- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-07
جريدة الراية: حرب أمريكا وإيران
بين القوة الطاغية والقوة الناشئة
إن الحرب الدائرة بين قوة طاغية في عددها وعدتها، وما تملكه من تقنيات وتفوق جوي ساحق، وقوة بحرية عملاقة لا تضاهى، وقوة برية عدداً ولوجستياً صعب تصورها، وقواعد عسكرية على طول الأرض وعرضها، وتدور في فلكها العديد من الدول القوية التي تقوم على خدمتها، ودول صاغرة طائعة تعيش فقط لخدمتها.
وهي تقاتل على أرض غيرها مجنبةً عمقها الاستراتيجي وقاعدتها الكبرى أمريكا بعيداً عن يد الأعداء ومحمية بالمحيطات والمسافات وقوة الردع النووية وأخواتها، والأقمار الصناعية التي ترقب الأرض شبراً شبراً، وأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم.
وأمام هذا الوصف لهذه الكتلة العسكرية الطاغية التي أخطأت قيادتها السياسية في حسابات البيدر الإيراني؛ هذه الكتلة الصغيرة في عددها وعدتها وإمكاناتها وما تملكه من بنى متهالكة. يبرز الوعد الإلهي النافذ ليُعيد رسم المشهد من منظور أوسع وأعمق؛ فإن الملك لله ينزعه ممن يشاء متى شاء، ولو كانوا أعظم قوة عالميا مثل أمريكا، ويهب الملك لمن يشاء متى شاء لقوة أقل منها ولو انعدمت الأسباب.
وما نراه اليوم من سقوط الإمبراطوريات التي عايشناها نحن منذ خمسين عاماً فقط، يجعلنا نتوقف قليلاً للتدبر؛ فالإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والسوفيتية سقطت وانهارت بعد أن انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، واستعبدت الشعوب أيما استعباد، وامتصت كل خيراتها بلا هوادة، ولكنها سقطت بدون حرب مباشرة أدت إلى هزيمتها، وانهارت انهياراً عجيباً وما بقي لها إلا اسمها الأصلي: فرنسا، بريطانيا، روسيا.
ولو نظرنا نظرة فاحصة في أسباب سقوطها لأدركنا أنها ليست هزيمة عسكرية بهذا المعنى، فقد اجتمعت عليها عوامل أخرى جعلت الحملات العسكرية ومقاومة الشعوب هي القشة التي قصمت ظهر البعير. وهذه العوامل لا بد من النظر فيها بتجرد وهي:
- الانتشار والتوسع الاستعماري
- الإفساد في الأرض واستعباد الشعوب
- نهب خيرات الشعوب المستعبدة وتجويعها وإذلالها
- صراع هذه الإمبراطوريات ومكائدها لبعضها
- فساد المبدأ الذي قامت عليه حيث يقوم على المصالح والإفساد
- الاستكبار في الأرض والإيغال في العظمة التي تخالف السنن الكونية؛ فمن نازع الله في كبريائه وعظمته قصمه الله
- غياب العدالة في هذه الإمبراطوريات
فالإمبراطوريات السابقة تصارع اليوم فقط على البقاء لشعورها أن الفناء قادم لا محالة.
وإن أمريكا ليست بدعاً من تلك التي سبقتها؛ فقد خرجت للعالم بعدما استتب أمرها في قلب المحيطات، وبعدما أفنت ملايين من أبناء أمريكا الأصليين وحولتهم إلى تراث شعبي. وكانت فرصتها الحرب العالمية الثانية التي سيقت لها، وبذلك أصبحت هي الإمبراطورية الرابعة تتقاسم العالم بينها وبين الاتحاد السوفيتي، حيث اتفقتا على تصفية الإمبراطوريات السابقة وعلى رأسها بريطانيا العظمى وفرنسا العظمى. وبعد تقليص وجودهما، انقضّت أمريكا على الاتحاد السوفيتي بمخططاتها ومؤامراتها، يساعدها في ذلك إفلاس المبدأ الشيوعي وفراغه من تقديم شيء للشعوب التي ترزح تحت نيره، فانهارت هذه الإمبراطورية وأزيلت من على الخارطة السياسية واضمحلت إلى أن وصلت لروسيا اليوم، والتي هي ليست قادرة على حماية عاصمتها موسكو وأراضيها.
ما جرى لسابقاتها لم يكن عبرة لآخر الإمبراطوريات العالمية أمريكا، ولم يكن لها في الدروس معتبر، بل زادها ذلك غروراً وتكبراً في الأرض واستنزافاً لخيرات الشعوب وإفقارهم وتلذذاً بجوعاتهم، بل تجاوز حدود طغيانها أنها اعتبرت قتل الشعوب وتدمير بلادهم أمراً طبيعياً ولازماً؛ فهي التي دمرت فيتنام، وقصفت اليابان بالسلاح الذري، ودمرت أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان وإيران، وما زالت سادرة في غيها وطغيانها وإفسادها في الأرض. وأعماها تفردها وقوتها الطاغية عن أن ترى سنن الله التي أهلكت من سبقها كيف فعلت بهم وهي تفعل بها ما فعلت بسابقاتها.
إن أمريكا أفرغت من الداخل فأصبحت كبيت العنكبوت، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون. أدرك كثير من عقلاء أمريكا وكثير من مفكريها هذا الواقع، وهم الآن يصفون هذا الضعف والسقوط، ولكنه عمى القوة والغرور وخوف الآخرين منها جعلها تعمى عن رؤية هوانها وضعفها وما يجري في داخلها من تمزق مجتمعي وانحلال أخلاقي لا نظير له، ومن فقر وجوع وأزمات ومديونية تجاوزت 40 تريليون دولار يستحيل سدادها.
ولكنه العمى الذي لا شفاء منه، والسقوط الذي لا مرد له؛ ولذلك فإن أمريكا آيلة للسقوط الداخلي والانكفاء عن المسرح الدولي شاءت أم أبَت، رضيت أم لم ترضَ؛ فهي تصارع سنن الله في الطغاة والظالمين والمتكبرين والمفسدين في الأرض. ونرجو الله العلي القدير أن نشهد ساعة سقوطها العظيم والمزلزل وأن يكون ذلك على أيدينا، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
بقلم: الأستاذ سالم أبو سبيتان
المصدر: جريدة الراية



