي الذي جمعها، بل ظلت تُراكم الوعي لتجيب عن سؤال واحد: كيف تستعيد الأمة وحدتها وقرارها ومكانتها؟

 

إن الجواب لا يكون بترقيع الرأسمالية، ولا باستبدال تبعية بتبعية، وإنما بإعادة بناء كيان سياسي جامع يستند إلى الإسلام ويجمع المسلمين تحت قيادة واحدة، قبضا على الدين وعضّا على السنة بالنواجذ، وهنا تكتمل دلالة المخاض.

 

فإذا كان المخاض يعني أن واقعاً قديماً بلغ مرحلة العجز، وأن عناصر واقع جديد بدأت تتشكل، فإن المولود في تصور الواعين هو الوعد والبشرى: خلافة راشدة على منهاج النبوة، سيكون لها موقع فاعل في العالم، لا مجرد مساحة تتنافس عليها القوى الكبرى.

 

قد يطول المخاض، وقد تتعثر محاولات الولادة، لكن الثابت أن العالم اليوم لم يعد كما كان، وأن مفهوم القوة نفسه يعاد تشكيله، وأن كل المؤسسات والقواعد والتحالفات التي أنتجتها الرأسمالية مهددة في أسس بنيانها القابل للانهيار.

 

وهذا ما بات يخشاه الغرب أكثر من أي وقت مضى، ولذلك زادت شراسته ووحشيته خوفا من طوفان الأمة، لتمام إدراكه بقرب قدوم المولود.

 

ختاما: إن المرحلة فاصلة بين واقع يموت تدريجياً وواقع سيولد قريبا بإذن الله، والعالم اليوم يقف في هذه المنطقة الفاصلة. والأمة التي ظن بعضهم أن هدم كيانها السياسي قد أنهى دورها ما زالت حاضرة ما دام كتاب ربها بين أيديها وما دام فيها رجال مخلصون يحملون دعوة استئناف العيش بالإسلام، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع