الخميس، 26 ربيع الثاني 1448هـ| 2026/10/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-10-07

 

جريدة الراية: قراءة في خفايا الاستنفار الأمني

والخطاب الحربي الأوروبي المتصاعد ضد روسيا

 

 

شكلت الحرب الروسية الأوكرانية بالمفهوم الاستراتيجي حربا كبرى بين قوى كبرى، روسيا كفاعل مباشر وأمريكا وأوروبا من الخلف وأوكرانيا هي مسرحها، فتأثيرها الاستراتيجي على الموقف الدولي أخطر وأعمق.

 

فهدف أمريكا من الحرب هو إغراق روسيا في مستنقعها لمنع أي تحالف بين روسيا والصين، مع كسر وشل قوة روسيا العسكرية، وكذلك جعل هذه الحرب شغل وهاجس أوروبا لعزلها عن الساحة الدولية، وحددت أمريكا سقفا محددا ومحدودا ومستوى من تعفن الحرب الأوكرانية الروسية حتى لا تتجاوزه إلى الحرب الكبرى التي يتورط فيها الحلف الأطلسي ومعه أمريكا.

 

أما بريطانيا فترى في هذه الحرب فرصتها الكبرى لخلط الأوراق الدولية وإعادة الفرز وتشكيل الموقف الدولي بما يخدم سياساتها الاستعمارية. فهذا السخاء المسموم في دعم بريطانيا لأوكرانيا هدفه الدفع بهذه الحرب إلى شفير الحرب الدولية الكبرى، طمعا منها في تغيير هيكل الموقف الدولي وميزان القوى لاستعادة نفوذها الاستعماري المفقود.

 

أما أوروبا وحالة الاستنفار والخطاب الحربي المتصاعد فيها حاليا، فكأنها تستعد لحرب وشيكة وهجوم كاسح ضد روسيا، فهذا الموقف يستدعي قراءة متأنية للوضع الأوروبي والحالة الاستراتيجية والعسكرية لدول أوروبا وتحديدا دولها الفاعلة في سياساتها كألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

 

فرغم الخطاب الحربي المتصاعد والتحذيرات المتنامية من خطر الحرب الروسية الأوكرانية وتحولها من حرب داخل أوكرانيا إلى أزمة أمنية أوروبية، وتوصيفها بأنها أخطر تهديد للأمن الأوروبي منذ عقود، ومن كون الانتهاكات الجوية وأعمال التخريب والهجمات السيبرانية والأنشطة الهجينة الروسية ضد دول الناتو وأوروبا ازدادت في الآونة الأخيرة. لكن هذا الخطاب الحربي الأوروبي رغم حدته وعلو نبرته يحجب النظر للدوافع والأسباب والأهداف الحقيقية له.

 

وإن كانت حرب روسيا على أوكرانيا تشكل تهديدا أمنيا لأوروبا، فروسيا متورطة وغارقة في حرب أوكرانيا، وما انفك وزير خارجيتها لافرورف يصرح بوضوح شديد ويكرر أن روسيا لا تسعى لحرب أوروبا، ففي 27 أيلول/سبتمبر 2025 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قال إن روسيا "لم تكن لديها، وليس لديها، نية لمهاجمة الناتو أو الاتحاد الأوروبي"، وأضاف أن بوتين دحض مراراً هذه الاتهامات، وفي 9 شباط/فبراير 2026 قال لافروف "لن نهاجم أي جزء من أوروبا، ليست لدينا أي أسباب للقيام بذلك"، وفي 16 أيلول/سبتمبر 2026 في يكاترينبورغ كرّر أن روسيا "لا تنوي مهاجمة الدول الغربية ولا مصلحة لها في ذلك" وقال إن موسكو سبق أن أكدت ذلك مرارا. كما أن زيادة الأنشطة الهجينة الروسية داخل الفضاء الأوروبي المجاور لها تحديدا، تدخل في خانة الدفاع وردات الفعل على الدعم الأوروبي المتنامي لأوكرانيا، ولا تصنف في باب الهجوم على دول أوروبا.

 

كما أن هذا الاستنفار الحربي الأوروبي، تنفي التقارير الأوروبية نفسها وتقديرات الاستخبارات الأوروبية من كونه مقدمة لحرب أوروبا الوشيكة على روسيا، فبحسب تقارير وتقديرات أوروبية رسمية ومؤسساتية "تضع نهاية العقد الحالي وبالأخص 2029-2030، كنقطة زمنية مهمة لقدرة روسيا المحتملة على تهديد دولة من دول الناتو". فيجب الانتباه إلى أن هذه التقارير لم ترد فيها أية إشارة لقيام روسيا بهجوم عسكري على أوروبا عام 2030؛ بل تتحدث غالباً عن بلوغ القدرة العسكرية الروسية مستواها الحرج أو امتلاك خيار شن الحرب، فهي تحليل للوضع المستقبلي للقوة العسكرية الروسية وليست تقارير لخوض حرب طارئة.

 

وهو ما يطرح السؤال الأهم من وراء هذا الاستنفار الأمني والخطاب الحربي المتصاعد في أوروبا حاليا؟

 

والجواب أن تفسير ذلك راجع إلى عامل من خارج أوروبا بالغ الأهمية والخطورة على الأمن الاستراتيجي الأوروبي، وهو أمريكا وصدمة ترامب في رفع الغطاء والمظلة الأمنية عن أوروبا، وتنصله من التزامات الحلف الأطلسي ورمي أوروبا بأعبائه المالية والعسكرية وقد اختبرت أوروبا ذلك مع حرب أوكرانيا.

 

فصدمة الاعتماد على أمريكا والتي زاد من معضلتها اعتماد أوروبا الشديد على سلاح أمريكا، حيت بلغ معدل الاعتماد مستوى التبعية العسكرية 64٪ من واردات السلاح الأوروبية أمريكية خصوصاً الطيران.

 

فوراء الخطاب الحربي المتصاعد صدمة المظلة الأمنية الأمريكية التي بدأت في التآكل ومأزق الاعتماد الشديد على السلاح الأمريكي غير المضمون مع تقلبات الإدارات الأمريكية والانقسام السياسي الأمريكي الحاد وتداعيات ذلك على أوروبا، ومعها انكشاف أعطاب أوروبا الاستراتيجية والعسكرية.

 

فهذا الخطاب الحربي الأوروبي غايته الخفية وهدفه الحقيقي هو إعادة بناء قدرات أوروبا العسكرية والصناعية والتكنولوجية الذاتية، وما يستوجبه من نفقات ضخمة طائلة ومكلفة ومرهقة مجتمعيا في ظل أزمة أوروبا الاقتصادية الخانقة وانحسار مجالها الاستعماري وانكماش عائداته والاحتقان الشعبي المتنامي.

 

 فحرب روسيا على أوكرانيا باتت ترى فيها أوروبا فرصة تاريخية لإعادة بناء الصناعة العسكرية الأوروبية ومعها تطوير صناعاتها وبناء تكنولوجيتها وتمريرها نفقاتها وتكاليفها مجتمعيا تحت مطرقة التهديد الأمني الوجودي الروسي لأوروبا.

 

فالإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بسرعة شديدة؛ فقد زاد الإنفاق الأساسي لدول الناتو الأوروبية وكندا بنحو 20% في سنة 2025 وحدها. وإن كان خطر روسيا حقيقيا، لكن إعادة تسلح أوروبا له أيضاً دوافع استراتيجية وعسكرية وصناعية وسياسية واقتصادية مستقلة عن حجم خطر روسيا المباشر.

 

ثم هناك عامل الصين وغزو صناعتها وتكنولوجيتها لأوروبا الأمر الذي حول أوروبا لسوق صينية، فغزو الصين الاقتصادي لأوروبا عبر فائض القدرة والإنتاج الصناعي الصيني فاقم عجز أوروبا التجاري الذي بلغ سنويا 360 مليار يورو أي بمعدل 22,3% من إجمالي الواردات الأوروبية، ومعه تعاظمت المعضلة الصناعية والتكنولوجية الأوروبية، فقد اخترقت الصين سوق السيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات والبرمجيات والتكنولوجيا والطاقة الخضراء، ففي الربع الثاني لسنة 2026 وحده بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الصين 153,6 مليار يورو بمعدل 21,9% من حجم الواردات من خارج الاتحاد، والذي زاد من حدة أزمة أوروبا تجاه الصين هو استنزاف قاعدتها الصناعية وضرب قطاعها الصناعي الحيوي عبر انكماش صادرات أوروبا للصين وارتفاع وارداتها منها (كمثال أزمة قطاع صناعة السيارات الحيوي الحادة في ألمانيا، ففي تموز/يوليو 2026 وحده هبط إنتاج قطاع السيارات الألماني بمعدل 9.2%، مع فقدان أكثر من 109 ألف منصب شغل في هذا القطاع حتى نهاية 2025). هذا الوضع جعل المفوضية الأوروبية تتحدث بصوت مرتفع عن معالجة الاختلالات وضرورة التكافؤ في العلاقة الأوروبية الصينية.

 

والسبب الرئيسي لتلك الاختلالات تدهور وتقهقر الصناعات الأوروبية وضعف الابتكار والتطوير على مستوى التكنولوجيا والمحركات الكهربائية والرقائق والبرمجيات.

 

ويرى الاتحاد الأوروبي ودوله المركزية ضرورة استراتيجية قصوى في إعادة بناء اقتصادها وتطوير بنيتها الصناعية والتكنولوجية لصد هجمة الصين والتبعية العسكرية والتكنولوجية لأمريكا، وأن المحرك الأساسي لذلك هي الصناعة الحربية فهي المختبر والمعمل الأساسي لتطوير الصناعة والتكنولوجيا الأوروبية.

 

فالعامل الصيني وتحدياته كذلك من أهم الدوافع وراء هذا الاستنفار والخطاب الحربي المتصاعد لإعادة بناء وتطوير العسكرية والصناعة والتكنولوجيا الأوروبية.

 

يبقى الخطاب خطابا والإجراء العملي وإكراهاته المتعلقة بحقيقة أوروبا المفككة والمتشرذمة وغاياتها الاستراتيجية والاستعمارية المختلفة والمتضاربة وجهودها المبعثرة وديونها الفلكية وفوق كل هذا إفلاسها الثقافي والحضاري هو العقدة التي يتعسر ويتعذر حلها أوروبيا بل وغربيا... هي إرهاصات موت الغرب وما تنفع في ذلك التمائم ولا البراشم!

 

بقلم: الأستاذ مناجي محمد

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع